الاستقلال الأمني ومعركة هرمجدون

الاستقلال الأمني ومعركة هرمجدون

استمع إلى المقال دقيقة

يعيش العالم توترا كبيرا غير مسبوق، فالصراع القائم في الشرق الأوسط بات يُلقي بظلاله الوخيمة على الشرق والغرب، والحرب الإيرانية-الأميركية باتت تؤثر في المشهد بشكل واسع، وصار لافتا أن وراء كل هذا التوتر عقل يميني متطرف في إسرائيل له أهدافه التي يسعى لتحقيقها من خلال القوات الأميركية، وذلك هو لب الإشكال البارز حاليا بين من يُنادي بأميركا أولا، ومن يدعم إسرائيل بشكل لا محدود من الإنجيليين أو من يعرفون باسم المحافظين الجدد.

في هذا السياق، تداولت الأنباء بنوع من التوجس، خبر قطع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لخط سيره في إجازته الأسبوعية وعودته للبيت الأبيض، وبالتزامن مع ذلك جرى تداول خبر قطع نتنياهو لزيارته للولايات المتحدة وعودته إلى إسرائيل، وبدأ المتابعون يتكهنون ببدء عملية عسكرية واسعة، لاسيما وأن الخارجية الأميركية قد أصدرت تحذيرها للرعايا الأميركيين بتوخي الحذر؛ وفي المقابل ذُكر بأن إيران قد رفعت من مستوى إنذارها العسكري إلى الحالة 100 كما يقال، وهكذا أخذ المراقبون في الشرق الأوسط يعيشون ترقبا لشيء كبير، خلفه إسرائيل ولا يخدم المصالح الأميركية ولا مصالح دول الشرق الأوسط من غير إسرائيل.

إذن نحن أمام مفهوم أمني جديد بدأ يتبلور في أوروبا جراء المواقف الأميركية الأخيرة من واقع الصراع الروسي-الأوكراني

على الصعيد ذاته، فوتيرة الأحداث في أوروبا في تصاعد لافت، جراء استمرار الحرب الروسية-الأوكرانية، والتي يعتبرها الأوروبيون قضية أمن مباشرة، مع إدراك كثير من العواصم الأوروبية بأن استمرار الحرب إلى أجل غير مُحدد ليس استراتيجية نهائية، ولذلك بدأ أولئك النقاش حول هندسة أمنٍ أوروبي جديدة بعد الحرب، بما فيها كيفية التعامل مع روسيا مستقبلا، وكيفية بناء العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة أيضا، إذ بدأ الحديث يعلو صوب مفهوم "الاستقلال الأمني"، وهو ما يدعو إلى الانزياح تدريجيا عن المظلة الأميركية، في مقابل العمل على زيادة القدرة الأوروبية في تعزيز قدرات الدفاع الذاتي بمنأى عن القوات الأميركية.

إذن نحن أمام مفهوم أمني جديد بدأ يتبلور في أوروبا جراء المواقف الأميركية الأخيرة من واقع الصراع الروسي-الأوكراني، وبسبب طبيعة تعامل الرئيس ترمب مع كثير من قياداتهم، ونتيجة لما تقوم به الولايات المتحدة من إعادة تموضع لقواتها العسكرية.

والموقف الأمني ذاته يجب أن يكون حاضرا في إطار دول مجلس التعاون الخليجي التي تم إقحامها في أتون حرب لم تكن هي صاحبة القرار والمصلحة فيها، ثم وحين وقع عليها الضرر كما هو الحال في البحرين والكويت وصولا إلى قطر، لم تجد أي دعم عسكري يوازي الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل، بالرغم من وجود قواعد عسكرية لها في هذه الدول؛ وكان أن تمكنت المملكة العربية السعودية من مواجهة الكم الكبير من المسيرات الحربية بفضل قدراتها العسكرية التي بنتها خلال السنوات الماضية؛ غير أن كل ذلك تم في مواجهة حرب ليست حربها، وذلك هو لب الإشكال.

تمكنت المملكة العربية السعودية من مواجهة الكم الكبير من المسيرات الحربية بفضل قدراتها العسكرية التي بنتها خلال السنوات الماضية؛ غير أن كل ذلك تم في مواجهة حرب ليست حربها، وذلك هو لب الإشكال

ويزداد الأمر سوءًا مع إعلان الإدارة الأميركية حيادها أمام استهداف جماعة الحوثي لأمن الملاحة البحرية في مضيق باب المندب، بحجة أن الحوثيين قد التزموا بعدم تهديد السفن الأميركية، في مظهر يدعو إلى أن يفكر قادة المشرق العربي بخاصة، ودول "اتفاق مكة"، بضرورة الذهاب إلى ما بدأ يتبلور في الذهن الأوروبي، وأقصد تعزيز "الاستقلال الأمني الذاتي" كذلك، والذي يعني الانتقال من منظومة شراء الأسلحة والشراكة الحربية مع الولايات المتحدة وغيرها، إلى بناء منظومة أمنية متكاملة تبدأ بالتجهيز الذاتي ولا تنتهي بالتطور في الصناعات الحربية، مرورا بتطوير قدرات الاستخبارات الاستراتيجية، وقدرات الاستطلاع والإنذار المبكر، وغير ذلك مما يتطلبه تحقيق المفهوم بشكل كلي، بخاصة وأن الولايات المتحدة تفكر جديا في إعادة تموضعها في المنطقة، حيث وكما أفادت الواشنطن بوست بأن البنتاغون يدرس تقليص الوجود العسكري الأميركي في الخليج بعد انتهاء حرب إيران.

أخيرا، من المؤسف أن يتمحور الصراع اليوم، ويدخل العالم في مقدمات حرب مدمرة تُعيد الناس إلى خانة الصفر في حال لو تم قطع الكابلات البحرية كما جري التهديد بذلك، من أجل أفكار دينية متطرفة، يقف خلفها يمين صهيوني، وهو ما أشارت إليه الإعلامية كريستيان أمانبور على شبكة "CNN" في لقائها قبل أشهر بالأمير تركي الفيصل، الذي وضع يده على موضع الجرح بتسليطه الضوء على المعتقدات الكارثية التي باتت تحكم الإطار السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط،؛ حيث ذكرت بأنه قد وردت تقارير من كثير من الضباط والجنود الأميركيين عبر قيادتهم، تفيد بأنهم أُبلغوا بأن حرب القوات الأميركية هي جزء من معركة هرمجدون (Armageddon)؛ ومؤسف أكثر أن يكون هذا التوجه حاضرا في ذهن بعض كبار السياسيين في الولايات المتحدة. 

font change