هل هناك موسيقى عربية خالصة؟

التعلم والتلاقح لا يلغيان الهوية المحلية

REUTERS/Jihed Abidellaou
REUTERS/Jihed Abidellaou
مدرّس الموسيقى ومؤسس جوقة «سيدي سامي»، سامي سندلي، يعزف على آلة القانون خلال حصة تدريبية في تونس، 23 يناير 2025.

هل هناك موسيقى عربية خالصة؟

يفترض البعض وجود "لسان موسيقي مشرقي" بلهجات مختلفة تشمل المنطقة كلها، وهو المقصود بالحديث عن "موسيقى مقامية" تتفرع إلى فارسية وعثمانية وعربية أو ما يسمى "الموسيقى الفارسية -العربية - العثمانية". مثل هذا الجمع في إطار واحد يفترض أن ينتج عنه قول لازم بالاشتراك في القواعد والأشكال، لكنه يستخدم أساسا لإخضاع الممارسة عندنا للتنظير العثماني، وهذا عمليا خاطئ ومضر بفهمنا للممارسة المحلية. فعلى الصعيد النظري يصعب القبول بوجود "موسيقى عربية واحدة". وبالتالي ينتهي الحال إلى افتراض أن هذا الإطار لا يعنى من الموسيقات العربية إلا بالشام ومصر. وحتى بعد هذا الاختزال، يظل الواقع والتاريخ يخالفان هذا التأطير.

إسقاط النظرية العثمانية على العرب دون الفرس

ينتج عن هذا التأطير الموسع إخضاع الموسيقى العربية إلى القواعد النظرية العثمانية المفترضة لناحية أعداد المقامات وأسمائها وسير كل منها. فيتحدث كثيرون عن اختلاف هذا المقام وذاك، وعن مقامات تتعدى المئات بأسماء لم ترد يوما في مرجع عربي قبل القرن العشرين، أي قبل مرحلة دخول تأثير تركي عثماني كبير على المستوى النظري إلى الموسيقى المصرية والشامية.

هذا التأثير التركي لم ينعكس في الغناء وأساليبه وقوالبه، ولا في الآلات المفضلة عند العرب، ولا في التلحين، واقتصر على تطوير فكرة العزف الآلي بمقطوعات مخصوصة (سماعيات وبشارف ولونجات) وعلى استدخال عدد ضئيل من المقامات الجديدة، مثل "حجاز كار"، و"حجاز كار كردي"، وقليل غيرها وانتشار "النهوند" و"العجم"، وكلها تخلو من "ربع التون" لأن الموسيقى التركية نفسها كانت تحت تأثير أوروبي آنذاك، ولم يلبث الملحنون العرب أن أخضعوا تلك المقامات إلى معالجتهم الخاصة.

لا يكفي الاختلاف عن أوروبا لتوحيد كل ما هو خارجها، وإلا لصار علينا أن نتحدث عن موسيقى مشتركة من الصين حتى جنوب أفريقيا مرورا بآسيا الوسطى وماليزيا وباكستان والهند

بالمقابل، لا يخطر على بال أحد أن يخضع الموسيقى العربية لقواعد الموسيقى الفارسية، ولا هذه الأخيرة مطلقا للتنظير التركي، أو أن يطلب من الموسيقيين في طهران أن يستخدموا مئات المقامات العثمانية بسيرها وتصنيفاتها، ولا أن يستخدموا الإيقاعات العثمانية والقوالب الاسطنبولية. ذلك أن فن "الرديف" الفارسي بوصلاته المسماة "دستكاه" تطور في شكل مستقل يخرج تماما عن التأطير العثماني النظري.

والأهم، أن هذا الرديف الفارسي لم يقترض هذا التنظير، وقدم تنظيره الخاص. بينما اكتفى مؤتمر الموسيقى العربية الأول في القاهرة سنة 1932 باقتراض التنظير حول المقام وسيره وشخصيته وطريقة العمل به من النظرية العثمانية، بناء على تقرير البارون ديرلانجيه الذي حضره له على الأغلب علي الدرويش الحلبي تلميذ الأتراك. ومن علامات ذلك أن تقرير أهل المعهد القاهري، منظم المؤتمر، اكتفى بعرض عدد أقل بكثير من المقامات، محيلا على تقرير البارون ما يتعلق بشخصيتها وسير العمل فيها، لأن أحدا في مصر لم يكن يستخدم مثل هذه المفاهيم.

