"نالا"... وتجربة محمد علي علوان

"نالا"... وتجربة محمد علي علوان

استمع إلى المقال دقيقة

للقصة القصيرة حظ من اسمها، فهي تبدو قصيرة حين تقاس بعدد كلماتها، لكنها لا تكون كذلك حين تقاس بما تستطيع أن تتركه في القارئ. وربما لهذا ظل الأديب القاص السعودي محمد علي علوان يعود إليها أكثر من أربعة عقود، من قصة أولى سماها "حكاية"، إلى كتب تباعدت سنوات صدورها، ولم يتباعد فيها بحثه عن الإنسان والمكان.

وفي قراءة سيرة علوان الإبداعية، تستوقفني مصادفة بدايته "حكاية"، التي نشرتها جريدة "الجزيرة" السعودية، لتكون طريقه الأول إلى القارئ وفرحته الأولى بالنشر الجماهيري. ولم يكن صاحبها يومها يعلم، وهو يرى حكايته مطبوعة، أنه سيقضي أربعة عقود لاحقة يبحث عن الحكاية نفسها في أشكال مختلفة. ثم جاءت "الخبز والصمت" عام 1977، وتبعتها "الحكاية تبدأ هكذا" و"دامسة" و"هاتف" و"إحداهن" و"طائر العشا"، في إصدارات متباعدة، وكأن الكتابة عنده لم تكن سباقا مع النشر، بل اختبار للشخصيات والذاكرة.

أما مجموعته "الخبز والصمت" فحملت منذ بدايتها قراءة استثنائية، إذ وصلت نصوصها إلى الأديب المصري يحيى حقي عن طريق الأديب عبدالله الماجد، فقرأها وكتب مقدمتها. وظل علوان يرى فيها شهادة تتجاوز شخصه إلى القاصة والقاص السعودي. وفي مجموعته "طائر العشا"، رأى أن صدورها جاء ليؤكد لياقته السردية في التقاط أشكال القصة وأنماطها، كأن السنوات لم تمنحه إجابة نهائية عن الفن، بل أبقت سؤاله مفتوحا.

وتبقى المسافة بين إصداراته تقول شيئا آخر عن تجربته. لم يكن علوان يعيد كتابه الأول أو يكرره. كان العالم يتغير، وتتغير معه زاوية التقاط الحكاية. وما اتصل في البدايات بثقل القرية والجماعة، اتسع لاحقا مع تحولات الإنسان والعلاقات وإيقاع الحياة. وظلت أمامه الحكاية قصيرة في مساحتها، لكنها لم تبق في الزمن نفسه.

في قراءة تجربة علوان لا يمكن فصله عن عسير. فالجبل والقرية والوديان واللهجة والعادات والتنور ونار الفرن والشاي والعسل لم تكن تفاصيل هامشية حول الشخصيات، بل جزء من تكوينها. وقد وصف القرية بأنها "الذاكرة الحقيقية" التي يستلهم منها حكاياته وقصصه، لذلك تبدو مكانا يسكن أبطاله بقدر ما يسكنونها، ويتحول المكان من "الخبز والصمت" إلى "دامسة" ثم "تهلل: حكايات الجبل" من جغرافيا للحكاية إلى قوة تشارك في صنعها.

اختارت "نالا" علوان شخصية لدورتها، وجعلت من تجربته مدخلا إلى أسئلة القصة السعودية وتحولاتها المجتمعية والثقافية

وربما كانت هذه إحدى خصائص تجربته، أنه لم يبحث عن اتساع قصته بالخروج من محليتها، بل ذهب إلى المكان الأكثر خصوصية فوجد فيه ما يتجاوزه. وهي مسألة تستحق القراءة اليوم، حين أصبح وصول الكاتب والكتاب إلى العالم أسرع، وبقي السؤال: ماذا يحمل معه حين يصل؟

