الأردن بعيون غربية في عهد الملك حسين

الأردن بعيون غربية في عهد الملك حسين

استمع إلى المقال دقيقة

بحسب رودجر أوين (Roger Owen) أحد أهم المؤرخين الغربيين الذين تخصصوا في دراسة الشرق الأوسط المعاصر، والمدرس في جامعة هارفارد، ومن قبل في جامعة أوكسفورد، انتقلت مناطق مستعمرة في المشرق العربي من دول منتدبة إلى ممالك "ليبرالية". إذ كانت هذه الملكيات "الليبرالية" التي انتهى فيها الاستعمار بحسب أوين إلى مناطق حليفة، مثل الأردن والمغرب، وكانت علمانية إلى حدٍ كبير. والمملكة الأردنية الهاشمية هي مثال بارز على هذا النموذج الليبرالي الذي تقدم فيه المجتمع نحو تحديث مهم في بنيته عبر أدوات ومؤسسات الدولة وأهمها الجيش، وليس عبر وعود الانقلابات التي انتهت بمجتمعاتها إلى الاستبداد.

ظهرت المملكة الأردنية على نحوٍ فعال في خمسينات القرن العشرين بعد "إعادة هيكلة الإمبريالية في المنطقة" والدخول الأميركي، إلى مناطق النفوذ البريطاني والفرنسي السابق. ويصف آر. ستيفن هومفريز (R. Stephen Humphreys) رئيس "جمعية دراسات الشرق الأوسط" في أميركا الشمالية دور الأردن بعد الحرب العالمية الثانية باعتباره وسيطاً إقليمياً بين الأجندات والأيديولوجيات المتصارعة في العالم العربي، أو بين الدول العربية والغرب، إذ لعب الأردن دورا مهماً من خلال موقعه الجيوسياسي الذي منحه مكانة مرموقة لدى الغرب ولدى دول المنطقة الكبرى مثل مصر والسعودية وتركيا وإيران.

وأشار هومفريز في كتاب "بين الذاكرة والرغبة: الشرق الأوسط في عصر قلق" (Between Memory and Desire: The Middle East in a Troubled Age): والذي ناقش فيه جغرافيا السياسة العربية، والعلاقات الإقليمية، ودور دول مثل الأردن كـ"وسيط" أو نقطة توازن في المنطقة، إلى أن الأردن ظل يحتفظ بهذا الدور، لأسباب عديدة منها أصول البلد وتكوينه الداخلي وتاريخه وحجمه، فعندما اغتيل الملك عبد الله الأول في القدس عام 1951، توقع معظم المحللين انهيار المملكة. ومع ذلك، فإن الملك الحسين، حفيد عبد الله، الذي استلم الحكم بعد عامين من الاغتيال وبعد عزل والده الملك طلال بسبب المرض، أثبت أنه قائد ملتزم وقوي في جميع الأحوال وتخطى كل التحديات. وقاد المملكة الأردنية إلى بر الأمان حتى في أصعب اللحظات والأزمات المعقدة التي ظهرت في تاريخ ما بعد 1953 حين كانت الناصرية طاغية كفكرة في المشرق العربي.

امتلك الراحل الملك الحسين المهارة السياسية للبقاء وسط الأعاصير والأقران الكبار في المحيط، وتمثلت موهبته في قراءة التبدلات الحاصلة في المنطقة والتأقلم وبسرعة فائقة وذكاء وحدس عالٍ، مع ما يقتضيه الأمر لتعزيز الأمن القومي في سياقات تتسم بالمرونة وعدم اليقين الشديدين، ويبدو جلياً أنه كان حاذقاً للغاية في إدارة الديناميكيات الداخلية في بلد واجهته تحديات عميقة خاصة بعد النكسة والتي انتهت بأحداث سبتمبر/أيلول عام 1970.

ولاحظ هومفريز أيضاً، أن الملك حسين لعب بشكلٍ مختلف دور القومي العربي المتحمس، والحليف القوي للغرب، والمعتدل– حتى إنه كان قادراً على أن يلعب الدور الذي يتطلب منه القيام به في أي لحظة من اللحظات للحفاظ على استقرار بلاده. وهنا يجب على المطالع لتاريخ الأردن أن ينظر في أهمية وواقع السياسات الإقليمية والدولية التي سلّطت الضوء على أهمية امتلاك المرونة الكافية للـتأقلم مع التحولات الكبيرة، والموازنة بين سوريا والعراق وإسرائيل ومصر.