ينتهي الحال بنا إذن إلى اسقاط نظرية خارجية على الممارسة المحلية في مصر والشام، وينتج عن ذلك سوء فهم مزمن بيننا وبين موروثنا الفعلي. ولئن تغاضينا عن المؤدى العملي الحالي المؤذي للموسيقى العربية نتيجة هذا التأطير "الفارسي - العربي - العثماني"، فهل له من حقيقة في ذاته؟

 AHMAD AL-RUBAYE / AFP
موسيقيون عراقيون يعزفون على العود خلال حفل موسيقي في مسرح الرشيد بالعاصمة العراقية بغداد، 17 ديسمبر 2021.

هل من "موسيقى عربية" أصلا؟

المشكلة الأولى في هذا التأطير افتراض وجود "موسيقى عربية" واحدة ذات طبيعة خالدة مشتركة بين جميع الدول العربية. فإذا طلبنا عناصر تتجاوز عربية لغة الغناء لتطول الموسيقى نفسها لوجدنا موسيقات فائقة التنوع، ما بين السلم الخماسي في السودان إلى الطبوع المغاربية والأنغام اليمنية والحجازية والنجدية وأصول "المقام البغدادي" وغناء البحر الخليجي وانواعه فضلا عن المقامات والأنغام في دلتا مصر وبلاد الشام.

وفي هذه البلاد الممتدة على اتساع شاسع وتضم مئات الملايين من الناس، لا تشترك الموسيقى في الآلات: القنبوس اليمني والجوزة والسنطور العراقيان والكويترة الجزائري و"العود العربي" التونسي والكنبري المغربي.. الخ

كما لا تشترك في أي من أساليب الأداء والايقاعات وابعاد سلالمها وأسماء مقاماتها وقوالب غنائها وموروثها كالمقام البغدادي والوصلات الحلبية والادوار المصرية والمالوف التونسي والملحون المغربي والصوت الكويتي.

وحده تأثير الاسطوانات المصرية ثم السينما والإذاعة، هو ما نشر الموسيقى المصرية لتصير مألوفة لدى الجميع، ثم تلا ذلك الرحابنة من لبنان مع فيروز. لكن هذا التأثير المتأخر لا يغير شيئا في تنوع واختلاف الموسيقات العربية الكثيرة ـ

ونعلم على الأقل منذ زمن التيفاشي القفصي في القرن الثالث عشر الميلادي أن الفراق كان قد نجز بين موسيقى المغرب والأندلس من جهة الأقرب إلى الغناء القديم لجهة الإطالة وتكثير النغم والزخرفات، وموسيقى المشرق العربي الأخف المتأثرة بالفرس آنذاك، وموسيقى أفريقية - أي وسط الشمال الأفريقي - المتأرجحة بين هذين. ومعظم هذه الموسيقات لم يمتزج يوما بالتأثير العثماني، المنعدم تقريبا خارج مصر والشام. وإن كان هناك تقارب بين الموسيقى الفارسية والبغدادية فإن هذا لا يشمل الدول الأخرى.

أما إن قيل إن هذه الموسيقات جميعا تشترك في اختلافها عن الموسيقى الأوروبية، لناحية طبيعتها المودالية وسلالمها غير المعدلة والتي تحتوي على ما يسمى مجازا أرباع الصوت، فإن هذا القول لا يشمل فعليا السلالم الخماسية كما في السودان وبعض فنون المغرب، ولا جزءا كبيرا من الموروث المغربي والجزائري، كما أن هذه "الأرباع" مختلفة أيضا ما بين تونس ومصر والعراق على سبيل المثال.  ولا يكفي إذن الاختلاف عن أوروبا لتوحيد كل ما هو خارجها، وإلا لصار علينا أن نتحدث عن موسيقى مشتركة من الصين حتى جنوب أفريقيا مرورا بآسيا الوسطى وماليزيا وباكستان والهند ... الخ.

نعثر على اختلافات جذرية تدل على ابتعاد الشام ومصر عن هذا المركز البغدادي – الفارسي

عمليا إذن، ينتهي أصحاب مثل هذه المقولة إلى حصر "الموسيقى العربية" بمصر والشام، كما في "أرشيف المقام العربي الرقمي" الذي أطلقه الموسيقي العراقي د. خيام اللامي والذي لا يتضمن أي سلالم أو مقامات من العراق أو دول الخليج أو المغرب، بل ينحصر آخر الأمر في كتب اللبناني سليم الحلو والسوري سامي الشوا وما شابهها.

