مع تزايد وتيرة الاعتداءات الحوثية على المنشآت المدنية في المملكة العربية السعودية، وهو أمر محرم دوليا، ومع تأزم وتيرة الصراع السياسي والعسكري بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، والتهديد الأميركي الإسرائيلي بإشعال الحرب مرة أخرى في مشهد يمكن أن يكون أكثر قتامة وتدميرا، وهو ما دعا سمو وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركي إبراهيم كالن، لزيارة طهران بالأمس القريب ولقاء رئيس الجمهورية وكبار المسؤولين الإيرانيين، رغبة في الوصول إلى حل يُجنب الإقليم تبعات هذه الحرب المدمرة، التي تعمل إسرائيل على دفع الولايات المتحدة للدخول فيها، بهدف تعميم الفوضى في كل الإقليم، وتفتيت عرى دول المشرق العربي وبخاصة دول مجلس التعاون الخليجي التي ستكون أول المتضررين من هكذا حرب يُخطط لها، وهو ما يفسح المجال لإسرائيل لأن تعزز مواقع قوتها وهيمنتها العسكرية والاستخبارية بصورة دقيقة، ومن ذلك ابتداء تأسيسها لقاعدة عسكرية استطلاعية على جبل العرب بمحافظة السويداء السورية، وهو خبر لم يتم تأكيده رسميا لكن مؤشراته واضحة، حيث سيسمح لها بالهيمنة جوا على مساحة واسعة من محيطها العربي والإقليمي.
إذن هي الفوضى التي ستسمح بتمدد إسرائيل في الإقليم، وهي الفوضى التي أسهمت في تأسيس كثير من المنظمات الإرهابية مثل "القاعدة"، ثم تنظيم "داعش"، وغيرهما من التنظيمات اللادولتية، والتي عملت على إشاعة الدمار في ثنايا أروقة المجتمع العربي، وتفتيت بنية السلم الأهلي، وإنهاء منظومة الدولة في ذهن المواطن البسيط، وهو المراد والغاية لمختلف القوى التوسعية في الإقليم وفي مقدمتها إسرائيل، التي لا تُخفي رغبتها في إعادة خارطة الشرق الأوسط وفق مرئيات جيوسياسية جديدة.
من هنا يمكن قراءة أحداث الكرك الإرهابية بالمملكة الأردنية الهاشمية مؤخرا، والتي توفي فيها كثير من المواطنين الأردنيين في لحظة دينية طاهرة، على يد أفراد تكفيريين إرهابيين تم تشويه قناعاتهم الدينية بفكر متطرف لا يمت للإسلام بصلة، ثم جرى استغلالهم من قبل قوى خفية بهدف إثارة الفتنة في المجتمع، وتدمير قواعد السلم الأهلي بين أفراده؛ غير أن الأردن ملكا وحكومة وشعبا كان واعيا لأبعاد هذا المخطط، فجاء تفاعلهم كبيرا وحازما إزاء ما يجري التخطيط له، وتم تشييع المتوفين في مشهد جنائزي مهيب شاركت فيه الدولة والناس في رسالة أردنية واضحة، ويجب أن تكون عربية كذلك، تؤكد الوقوف صفا واحدا أمام أي خطاب ديني أو عرقي متطرف، ينزع إلى تقسيم الناس بحسب أديانهم أو مذاهبهم أو قومياتهم، ويغفل أن الأساس في التعامل يقوم على المواطنة المتساوية، فلا أقلية وأكثرية في حساب الوطن، فالكل سواء، والحاكمية لله وحده في مختلف القضايا المذهبية والدينية.
