هل التاريخ حقل مشاع؟

هل التاريخ حقل مشاع؟

استمع إلى المقال دقيقة

لم يكن التاريخ يوما موضوعا خاصا بالمؤرخين، فالناس بطبيعتهم يحبون أخبار الماضي، ويستمتعون بحكايات الأمم والدول، وسير الملوك والقادة، وأخبار الحروب والرحلات، وقصص الصعود والسقوط.

وفي الثقافة العربية تحديدا ظل التاريخ قريبا من المجال العام، من أيام العرب وأنسابهم وأشعارهم، إلى أخبار الفتوحات والدول والسير والتراجم. وربما يعرف رجل مسن تاريخ قريته، أو تفاصيل واقعة عاشها، أو أخبار أسر وعائلات، ما لا يعرفه أستاذ متخصص في التاريخ.

ولعل التاريخ من أكثر حقول المعرفة التي تتداخل فيها حدود التخصص مع شغف العامة واهتمامهم، ولذلك ظل أكثر انفتاحا على غير المتخصصين، فإذا تحدث أحد في الطب سئل عن تخصصه، وإذا أفتى شخص في مسألة شرعية سئل عن تأهيله، وكذلك في الهندسة والعلوم الطبيعية وغيرهما. أما التاريخ، فمن النادر أن نسأل المتحدث: بأي صفة تتحدث؟ وربما كان بعض أشهر من يتحدثون فيه اليوم أبعد الناس عن دراسته الأكاديمية.

فهل التاريخ علم، أم إنه حقل مفتوح للجميع؟

تكمن المشكلة في أن السؤال نفسه يحتاج إلى تفكيك. فالتاريخ مشاع من جهة مادته، لكنه ليس كذلك من جهة منهجه. الماضي ملك للجميع، ولكل إنسان نصيب منه، ذاكرة أسرته، وتاريخ مدينته، وأخبار مجتمعه، وما قرأه وسمعه وشاهده. بل إن المؤرخ المحترف نفسه يحتاج إلى ذاكرة الناس وشهاداتهم ومذكراتهم ورسائلهم وصورهم، لأنها المادة التي يصنع منها التاريخ.

لكن امتلاك المعلومة التاريخية شيء، وإنتاج المعرفة التاريخية شيء آخر.

قد يعرف الإنسان عشرات القصص عن العصر الجاهلي، أو الدولة الأموية، أو تاريخ الجزيرة العربية، وقد يكون واسع الحفظ لأسماء الملوك والمعارك والسنوات، لكن ذلك وحده لا يجعله مؤرخا. فالمؤرخ لا يتميز بالضرورة بأنه يعرف حكايات أكثر، وإنما بأنه يعرف كيف يشك في الحكاية: من رواها؟ ومتى؟ ومن أين أخذها؟ وهل عاصر الحدث؟ وهل توجد روايات أخرى؟ وما السياق الذي قيلت فيه؟ وهل نستطيع أن نحاكم مجتمعا عاش قبل ألف عام بمفاهيم ولدت في عصرنا؟

وهنا تظهر الحدود بين رواية التاريخ ودراسته. فالحكواتي يريد أن يعرف: ماذا حدث؟ أما المؤرخ فيسأل أيضا: كيف عرفنا أنه حدث بهذه الصورة؟

المؤرخ المحترف نفسه يحتاج إلى ذاكرة الناس وشهاداتهم ومذكراتهم ورسائلهم وصورهم، لأنها المادة التي يصنع منها التاريخ

ولهذا فالتاريخ، وإن لم يكن علما تجريبيا كالفيزياء والكيمياء، هو حقل معرفي له أدواته ومناهجه، من نقد المصادر، والمقارنة بين الروايات، والتحقق من الأزمنة والأماكن، وفهم السياقات، وتمييز المصدر المعاصر من المتأخر، ومعرفة تحيزات الرواة والمؤلفين. فالتاريخ في حقيقته سهل الرواية، صعب التحقيق.