السياق التاريخي للعلاقات الموسيقية

هل يجوز إذن الحديث عن موسيقى "فارسية - عربية (مصرية/شامية) - عثمانية"؟

علينا أن نوضح إن الأبعاد بين درجات السلالم المستعملة في الموسيقى الفارسية والعثمانية والمصرية/الشامية متقاربة دون أن تكون دوما متطابقة. لكنها أيضا متقاطعة مع موسيقات أذربيجان وأزبكستان وبعض أنواع الموسيقى اليونانية وغيرها. غير أن الأبعاد لا تكفي للحديث عن "لسان واحد"، مثلما أن الأحرف اللاتينية والتاريخ اللغوي المشترك لا يكفيان للحديث عن لسان مشترك جنوب أوروبي يجمع الفرنسية والإيطالية والإسبانية والكاتالانية والبرتغالية.. الخ. وباستعارة بعيدة عن الألسنية، فإن استعمال الخشب والحجارة والرخام لا يجعل من العمارة الإسلامية والعمارة القوطية مدرسة واحدة. فالمعيار الفعلي ينبغي أن يكون منبثقا من حجم المشترك أو الفارق في الممارسة. ولهذا نحتاج عرضا سريعا للسياق التاريخي للعلاقات بين الممارسات الموسيقية في فارس وبغداد ومصر والشام، ثم لاحقا دخول العثمانيين عليها، وصولا إلى المرحلة الحديثة.

 ATTA KENARE / AFP
عضوات فرقة "دينغو" الموسيقية النسائية الإيرانية، من اليسار إلى اليمين: مليحة شاهين زاده، نغين حيدري، فائزة محسني ونوشين يوسف زاده، خلال حفل ضمن مهرجان "موسيقى الخليج الفارسي" في قاعة أفيني بمدينة بندر عباس الإيرانية

مما وصلنا، يبدو أن الموسيقى في مصر القديمة بدأت بسلالم خماسية، ثم في مرحلة ما من الدولة الوسيطة انتقلت إلى سلالم سباعية. وتشير بعض التجارب على النايات القديمة إلى سلالم ذات أبعاد متنوعة، يشابه بعضها تقريبا الموجود لدينا، دون أن يكون هناك اتساق تام بين النايات المختلفة أو توحيد لها، ما يوحي بنظام لا يزال قيد التشكل. وكتابات بطليموس الإسكندري  تشير إلى تنوع الأنظمة الصوتية الناتج ربما عن تعدد الأقوام والنظريات، ما بين مصريين ويونانيين وأقوام أخرى، في الإسكندرية الكوزموبوليتية آنذاك.

بالمقابل، تشير الدلائل الأثرية واللقى إلى أن الموسيقى في بلاد الشام وبلاد الرافدين كانت تتبع السلم المسمى فيثاغوريا، قبل صاحب الاسم بمئات السنين وأكثر، وهو باختلافات طفيفة بالغ الشبه بالموسيقى الأوروبية.

ويدلنا كتاب "الأغاني" للأصبهاني أن بدايات "الغناء المتقن"، في الحجاز وبالتحديد في مكة والمدينة، أتت نتيجة التفاعل مع موسيقات الفرس والروم. ونتج عنها ما عرف بالغناء الحجازي القديم، الذي عشقه الأمويون والعباسيون الأوائل، وكان آخر ممثليه إسحاق بن إبراهيم الموصلي. ونعرف عن دوزان عود إسحاق وزمنه من خلال كتابات ابن المنجم والكندي وهي تدل على عود ذي دساتين أربعة، أي موضع واحد لكل من أصابع اليد التي توضع على زند العود، وتدل أيضا على أن هذا الدوزان البغدادي كان أيضا يتبع النظام الفيثاغوري، والذي يبدو من نصوص الكندي أنه كان أيضا متبعا في بيزنطة آنذاك.

أما دخول "ربع التون" أو "الثالثة المحايدة" أو نغمة "السيكاه" المميزة لسلمنا الموسيقي فقد دون من خلال ما عرف بـ "وسطى زلزل"، الذي أدخل على العود دستانا إضافيا، ما منح الاصبع الوسطى موضعين محتملين. وليس من الواضح هل دخل هذا العامل الجديد بتأثير مصري أو بتأثير من أقوام آسيا الوسطى الحاضرة في عاصمة الامبراطورية. وبعد نحو أربعة قرون من التخبط، وصلنا إلى صفي الدين الأرموي، في القرن الثالث عشر للميلاد حيث وصف سلما بالغ الشبه بما نستعمله، وذكر مقامات بأسماء قريبة مما نعرف.

