هل سيتم اقتحام الكونغرس مجددا؟

هل سيتم اقتحام الكونغرس مجددا؟

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسمياً المقترح الإيراني الذي قدّمته طهران لوقف إطلاق النار لمدة 7 أيام وإعادة فتح مضيق هرمز، مؤكدا عدم نيته رفع الحصار البحري أو العقوبات في الوقت الراهن، إيماناً منه بأن الضغط الاقتصادي سيُجبر طهران على تقديم تنازلات أكبر. على أن اللافت في الأمر أنه أشار إلى إمكان استئناف الحرب على إيران مجددا بعد الانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

ومكمن الإشكال هنا في أنه في حال فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وذلك هو المرجح بحسب الاستطلاعات، سيدخل الرئيس ترمب في عراك سياسي كبير، ليس مع الكونغرس وحسب، وإنما مع جانب من شارعه أيضا، ممن باتوا مختلفين معه وفق ما يتراءى من تصريحات تاكر كارلسون، وهو أحد أهم مؤيديه في حركة (MAGA)، وعليه ستكون فترة عصيبة على الولايات المتحدة التي تمر بمخاض جسيم في مشروعها المؤسسي، الذي يراوح التأرجح بين رؤيتين فلسفيتين متعارضتين حول كيفية إدارة الحكم.

فالرؤية الرئيسة التقليدية تقوم على استقلالية المؤسسات التنفيذية في بناء القرار، والتكاملية فيما بينها وإدارة البيت الأبيض في اتخاذ القرار الاستراتيجي، بحيث لا يفصل الرئيس بشكل منفرد في اتخاذ أي قرار مركزي دوناً عن الأخذ في الاعتبار رأي مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية المتنوعة، ودوناً عن موافقة المجلس التشريعي الذي بيده سلطة التشريع والرقابة والإنفاق، وجميعها تشكل هيكل الدولة العميقة التي أبدى الرئيس ترمب امتعاضه منها.

فالرؤية الرئيسة التقليدية تقوم على استقلالية المؤسسات التنفيذية في بناء القرار، والتكاملية فيما بينها وإدارة البيت الأبيض في اتخاذ القرار الاستراتيجي

ولذلك فقد عمل في دورته الحالية على إعادة تدوير المؤسسات والوكالات التنفيذية بتعيين الموالين له شخصيا، المؤمنين برؤيته السياسية التي يتفرد بها في إدارة البيت الأبيض، وهو ما مكّنه من تحجيم أطر استقلالها، وجعل مرجعيتها الحاكمة بيده، بحكم أنه رئيس السلطة التنفيذية المنتخب، الذي يجب أن يتملك زمام السلطة، فتقوية الرئيس- من وجهة نظره- تعني تقوية الديمقراطية الانتخابية.

هذا السياق هو ما جعله غاضبا من دهاليز البيروقراطية الأميركية، التي تمتلك- وفق رأيه- استقلالاً واسعاً عن الناخبين، بما يُمَكّن الموظفين غير المنتخبين من تعطيل برنامج الرئيس المنتخب؛ وكان بسبب ذلك أن أصدر أمره التنفيذي في فبراير/شباط 2025 القاضي بتوسيع إشراف البيت الأبيض على الوكالات المستقلة، بما فيها مراجعة لوائحها وأولوياتها.

هكذا أعطى الرئيس ترمب مفهوم الولاء السياسي لشخصه وزناً كبيراً في إدارة الدولة، وفي معايير اختيار المسؤولين، وهو ما يُبرر سماع تلك المدائح الذاتية من قبل كبار موظفي البيت الأبيض في كثير من المؤتمرات الصحافية، في مظهر غير معتاد على السياق الأميركي، وليس مما ألفه العالم من كثير من كبار مسؤولي الإدارة الأميركية؛ تلك الإدارة التي حفلت بوجود طبقة واسعة من المسؤولين المهنيين المستقلين الذين يستمرون في مواقعهم بالرغم من مخالفتهم في الرأي لبعض قرارات الرئيس وتوجهاته الحزبية.

