اعتداءات الحوثي والمخطط الإسرائيلي

اعتداءات الحوثي والمخطط الإسرائيلي

استمع إلى المقال دقيقة

مع وقع الجريمة النكراء التي قامت بها جماعة الحوثي على مطار الملك خالد الدولي بالرياض والذي أدى إلى مصرع وإصابة كثير من المدنيين السعوديين وغيرهم، ومع تكرار اعتدائهم على المنشآت المدنية في أبها وجيزان ونجران جنوب المملكة العربية السعودية، جاءت ندوة "مجلس التعاون الخليجي على المحك... بعد الحرب على إيران" ضمن مؤتمر مستقبل الإعلام بالعاصمة الأردنية عمان، وكان لي شرف المشاركة فيها برفقة كل من الدكتور محمد المسفر من قطر، والدكتور عبد الخالق عبد الله من الإمارات، والدكتور محمد العريمي من سلطنة عمان، والدكتور حسن البراري من الأردن. وفيها افتتحت الحديث بإدانة ما تتعرض له السعودية من اعتداءات مجرمة من قبل جماعة الحوثي التي عملت على تجاوز حربها اليمنية-اليمنية، لتنقل المعركة إلى الداخل السعودي في محاولة لخلط الأوراق وتوسيع دائرة الاشتباك، مع الإشارة إلى أن وتيرة حربهم كانت وستظل محصورة في مواجهة قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، التي أعلنت انطلاق عمليات "فجر اليمن" الأسبوع الفائت بهدف استعادة الدولة والوصول إلى صنعاء.

هذا السياق القائم حاليا في اليمن يأتي امتدادا للصراع الحادث في الخليج بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والذي بسببه تعرضت السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي لهجمات صاروخية غير مبررة من قبل إيران، وأيضا يأتي ذلك منهم في سياق خلط الأوراق وتوسيع دائرة الاشتباك.

على أن كل ذلك يصب في نهاية المطاف في مصلحة إسرائيل التي تريد زعزعة حالة الاستقرار في آخر مرتكزات المشرق العربي وأقصد به المملكة العربية السعودية وجيرانها في دول مجلس التعاون الخليجي، في ظل تراجع الدور الإقليمي لعدد من الدول العربية في أعقاب ما يعرف بـ"الربيع العربي"، الذي أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة أو إضعافها في سوريا وليبيا واليمن والسودان، فيما انشغلت مصر لسنوات بتحدياتها الداخلية قبل أن تستعيد استقرارها ودورها.

نحن أمام معركة شرسة قوامها الوعي بما يخطط لنا كوطن عربي، تستهدف إسرائيل واليمين الاسرائيلي من خلاله إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، ولا يكون ذلك إلا بزعزعة أركان البيت العربي

وهكذا لم يبق في منظومة المشرق العربي سوى دول مجلس التعاون الخليجي التي تعيش وضعا صحيحا مستقرا ناهضا، وتشكل دوله مجتمعة قوة اقتصادية عالمية، كما تشكل المملكة العربية السعودية عصب هذه الدول بحكم حجمها الاقتصادي ومكانتها الروحية ودورها القيادي الممتد، ولذا كان ولا يزال من المهم العمل على استهدافها وتعطيل تنميتها حتى لا تتمكن من الوقوف أمام المشروع الإسرائيلي الذي يستهدف السيطرة على مقدرات الشرق الأوسط، ويعمل على فرض رؤيته السياسية والاقتصادية، التي لا تستقيم إلا بإسقاط بقية دول الإقليم وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وتركيا وصولا إلى الباكستان.

من هنا يمكن فهم ما يجري من اعتداءات مجرمة على المملكة مؤخرا بقصف منشآت بترولية ومطارات مدنية سواء من قبل إيران خلال الفترة السالفة، أو جماعة الحوثي حاليا، والتي تصب جميعها في خدمة المشروع الإسرائيلي، وإن كانوا يعلنون حربهم على إسرائيل ظاهرا، غير أنهم بالاعتداء على السعودية كمن يطلق النار على قدميه ويحقق مصلحة إسرائيلية طالما سعت إليها، لإضعاف أقوى دولة عربية اليوم في منظومة دول المشرق العربي، بل وأجد أن مجلس التعاون الخليجي على ما فيه من قصور، هو الأمل الذي من خلاله يمكن استعادة الدول العربية لأدوارها المفقودة مستقبلا، ولذلك تعمل القوى الاسرائيلية على تقويضه بمختلف السبل.      

‎أخيرا، نحن أمام معركة شرسة قوامها الوعي بما يخطط لنا كوطن عربي، تستهدف إسرائيل واليمين الاسرائيلي من خلاله إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، ولا يكون ذلك إلا بزعزعة أركان البيت العربي، وتدمير مفهوم الدولة في ثناياه، وهو منطوق مشروع "الفوضى الخلاقة" الذي تم تنفيذه في العراق وسوريا وصولا إلى السودان واليمن، وللأسف فقد أثمر ذلك جروحا غائرة بين أبناء المجتمع الواحد، وإعلاء لشعارات طائفية مذهبية، وتعصب عرقي مقيت، فهل تستوعب الجماعات المتحاربة ذلك؟ وهل يدرك الحوثيون أبعاد ما يقومون به من اعتداءات غير مبررة على السعودية؟ وهل آن الأوان لينحي الفرقاء في اليمن والسودان وغيرهما البندقية جانبا ليبدأوا حوارا سياسيا وطنيا، يخرج الناس من حالة الخوف والذعر الذي يعيشون فيه إلى حياة آمنة مطمئنة؟

‎حقا هي معركة الوعي بكل مضامينها التي نحتاج الانتصار فيها لنتمكن من مواجهة كل الأخطار المحدقة بنا على الصعيد الوطني والقومي والإقليمي، فهل إلى ذلك من سبيل؟

font change