من مجرد قلق في شأن تشتت الانتباه داخل الفصول الدراسية، تحول الهاتف المحمول سريعا إلى محور نقاش عالمي حول سياسات التعليم. فوفقا لتقرير الـ"يونسكو" العالمي لرصد التعليم، تبنت 114 منظومة تعليمية، أي نحو 58 في المئة من دول العالم، سياسات وطنية تحظر استخدام الهواتف المحمولة في المدارس في مارس/آذار 2026، ارتفاعا من 24 في المئة في عام 2023. وتعكس هذه الوتيرة المتسارعة للتحول تزايد المخاوف في شأن تشتت الانتباه، والأداء الأكاديمي، والتنمر الإلكتروني، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتأثير الأوسع للمنصات الرقمية على الأطفال.
مع ذلك، تبدو الأدلة التي تدعم قرارات الحظر أكثر تعقيدا مما قد يوحي به الانتشار السريع لهذه السياسات. فقد خلص تقرير اليونسكو لعام 2023 إلى أن مجرد وجود جهاز محمول قد يشتت انتباه التلامذة، بينما ربطت أبحاث لاحقة فرض قيود على استخدام الهواتف، في بعض البيئات، بارتفاع درجات الاختبارات، وتراجع المشاكل السلوكية، وانخفاض معدلات التنمر، وتهيئة بيئة دراسية أكثر هدوءا. فعلى سبيل المثل، وجدت دراسة في إنكلترا أن حظر الهواتف أدى إلى تحسن نتائج الامتحانات، ولا سيما بين التلامذة ذوي التحصيل الدراسي المنخفض، في حين أظهرت دراسة عشوائية واسعة النطاق في الهند نتائج أكاديمية مماثلة.
من ناحية أخرى، أظهرت دراسات موازية عدم وجود تأثير يذكر، أو انعدام التأثير تماما، على الدرجات الدراسية أو ظاهرة التنمر، في حين حذر باحثون من أن التطبيق الصارم للقيود قد يؤدي إلى عواقب سلوكية غير مقصودة. ويبدو أن أثر هذه القيود يعتمد بدرجة كبيرة على كيفية تنفيذها، وأعمار التلامذة وظروفهم، ومدى توفر أدوات رقمية بديلة. لذا، تحذر منظمة الـ"يونسكو" من اعتبار الحظر غاية في حد ذاته، إذ يتعين على المدارس الاستمرار في تعليم التلامذة كيفية التعامل مع البيئات الرقمية، وتقييم المعلومات المتاحة عبر الإنترنت، واستخدام التكنولوجيا بمسؤولية.
يعد العالم العربي جزءا مهما من هذا التحول في السياسات، إذ تبنت حكومات وهيئات تعليمية في دول مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت وعمان ومصر وتونس والجزائر، قيودا على استخدام الهواتف المحمولة، وإن اختلف نطاق هذه التدابير وآليات تطبيقها من دولة إلى أخرى. ففي بعض الحالات، ينصب الهدف الأساس على حماية الانضباط وتعزيز التركيز داخل الفصول الدراسية، بينما تعكس القيود في حالات أخرى مخاوف أوسع في شأن تعرض التلامذة لوسائل التواصل الاجتماعي، والتنمر الإلكتروني، والإفراط في استخدام الشاشات.
وعليه، لا تعتمد هذه الدول نموذجا موحدا، بل تتبنى طيفا متنوعا من المقاربات تتراوح من القواعد الوطنية إلى القيود المفروضة على مستوى المدارس. وفي الوقت نفسه، تكشف التجربة العربية عن صعوبة تحقيق التوازن بين الحد من الاستخدام الضار للتكنولوجيا والاستفادة من إمكاناتها التعليمية، إذ تظل الأجهزة المحمولة، في بعض الأنظمة التعليمية، بوابة مهمة إلى التعلم الرقمي.
يتجاوز النقاش العالمي اليوم السؤال البسيط حول ما إذا كان ينبغي السماح بالهواتف في المدارس. فالاتجاه الذي يتبلور لا يتمثل في الضرورة في إلغاء الهواتف الذكية، بقدر ما يتمثل في وضع ضوابط مدروسة لاستخدامها، بما يحمي وقت التعلم، وفي الوقت نفسه يضمن تزويد التلامذة المهارات اللازمة للعيش والتعلم والتفكير في عالم يكتسب طابعا رقميا بامتياز.
