السرطان من المطاردة إلى الاستهداف… هل يقهر المرض؟

علاجات ولقاحات مبتكرة تفتح آفاقا جديدة في مكافحة السرطان باستهداف الأورام بدقة وتعزيز جهاز المناعة للقضاء عليها

السرطان من المطاردة إلى الاستهداف… هل يقهر المرض؟

يشير تقرير صدر عام 2026 عن الوكالة الدولية لبحوث السرطان وجمعية السرطان الأميركية إلى أن نحو 20.6 مليون إصابة جديدة بالسرطان ونحو 10 ملايين حالة وفاة ناجمة عن المرض سجلت عام 2024. ووفقا للتوقعات المستندة إلى البيانات الديموغرافية، فإن العدد السنوي لحالات الإصابة الجديدة بالسرطان سيصل إلى 34.4 مليون حالة في عام 2050، أي بزيادة قدرها 67 في المئة، مقارنة بعام 2024.

وكان سرطان الرئة الأكثر تشخيصا في ذلك العام، إذ مثل نحو 2.6 مليون حالة جديدة، أي حالة واحدة من بين كل ثماني حالات إصابة بالسرطان على مستوى العالم، أو 12.8 في المئة من إجمالي الحالات، تلاه سرطان الثدي لدى النساء (11.8 في المئة) وسرطان القولون والمستقيم (9.9 في المئة). كما شكل سرطان الرئة السبب الرئيس للوفيات الناجمة عن المرض، إذ كان مسؤولا عن نحو 19.1 في المئة من حالات الوفاة، تلاه سرطان القولون والمستقيم (9.4 في المئة) وسرطان الكبد (7.5 في المئة) كأكثر الأسباب شيوعا للوفاة.

على الرغم من هذا الواقع، فإن التقدم في التشخيص والعلاج فتح الباب أمام عصر جديد من الطب الدقيق القائم على فهم الخصائص الجينية والمناعية لكل ورم.

يتمثل أحد أبرز التحولات في العلاج المناعي، الذي يعزز قدرة جهاز المناعة على التعرف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد غيرت مثبطات نقاط التفتيش المناعية نتائج بعض السرطانات، لا سيما الميلانوما المتقدمة وسرطانات الرئة والكلى والمثانة. ويتوسع استخدام هذه العلاجات باستمرار، مع ظهور تركيبات جديدة وأساليب تستهدف تنشيط الاستجابة المناعية بطرق أكثر دقة. ففي الورم النخاعي المتعدد، على سبيل المثل، أدى الجمع بين محفز الخلايا التائية، "تيكليستاماب" و"داراتوموماب"، إلى توسيع خيارات العلاج للمرضى الذين يعانون من انتكاس المرض أو مقاومته، من خلال توجيه الخلايا التائية لمهاجمة الخلايا السرطانية.

وتمثل لقاحات السرطان الشخصية اتجاها واعدا في العلاج المناعي، إذ تصمم استنادا إلى الطفرات الخاصة بورم كل مريض لتدريب الجهاز المناعي على التعرف الى الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وأظهر العلاج الذي طورته شركتا "موديرنا-ميرك" القائم على الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)، "إنتسميران أوتوجين"، باستخدامه مع "بيمبروليزوماب" ("كيترودا")، فائدة مستدامة لدى مرضى سرطان الجلد العالي الخطورة بعد الجراحة، إذ أظهرت بيانات خمس سنوات انخفاضا بنسبة 49 في المئة في خطر عودة المرض أو الوفاة مقارنة باستخدام "بيمبروليزوماب" وحده. ويجري أيضا اختبار هذا النهج في سرطانات الرئة والمثانة والكلى، وغيرها.

كما أصبح تحليل البصمة الجينية للورم أساسا في سرطان الرئة، حيث يوجه اختيار العلاجات المستهدفة للطفرات مثل EGFR وALK وROS1، أو العلاج المناعي عند وجود مؤشرات حيوية مناسبة. وفي يوليو/تموز 2026، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على عقار "زيدسامتينيب" لعلاج مرضى سرطان الرئة غير صغير الخلايا الحاملين لطفرة ROS1 ممن سبق أن تلقوا علاجا، في توجه جديد للعلاجات المصممة خصيصا لاستهداف اضطرابات جزيئية محددة في الأورام.

وفي سرطانات الدم، تواصل العلاجات بالخلايا التائية ( CAR-T) تحقيق نتائج مهمة عبر تعديل الخلايا المناعية وراثيا لمهاجمة السرطان، خصوصا في بعض حالات اللوكيميا واللمفوما والمايلوما المقاومة للعلاجات الأخرى.

وتتجاوز العلاجات الموجهة نطاقها التقليدي المقتصر على تثبيط الإنزيمات أو المستقبلات. ففي أغسطس/آب 2026، أصبح عقار "داراكسونراسيب" أول علاج موجه لبروتين RAS تعتمده إدارة الغذاء والدواء الأميركية لعلاج سرطان البنكرياس النقيلي، إذ يستهدف مباشرة بروتينات RAS التي تحفز نمو الورم، والتي طالما اعتبرت من أصعب الأهداف العلاجية.

وشهد عام 2026 تطورا في فئة "محللات البروتينات الموجهة"، إذ حصل دواء "فيبديجيسترانت" على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية، كعلاج معتمد لسرطان الثدي المتقدم لدى المريضات الحاملات لطفرة ESR1، حيث يتم إزالة البروتينات المحفزة للسرطان بدلا من مجرد تثبيط نشاطها. وفي علاج أنواع معينة من سرطان المبيض وقناة فالوب، برز "ميرفيتوكسيماب سورافتانسين" (إيلاهيري)، وهو جسم مضاد مقترن بدواء سام يستهدف الخلايا الحاملة لبروتين FRα، مما يسمح بإيصال العلاج بدقة أكبر إلى الورم.

وتشمل الابتكارات الأخرى استخدام "دورفالوماب" ضمن استراتيجيات الحفاظ على المثانة في سرطان المثانة الغازي، إضافة إلى تقنيات توصيل الدواء بالموجات فوق الصوتية، والمستحضرات الدوائية المشعة التي تحمل الإشعاع مباشرة إلى الخلايا السرطانية. وتؤكد هذه التطورات أن مستقبل علاج السرطان يتجه نحو علاجات أكثر دقة وتخصيصا، مع تحسين فرص البقاء وجودة الحياة.

font change