ولا يعني ذلك أن نقيم سورا حول التاريخ، ونطالب غير المتخصصين بالصمت. فهذا يناقض طبيعة التاريخ نفسه. وكثير ممن قدموا أعمالا تاريخية مهمة جاءوا من حقول معرفية مختلفة. والسؤال الأجدى ليس عمن يحق له أن يتحدث عن التاريخ، وإنما متى يتحول الحديث عن الماضي إلى معرفة تاريخية مسؤولة؟

ولعل هذا السؤال يصبح أكثر أهمية اليوم مع العودة اللافتة إلى التاريخ. صحيح أن التاريخ لم يغب عن الناس، لكن هناك لحظات يزداد فيها استدعاؤه. ففي أزمنة التحولات الكبرى، وصراعات الهوية، والبحث عن الخصوصية والتمايز، يعود الإنسان إلى الماضي باحثا عن إجابات لأسئلة الحاضر: من نحن؟ من أين جئنا؟ ما الذي يميزنا عن الآخرين؟ وما الجذور التي صنعت شخصيتنا الوطنية والثقافية؟

ولهذا فإن جانبا من الاهتمام المعاصر بالتاريخ ليس بحثا عن الماضي بقدر ما هو بحث عن الحاضر داخل الماضي. وكلما اشتدت أسئلة الهوية أصبح التاريخ أكثر حضورا، وأحيانا أكثر توترا، لأن الخلاف حول شخصية أو دولة أو قبيلة أو واقعة حدثت قبل قرون قد يكون في حقيقته خلافا حول معنى تلك الواقعة اليوم. وحين تحتدم معارك الهوية، يتحول الماضي نفسه إلى ساحة للنزاع.

ثم جاءت المنصات الحديثة لتضيف إلى ذلك ظاهرة جديدة: "مؤرخو وسائل التواصل الاجتماعي". فـ"البودكاست" و"يوتيوب" ومنصات التواصل بيئة مثالية للتاريخ، لأنه قابل للتحول إلى قصة مثيرة: معركة، خيانة، مؤامرة، شخصية غامضة، سر مجهول، أو "حقيقة لم يخبرك بها أحد". وهنا نشأت مفارقة لافتة، ما تكافئ عليه الدراسات التاريخية يختلف أحيانا عما تكافئ عليه المنصات. الباحث الجيد يتأنى، ويتردد، ويوازن بين الروايات، ويقول: "لا نعرف على وجه اليقين"، و"الأرجح"، و"المصادر مختلفة". أما المنصة فتكافئ الثقة والسرعة والاختصار والإثارة.

وبذلك أصبح الحكواتي أحيانا أكثر حضورا من المؤرخ، لأنه يقدم قصة مكتملة، بينما يفسد المؤرخ جمال القصة بالشك والاحتمالات والأسئلة.

وبذلك أصبح الحكواتي أحيانا أكثر حضورا من المؤرخ، لأنه يقدم قصة مكتملة، بينما يفسد المؤرخ جمال القصة بالشك والاحتمالات والأسئلة

ولا ينبغي النظر إلى هذه الظاهرة بسلبية مطلقة، فقد أعادت هذه المنصات التاريخ إلى الناس، ووسعت الاهتمام به، ودفعت أجيالا جديدة إلى القراءة والبحث فيه. المشكلة تبدأ حين تختلط مهارة سرد التاريخ بسلطة تفسير التاريخ، وحين تصبح الإثارة بديلا عن التحقيق، وكثرة المتابعين دليلا على المعرفة.

سيظل التاريخ مجالا مفتوحا للناس، وهذا جزء من جماله، فهو ملك للجميع، نروي حكاياته، ونستعيد ذاكرته، ونبحث فيه عن ذواتنا وجذورنا، ولن يكون يوما حكرا على المؤرخين. لكن المعرفة بالتاريخ، وتحقيق رواياته، وتفسير أحداثه، وبناء الأحكام عليه، حقل علمي له مناهجه وأدواته وشروطه وضوابطه. فبين أن نروي الماضي وأن نفهمه، مسافة يصنعها المنهج العلمي.

font change