بعد مرحلة الأرموي، ومن خلال كتابات شراحه وقطب الدين الشيرازي والمراغي وصولا إلى الشرواني واللاذقي والسيلكوني، يمكن الحديث عن انتقال مركز التنظير والممارسين الأهم من بغداد بعد سقوطها، إلى الفضاء الفارسي والدولة التيمورية في سمرقند ثم هراة في أفغانستان حيث عاش المراغي الذي وصلت شهرته وبعض أعماله الموسيقية إلى مصر.

وباستثناء اللاذقي الذي كتب بالعربية للسلطان العثماني بايزيد الثاني في نهاية القرن الخامس عشر، فإن الجانب العربي ابتعد عن تنظير الأرموي. فإذ نجري مقارنة بين كتابات وطريقة عرض المقامات وأنواع الإيقاعات بين الأرموي وابن كر القاهري والحصكفي (من حصن كيفا في شمال سوريا اليوم) فإننا نعثر على اختلافات جذرية تدل على ابتعاد الشام ومصر عن هذا المركز البغدادي - الفارسي رغم بعض شهرة المراغي والتي ينبغي الإشارة إلى أنها لم تكن طاغية بل كان هناك إنتاج محلي في مصر والشام يخرج على قواعد المراغي ويبتكر "نوبته" التي ستتحول لاحقا إلى وصلة الموشحات التي استمرت في مصر حتى منتصف القرن التاسع عشر وفي حلب حتى منتصف القرن الذي يليه.

التقاطع ما بين الموسيقات الفارسية والعربية والعثمانية لم يدم إلا لقرن تقريبا، وهي الفترة التأسيسية للموسيقى العثمانية بالاستعارة من العرب والفرس

رغم ذلك، كانت شهرة الموسيقيين الفرس ضخمة وقد استقدم العثمانيون كثيرا منهم إلى بلاطهم، فضلا عن بعض الموسيقيين المصريين أيضا. توقف هذا تقريبا مطلع القرن السابع عشر حين بدأ العثمانيون بشق طريقهم الخاص في الموسيقى والآلات المفضلة والقوالب المميزة. ولئن كانت الإيقاعات مثلا متقاطعة إلى حد ما بين العثمانيين والفرس والمصريين والشوام، فإن الانهيار الموسيقي ـ الذي يشير بعض الباحثين إلى حصوله في فارس مع صعود الدولة الصفوية ثم بدايات القاجارية ـ قضى على هذا التقاطع وأفقد الموسيقى الفارسية إلى اليوم العلاقة مع الإيقاعات المركبة القديمة وهو ما تم تعويضه بتطوير أساليب جديدة للتعامل مع إيقاعات أبسط.

ويبدو أن العلاقة الموسيقية بين مصر وإسطنبول كانت انقطعت أيضا بدليل الندرة الشديدة لذكر أية أعمال تركية اللغة في المخطوطات المصرية، منذ القرن السادس عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر. وقد يكون لذلك أسباب متعددة بينها الوضع السياسي والاستقلال شبه الناجز لمماليك مصر عن السلطنة طيلة القرن السابع عشر.

 HAZEM AL-HINDI / ART HOUSE DAMASCUS / AFP
عازفة الكمان السورية ماريا أرناؤوط (يمين) تعزف مع فرقة للمقام في «آرت هاوس» بالعاصمة السورية دمشق، 20 يوليو 2011.

أما في الشام فيبدو أن التفاعل مع الموسيقى العثمانية كان أسبق من مصر بنحو قرن من الزمان. على أن الشام نفسها وإن استقبلت بعض الأنغام والايقاعات قبل مصر، إلا أن ما وصلنا من نتاج تلك المرحلة من الموشحات يدل أيضا على معالجة محلية لها. وبالمثل فإن التفاعل المصري مع إسطنبول كان أيضا في الاتجاهين، حيث كانت إسطنبول في نهايات القرن التاسع عشر أيضا تنظر إلى الجديد المصري والجديد الأوروبي برغبة في كسر قوة التقاليد الامبراطورية الأسبق، واستمر ذلك أيضا في القرن العشرين لا سيما حين منعت الموسيقى العثمانية والتفت الأتراك إلى السينما والاذاعة المصرية في ظل ذلك الحظر.

فالتقاطع كان موجودا إلى حد ما بين الموسيقى الفارسية والمصرية/الشامية/البغدادية بين نهاية القرن الثالث عشر والقرن السادس عشر . والتقاطع ما بين الموسيقات الفارسية والعربية والعثمانية لم يدم إلا لقرن تقريبا أو يزيد قليلا هو بالأساس القرن السادس عشر ومطلع السابع عشر، وهي الفترة التأسيسية للموسيقى العثمانية بالاستعارة من العرب والفرس. بالمقابل افترقت هذه الممارسات بعدذاك وتوسع الافتراق في القرن التاسع عشر.