سعى الغرب بشكلٍ مستمر للحفاظ على دول حليفة يثق بها، وكانت الملكيات العربية الحديثة، أكثر صدقية معه، من الدول ذات الطابع الجمهوري


لقد سعى الغرب بشكلٍ مستمر للحفاظ على دول حليفة يثق بها، وكانت الملكيات العربية الحديثة، أكثر صدقية معه، من الدول ذات الطابع الجمهوري، وكان التحدي الأكبر لاستقرار المملكة الأردنية حسب أعمال المؤرخين الغرب نابعاً من أيديولوجيا القومية العربية التي صعدت بعد ثورة يوليو/تموز في مصر، وبخاصة في الأردن عام 1957 عندما حصلت محاولة انقلاب الضباط الأحرار، ورفضت حكومة سليمان النابلسي الممثلة لليسار والتيار القومي الأردني مشروع أيزنهاور، مما دفع بالملك حسين في 10 أبريل/نيسان 1957 إلى إصدار قرار إقالة حكومة سليمان النابلسي الممثلة لـ"الحزب الوطني الاشتراكي" بعد تفاقم الخلافات السياسية معها وبعد تضارب مصالحها مع مصالح الدولة وهو ما عبر عنه الحسين بوضوح في كتابه قصة حياتي، وما أشارت إليه يوميات أكرم زعيتر الهامة لتاريخ تلك الحقبة.

يلاحظ  المؤرخ  وليام كليفلاند في كتابة تاريخ الشرق الأوسط الحديث "A History of the Modern Middle East" أن ظهور "موجة من المعارضة المستوحاة من التقارب بين كل التيارات الإصلاحية في عصر الناصرية والبعثية والشيوعية". دفع الحكم في الأردن في مواجهة هذه التحدّيات، إلى تعميق الروابط مع الغرب، باعتبار أن ذلك المسار هو الأكثر أماناً للبقاء والاستقرار، إلى جانب الابتعاد عن المغامرات الأيديولوجية للمنطقة قدر الإمكان.

في المقابل قوبل الميل الأردني والعربي الموازي له في نفس التيار والمناهض لقوى اليسار والمد الشيوعي من قبل الغرب بمساعدات عسكرية ومالية حاسمة لتحقيق الأمن على جميع المستويات: الخارجية والداخلية والاقتصادية. وبالنظر إلى حجم المملكة الأردنية، فإن الدعم المالي الغربي المستمر، بشكلٍ أساسيّ من الولايات المتحدة الأميركية، سمح بفترات من النمو المستمر والتحديث الدائم.

لقد أدّى الأردن بشكلٍ عام، في الفترة التي استهدفت مقارعة الغربي الرأسمالي للمد الشيوعي طيلة عقدي الخمسينات والستينات، دوراً ثابتاً وفعالاً في قضايا الشرق الأوسط، وكانت له أهمية جيوسياسية أكبر من مساحته الجغرافية. ليجد نفسه في سياق الحرب الباردة على الجانب نفسه الذي كانت فيه المملكة العربية السعودية والمغرب العربي ودول الخليج، واستمر هذا الحال حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

في كتابه "مستشار الملك: مذكرات عن الحرب والتجسس والدبلوماسية في الشرق الأوسط" يحتار جاك أوكونيل رئيس محطةٍ الاستخبارات الأميركية في عمَّان، في شخصية الملك حسين الصعبة المراس فإذا كانت الثِّقة المتبادلة هي عنوان الفترة 1958-1971 فإنها كانت فترةً عصيبةً وغنيةً للطرفين. لكنها لم تخلُ من حسرةٍ كبيرةٍ تمثّلت في عدم الاستثمار الجيِّد للمعلومات التي كان يقدِّمها أوكونيل. فبالرغم من الثقة الكبيرة بين الحسين وأكونيل فإن الحسين "لم يكن يفعل بالضَّرورة ما نريد".

font change