ولعل هذا ما يجعل عودة علوان اليوم من باب القصة نفسها أكثر دلالة من مجرد استعادة اسم راحل. فـ"جمعية آداب وفنون السرد" (نالا)، وهي تضع القصة السعودية القصيرة في واجهة ملتقاها الأول بالرياض في 9–10 سبتمبر/أيلول الجاري، اختارت علوان شخصية لدورتها، وجعلت من تجربته مدخلا إلى أسئلة القصة السعودية وتحولاتها المجتمعية والثقافية وثيماتها وتسريدها للمدينة وسماتها الفنية المعاصرة، عبر سبع جلسات، إلى جانب فيلم وثائقي عنه.

وهنا لا يعود الملتقى واقفا عند تجربة قاص من جيل سابق، بقدر ما يضع زمنين للقصة أمام بعضهما: زمن الصحيفة والمجلة والمجموعة المطبوعة، وزمن الشاشة والمنصة وتبدل عادات القراءة والقراء. وبينهما تغير المجتمع والمدينة واللغة ووسائل النشر، وبقيت القصة مطالبة في كل مرة بالعثور على شكلها وقارئها.

وأجد أن أجمل ما في الاحتفاء بعلوان أن الحديث عنه لن يبقى وحده في القاعة، إذ تصدر "نالا" أعماله القصصية الكاملة، ليصبح النص نفسه حاضرا إلى جوار ما سيقال عنه. وأفضل احتفاء بكاتب أن لا يتحول إلى صورة وشهادة، بل أن يبقى قابلا للقراءة والاختلاف وإعادة الاكتشاف. كما يتيح جمع أعماله قراءة علوان خارج أسر مجموعته الأشهر "الخبز والصمت"، ورؤية تحولات لغته ومكانه وشخصياته وحكاياته.

 فالقصة التي بدأ علوان كتابتها في زمن الصحيفة والمجلة تقف اليوم أمام شاشة يتدفق منها كل شيء. والمفارقة أننا نعيش أكثر الأزمنة ولعا بالمحتوى القصير، دون أن يعني ذلك أننا نعيش زمن القصة القصيرة.

ليس المهم كم يبدو المكان صغيرا، ولا كم تبدو القصة قصيرة، المهم مقدار العالم الذي يمكن أن يخرج منهما

 فالاختصار ليس تكثيفا، وقلة الكلمات لا تصنع قصة، وسرعة الوصول لا تمنح النص قدرة على البقاء، أو تكتب سيرة الفناء إنما تكتب تاريخا للقصة بأنها القصيرة التي سيظل عمرها أطول من كتابتها.

لهذا يبدو السؤال الأكبر الذي تضعه "نالا" أمام المشهد الثقافي السعودي أبعد من علوان: ماذا حدث للقصة السعودية بين "الخبز والصمت" وزمن المنصات؟ ماذا فعلت المدينة بلغتها؟ وكيف غيرت التحولات الاجتماعية شخصياتها وثيماتها؟ وهل منحت الشاشة القصة قارئا آخر، أم جعلتها تنافس أشكالا لا يجمعها بها إلا القِصر؟

وهنا تصبح تجربة علوان مدخلا للدورة الأولى، لا بوصفها إجابة عما ينبغي أن تكون عليه القصة السعودية، بل باعتبارها تجربة طويلة تتيح طرح أسئلتها من جديد. فعلوان بدأ من "حكاية"، وظل يبحث عن الحكاية بأشكالها المختلفة، من القرية إلى الجبل وما وراءهما إلى آخر أيامه. و"نالا" تبدأ ملتقاها الأول من القصة القصيرة، لا لتعيدها إلى زمن مضى، وإنما لتسأل عن مكانها اليوم. وبين الأمرين ربما تكمن المسألة كلها: ليس المهم كم يبدو المكان صغيرا، ولا كم تبدو القصة قصيرة، المهم مقدار العالم الذي يمكن أن يخرج منهما.

font change

مقالات ذات صلة