في هذا السياق، يمكن أن تتضاءل القيمة المعنوية للكونغرس في ذهن الرئيس ترمب، لاسيما وأنه يرى بأن العلاقة معهم قائمة على التفاوض وليس على مبدأ الشراكة المؤسسية، وأن من واجبهم أن لا يعرقلوا خطط ومرئيات الرئيس المفوض انتخابيا، وهو ما يخالف منطوق الدستور الأميركي الذي أعطى الكونغرس سلطة التشريع والإنفاق والرقابة؛ الأمر الذي يجعل البون شاسعا بين المنظورين السياسيين، مما يفتح التكهنات لإمكان أن يتم اقتحام مبنى الكونغرس مجددا أسوة بما حدث في 6 يناير/كانون الثاني 2021.

في ذلك التاريخ اقتحم عدد غفير من الجماهير الموالية للرئيس ترمب وبشكل عنيف مبنى الكابيتول في محاولة منهم لتعطيل جلسة الكونغرس للتصديق على نتائج انتخابات 2020؛ وعلى الرغم من تعدد الحوادث في الكونغرس منذ 1814 حين اقتحمه الجيش البريطاني، إلا أن هذا الاقتحام قد مثل حدثاً استثنائياً في التاريخ السياسي الأميركي، لكونه كان أول اقتحام جماهيري عنيف للكابيتول.

وكان الرئيس ترمب قد ألقى في الجماهير المحتشدة خطاباً حماسيا دعا فيه أنصاره إلى الاعتراض على تصديق الكونغرس لنتائج الانتخابات، فكان أن تفاعلوا معه ونفذوا الاقتحام بمرأى ومسمع منه في حينه، مع تراخيه في دعوته لهم بالكف عن الهجوم، وهو ما أُخذ عليه لاحقا من قبل لجنة مجلس النواب المختارة للتحقيق.

هكذا أعطى الرئيس ترمب مفهوم الولاء السياسي لشخصه وزناً كبيراً في إدارة الدولة، وفي معايير اختيار المسؤولين

أشير إلى قيام الرئيس ترمب مبكرا بانتقاد النظام الانتخابي الضعيف من وجهة نظره، وبالتالي ذهابه مبكرا للتشكيك بنزاهة الانتخابات الأميركية القادمة وفق تحليل "تشاتام هاوس"، الذين أشاروا إلى إمكان تجدد المواجهات في حال خسارة الجمهوريين إحدى غرفتي الكونغرس. والسؤال الذي يبرز للمراقب هو: كيف سيكون المشهد القادم في الولايات المتحدة؟ لاسيما مع وضوح حدة التباين في الآراء والمواقف السياسية بين المنادين بأن تكون أميركا أولا، والمؤمنين بأولوية دولة إسرائيل.

ثم ما مآل فلسفة ترمب السياسية في إدارة الحكم مع تزايد التأثيرات السلبية الناتجة عن إعلانه الحرب على إيران دون أي خطة مسبقة، كما لم تحقق الإدارة الأميركية فيها أي مكسب ملموس، والأسوأ أنها لم تحسب موقف شركائها الاستراتيجيين في دول مجلس التعاون الخليجي، ولم تقدر مدى وحجم الضرر الإقليمي والعالمي، ثم إنها وكما يقول الخبراء قد دخلت الحرب وليس لديها أي استراتيجية واضحة لتحقيق النصر، إلا ما كان من ادعاءات نتنياهو الذي كان ولا يزال الكاسب الأكبر من كل ما يحدث؛ فالحرب التي أقحمت فيها الولايات المتحدة صار غير مشترك بها، والضرر المادي والمعنوي عمّ الإقليم بأكمله وبخاصة دول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، وهو ما تستهدفه استراتيجيا دولة إسرائيل لتتمكن من تسيد المنطقة اقتصاديا وتنمويا.

font change