حين يضيق العنوان بالكتاب

حين يضيق العنوان بالكتاب

استمع إلى المقال دقيقة

في تاريخ العلوم الإسلامية ظاهرة تستحق التأمل، تكشف جانبا من طبيعة العقل العلمي الذي تشكل في الثقافة العربية، وعلاقته بالمعرفة، وطرائق تحصيلها، وتصنيفها. فقد كان الاستقصاء والإحاطة من أبرز التقاليد التي حكمت التأليف عند كثير من العلماء، وكان المصنف يجد نفسه مدفوعا إلى تتبع المسألة في أصولها وفروعها، واستحضار شواهدها ونظائرها، والبحث في سياقاتها وصلاتها بالعلوم الأخرى. فالكلمة تحيل إلى شاهدها، والشاهد إلى قائله، والقائل إلى عصره وبلده، والبلد إلى تاريخه وأهله... وهكذا كانت المعرفة تقود إلى مزيد من المعرفة، وتتسع حدود البحث كلما تعمق صاحبه في موضوعه.

ومن المظاهر الشائعة لهذا التقليد أن بعض العلماء شرعوا في تأليف كتب لأغراض محددة، ثم انتهوا إلى مصنفات موسوعية ضخمة، تجاوزت موضوعاتها الأولى، وأصبحت من أعظم المراجع في تاريخ العلوم والآداب. وهو أمر يكشف عن نزعة علمية ترى أن الإحاطة بالموضوع تقتضي النظر فيما يتصل به، وأن المسألة الواحدة قد تكون مدخلا إلى عالم واسع من المعارف.

يتجلى ذلك في حكاية أبي العباس المقري التلمساني، الذي كان في دمشق يحدث أصحابه عن الوزير الأندلسي لسان الدين بن الخطيب، ويروي أخباره وأشعاره، فطلبوا منه أن يؤلف كتابا في ترجمته. ووعدهم بذلك، واختار لمصنفه عنوان "عرف الطيب في التعريف بالوزير ابن الخطيب". غير أن المقري حين شرع في التأليف وجد أن الحديث عن ابن الخطيب يستدعي التعريف بالأندلس وتاريخها وملوكها ومدنها وعلمائها وآدابها. فأخذ الكتاب يتسع حتى صار القسم المخصص للأندلس موسوعة مستقلة في مادتها، وأعاد المؤلف تسمية كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"، ليصبح واحدا من أعظم المصادر التي حفظت تاريخ الأندلس وذاكرتها الأدبية والحضارية.

ومن أبدع صور هذا الاتساع كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، الذي اتخذ من الأصوات الغنائية المختارة أساسا لتصنيفه، ثم مضى يتتبع الأشعار وأصحابها، وأخبار المغنين ومجالسهم، وما يتصل بذلك من أنساب العرب وأيامهم وتاريخ ملوكهم وخلفائهم. وهكذا تحولت الأغنية من مادة فنية محدودة إلى نافذة واسعة على الحياة العربية، وأصبح الكتاب موسوعة كبرى في الأدب والتاريخ والاجتماع، حتى وصفه ابن خلدون بأنه "ديوان العرب".

هكذا تحولت الأغنية من مادة فنية محدودة إلى نافذة واسعة على الحياة العربية، وأصبح الكتاب موسوعة كبرى في الأدب والتاريخ والاجتماع

ونجد صورة أخرى عند القلقشندي، الذي أراد تأليف كتاب يجمع المعارف اللازمة لكاتب ديوان الإنشاء في دولة المماليك. فقد كانت صناعة الكتابة الديوانية تقتضي معرفة واسعة بأحوال الدول والممالك، وألقاب الحكام، والأنساب، والجغرافيا، والتاريخ، ونظم الإدارة، وأساليب البلاغة والمراسلات. ومن هنا اتسع المشروع حتى خرج كتاب "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" في أربعة عشر مجلدا، وأصبح موسوعة كبرى تجاوزت فائدتها إعداد الكاتب إلى توثيق جوانب واسعة من الحياة السياسية والإدارية والثقافية في العالم الإسلامي.

وأحيانا يبدأ الأمر بحركة حرف واحد. ففي سنة 615هـ، وفي مجلس شيخه السمعاني بمرو، سئل ياقوت الحموي عن "حباشة"، وهي سوق من أسواق العرب في الجاهلية ورد ذكرها في الحديث، فضبطها بضم الحاء قياسا على أصل اللغة، فانبرى له أحد المحدثين يقول إنها بالفتح، "وصمم على ذلك وكابر". أراد ياقوت أن يحسم الخلاف بالنقل، "إذ لا معول في مثل هذا على اشتقاق ولا عقل"، فراح يفتش في كتب غريب الحديث ودواوين اللغة، فلم يظفر بالجواب إلا بعد أن انقضى الجدل.

من ذلك الخلاف الصغير، يقول ياقوت: "ألقي حينئذ في روعي افتقار العالم لكتاب في هذا الشأن مضبوط". ومن تلك المسألة الصغيرة نشأ مشروع "معجم البلدان"، الذي أصبح موسوعة جغرافية وتاريخية وأدبية عظيمة، فهو لم يقف عند ضبط الأسماء، بل جمع إلى كل موضع موقعه وما قيل فيه من شعر وما جرى فيه من أحداث ومن نسب إليه من العلماء. ومع ذلك يعترف في مقدمته بأنه قطعه "والعين طامحة، والهمة إلى طلب الازدياد جامحة"، ولو وثق بامتداد العمر "لضاعفت حجمه أضعافا".

وقد يتسع التمهيد حتى يولد منه علم جديد. أراد ابن خلدون أن يفتتح تاريخه بمقدمة تضع للمؤرخ قانونا يميز به صادق الأخبار من كاذبها، فإذا به ينتهي إلى النظر في العمران البشري وأحواله، ثم يقف أمام ما صنع قائلا: "وكأن هذا علم مستقل بنفسه"، ويصفه بأنه "مستحدث الصنعة، غريب النزعة... أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص". كانت المقدمة "الكتاب الأول" من تاريخه، فصارت تذكر مستقلة عن الكتاب الذي وضعت له.

أراد ابن خلدون أن يفتتح تاريخه بمقدمة تضع للمؤرخ قانونا يميز به صادق الأخبار من كاذبها، فإذا به ينتهي إلى النظر في العمران البشري وأحواله

وتكشف هذه النماذج عن خاصية عميقة في الثقافة العلمية العربية، تتمثل في اتصال المعارف بعضها ببعض، وفي تكوين علمي يسمح للمؤلف بالانتقال بين الحقول دون أن يفقد وحدة موضوعه. فالشاهد النحوي يستدعي الشعر، والشعر يستدعي التاريخ والأنساب، والتاريخ يقود إلى البلدان والجغرافيا، وكل معرفة تفتح بابا لمعرفة أخرى. وكان هذا الاتصال يمنح التأليف قدرة على التوسع الطبيعي، ويجعل الاستطراد أحيانا وسيلة للإحاطة والتفسير والتوثيق.

وقد أسهمت هذه النزعة في حفظ قدر هائل من التراث الإنساني. فالموسوعات التي نشأت من أغراض محددة صارت خزائن للنصوص والأخبار والمعارف، وحفظت مواد من مؤلفات ضاعت أصولها، وأخبارا عن مجتمعات ومدن وأعلام تغيرت أحوالهم أو اندثرت آثارهم.

font change

مقالات ذات صلة