من المهم أن يدرك الفرقاء اليمنيون أيضا، شمالا وجنوبا، أحزابا وجماعات، حكومة ومعارضة، حقيقة المخطط الإسرائيلي القائم، وأن يعلموا أن صراعهم البيني يصب في مصلحة إسرائيل، وأنه قد آن الأوان لبدء حوار جاد يُنهي مختلف المسائل العالقة
أشير إلى أن مشروع إدخال المنطقة في حالة من الفوضى قد ابتدأت فصوله الأولى بإشعال الحرب العراقية-الإيرانية (1980–1988)، ثم ارتكاب النظام العراقي برئاسة صدام حسين لخطيئته الكبرى حال احتلاله دولة الكويت في أغسطس/آب 1990، فكان ذلك مؤذنا للولايات المتحدة بالتدخل عسكريا لتبدأ عمليات التحرير، ثم حصار العراق حتى تم إسقاط نظامه البعثي، ومن حينه دخلت المنطقة في مرحلة جديدة من الفوضى الخلاقة وفق تعبير وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس، فتم احتلال العراق وتدمير قواه ومرتكزاته الوطنية، ثم تم تدمير كثير من الدول العربية باسم الربيع العربي، حيث جرى إسقاط الدولة في سوريا واليمن والسودان وصولا إلى ليبيا، ونجت مصر من ذلك بفضل قواتها المسلحة؛ وهكذا تم تفتيت منظومة المشرق العربي خلال العقدين السالفين بحيث لم يبق منها قائما على أساسه سوى دول مجلس التعاون الخليجي التي تعيش تضامنا فيما بينها بالرغم من وجهات النظر المختلفة في كثير من القضايا، لكنها ظلت محافظة على وحدة الصف، وتقدم نموذجا عاليا للتنمية وبناء الإنسان، كما تشكل عصبا لكثير من الدول العربية وغيرها من خلال استضافة كثير من أبنائها كوافدين يعملون في شتى المجالات برفاه مالي ملحوظ، وهو ما يُمثل أحد مصادر الدخل القومي لتلك الدول بشكل أو بآخر.
هذا النموذج لم يعد مريحا لإسرائيل، بخاصة وأن صمود ومقاومة المملكة العربية السعودية قد فتّ في عضدها سياسيا وقانونيا، وهو أمر لم تستطع حكومة اليمين المتطرفة في إسرائيل تجاوزه، حيث لم يسبق لأي دولة عربية أن حشدت العالم للاعتراف بحل الدولتين كإطار عادل لتحقيق السلام في المنطقة، ولذلك أصبحت السعودية مثار استهداف إسرائيل وحلفائها، وبات الخليج منطقة استهداف مباشر لها أيضا، وهو ما يفسر إصرار إسرائيل واليمين المتطرف على إدخال الولايات المتحدة في حرب صفرية مع إيران، بالرغم من إدراكها لحجم التأثير السلبي الحادث جراء اشتعال فتيل الحرب على المنطقة والإقليم والعالم، لكن ذلك غير مهم لها من أجل أن تعيش بالصورة التي يحلو لها.
أمام ذلك، أليس واجبا على دول مجلس التعاون الخليجي تكثيف التواصل فيما بينها بوعي وإدراك كبيرين لما يخطط لها، ولاسيما قادة الرأي والفكر والإعلام في هذه الدول الذين يقع بعضهم في فخ إسرائيل الهادفة إلى تأجيج الخلافات البينية، وزيادة أي فجوة يمكن أن تحدث، وفي يقيني أن ذلك من أبشع الأخطاء السلوكية التي عملت السعودية وكثير من دول الخليج على مواجهتها بحزم قانوني وتحذير واضح الدلالة من السلطات القضائية.
أخيرا، من المهم أن يدرك الفرقاء اليمنيون أيضا، شمالا وجنوبا، أحزابا وجماعات، حكومة ومعارضة، حقيقة المخطط الإسرائيلي القائم، وأن يعلموا أن صراعهم البيني يصب في مصلحة إسرائيل، وأنه قد آن الأوان لبدء حوار جاد يُنهي مختلف المسائل العالقة التي تمت مناقشتها في مؤتمر الحوار الوطني الشامل 2014، ويعيد حالة الأمان والسلم الأهلي بين الناس، وفي ذلك انتصار كبير لليمن، وهزيمة مدوية للمخطط الإسرائيلي، فهل سيحقق اليمنيون هذا الانتصار؟