اتساع الاختلاف منذ القرن التاسع عشر

منذ منتصف القرن التاسع عشر، افترقت هذه الممارسات بشكل كبير. فركب الموسيقيون في البلاط القاجاري نظاما موسيقيا جديدا (الرديف) حيث دزينة من الوصلات (دستكاه) مكونة من عدد من القطع الصغيرة (كوشيهات) بعضها إلزامي وبعضها اختياري، وبعضها ملحن بالكامل وبعضها الآخر فكرة لحنية يتاح للعازف تطويرها.

وفي إسطنبول، تم بتأثير أوروبي تقعيد النظرية مطلع القرن العشرين ، وكان ذلك حصيلة قرون من مدرسة "المشق" وتكوين موسيقيين شديدي الاحترام للتقاليد وشكل "الفاصل" الموسيقي البلاطي. وبالمقابل، كانت الموسيقى تخرج من البلاط، ومن التكية المولوية بقوالبها الخاصة، وتنزح إلى المدينة وأماكن اللهو الجديدة منتجة أنماطا حديثة من الغناء والعزف لعب فيها الأرمن واليونانيون دورا كبيرا.

كانت القاهرة أيضا في مرحلة التحديث وظهور فكرة "الحفل"، والنجم المبهر لأسماع الحضور، مثل عبده الحمولي، ما سمح بتطوير الارتجال وابتكار قوالب جديدة كالدور والقصيدة والموال، مثلما سمح وبشكل متزامن، بتطوير شكل الإنشاد الديني والتلاوة وتطعيمه بتقنيات الأداء الحديثة. بينما ظهر التأثير التركي آنف الذكر بشكل أساسي في دخول قوالب للعزف الآلي، وإن طوعها الموسيقيون المصريون بسرعة للذوق المحلي.

REUTERS/Omar Ibrahim
فرقة فولكلورية تركية تقدم موسيقى تقليدية خلال جولتها في طرابلس شمال لبنان، 26 أبريل 2012، ضمن احتفال سنوي بالذكرى الـ723 لتحرير المدينة من الصليبيين على يد المماليك

في كل ذلك أيضا استمر اختلاف هذه الموسيقات، لا فقط في شكل الوصلة والايقاعات وأساليب العزف وتركيب الجمل الموسيقية، إنما أيضا في الآلات المفضلة حيث تعزز حضور الطنبور في تركيا، في مقابل السيتار والتار في الموسيقى الفارسية، والعود والقانون في مصر والشام، وحتى في آلة مشتركة كالناي طور كل منهم أسلوبا وتقنية وشكلا مختلفا تماما للعزف عليها.

التأرجح بين التلاقح والعزلة

فحوى هذا العرض التاريخي أن العلاقات ما بين هذه الأطراف المتعددة، من فارس إلى بغداد إلى إسطنبول والشام والقاهرة، كانت تمر بمراحل من التواصل والانقطاع والتلاقح والعزلة. وبعد مرحلة من تقارب الممارسة حتى القرن السادس عشر، فإن هذه الموسيقات افترقت ممارساتها وقوالبها وآلاتها وذوقها العام في اتجاهات مختلفة بما لا يسمح فعليا بالحديث عن إطار وقواعد مشتركة تتجاوز الاشتراك النسبي في أبعاد السلم الموسيقي وبعض تسمياته مثلما لا يسمح السلم الخماسي بالحديث عن موسيقى "صينية - يابانية - سودانية" فقط لأنها خماسية.

إسقاط نظرية مستوردة على موسيقى لا تخضع لها ، يضعف من قدرتنا على فهم موسيقانا وقواعدها، وينتج موسيقيين مشوشين تجاه موروثهم

الاشتراك في الأبعاد لا يعني التبعية النظرية، بل علينا بناء مقاربتنا انطلاقا من الموروث المسموع. وغني عن القول أن التعلم من الجيران محمود. لكن فرض إطار مصطنع على موسيقات مختلفة وإن حملت ملامح تلاقح ماض، وإسقاط نظرية مستوردة على موسيقى لا تخضع لها ، يضعف من قدرتنا على فهم موسيقانا وقواعدها، وينتج موسيقيين مشوشين تجاه موروثهم، ولا تاريخيين خاضعين لنظرية جامدة، لا تفهم آثار التاريخ الفعلية على هذا الفن.

font change