الحوثي... ميليشيا بلا حاضنة شعبية

الحوثي... ميليشيا بلا حاضنة شعبية

استمع إلى المقال دقيقة

يستطيع الحوثي أن يملأ الشوارع بالصور والهتافات، وأن يجمع الناس في الساحات التي يسيطر عليها، لكن ذلك لا يمنحه حاضنة شعبية تمثل اليمنيين، والناس الذين يخرجون تحت سلطة السلاح، أو يصمتون خشية الاعتقال، لا يمنحون بالضرورة تفويضا لمن يحكمهم.

وللجماعة أتباع مقتنعون ومصالح ارتبطت ببقائها، وهذه حقيقة لا ينبغي إنكارها، ولكن كم يشكلون داخل المجتمع اليمني، غير أن وجود هؤلاء شيء، وقبول مجتمع واسع بمشروع الجماعة ليحكم مستقبل بلادهم شيء آخر، والفارق بينهما هو أكثر ما يحاول الحوثي إخفاءه خلف مشاهد الحشد المتكرر.

منذ استيلائه على صنعاء قبل اثني عشر عاما، فهم الحوثي أن السيطرة على المدرسة أطول أثرا من السيطرة على المعسكر، ولهذا لم يكتف بإخضاع المؤسسات، وإنما أدخل رؤيته إلى المناهج والأنشطة والمراكز الصيفية، وأحاط الصغار بخطاب يقدم القتال، ويعيد رواية تاريخ اليمن بحيث تبدو الجماعة وكأنها صاحبة الحق وحدها في حكمه، والتلميذ الذي كان يجلس في مقعد الدراسة يوم الانقلاب بلغ اليوم سنا يستطيع فيها حمل السلاح، وبعض من نشأوا في هذه البيئة يدفع بهم الآن إلى جبهات لم يختاروا أسبابها، وهذه خسارة تتجاوز الميدان.

وقد وثقت منظمات حقوقية تجنيد الحوثيين أطفالا، وتحدثت عن انتقال بعض الطلاب من المدرسة إلى مراكز التعبئة ثم إلى مواقع القتال، وخلال الفترة الماضية روت تقارير ميدانية محاولات استقطاب فتيان في السادسة عشرة والسابعة عشرة بالمال والسلاح وسط فقر شديد يعانيه اليمنيون في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي، ولا أضع اللوم على يافع لم يعرف من بلاده إلا الحرب، أو على أسرة وجدت نفسها أمام حاجة قاسية، المسؤولية هنا تقع على من استغل الحاجتين معا، الحاجة إلى لقمة العيش، والحاجة إلى معنى وانتماء، ثم قدم للفتى بندقية في العمر الذي كان ينبغي أن تتسع فيه خياراته ولا تنتهي داخل خندق.

يستطيع الحوثي أن يملأ الشوارع بالصور والهتافات، وأن يجمع الناس في الساحات التي يسيطر عليها، لكن ذلك لا يمنحه حاضنة شعبية تمثل اليمنيين


خسائر الأيام الماضية تذكر الجماعة بأن من ترسلهم إلى الجبهات ليسوا أرقاما في بياناتها، ففي المعارك الأخيرة، تخسر الميليشيا المئات من عناصرها يومياً، بالتزامن مع غارات حكومية استهدفت تعزيزاتها في جبهات عدة، وهذا ما يحصى ويعلن فقط، لكن السؤال الذي تتركه الخسائر داخل البيوت لا يمكن إسكاته بخطاب التعبئة، إذ لم يجن اليمنيون من اتساع الحرب سوى أن تصبح المدرسة طريقا محتملا إلى الجبهة، وأن تتلقى أسرهم نبأ مقتلهم فيما يواصل القادة الحديث عن نصر جديد.

وفي مناطق سيطرته، لا يحتاج المرء إلى استطلاع ليرى الفجوة بين ما يطلبه الناس وما تريده الجماعة، الأهالي يريدون راتبا ومدرسة ومستشفى وأمانا لأبنائهم، بينما تنفق الميليشيا الموارد على الحرب والدعاية والجبايات، وارتفعت في الأشهر الماضية أصوات تشكو الجوع حتى بين من كانوا قريبين منها، وهذه مسافة يغفلها الحوثي كلما ظن أن التأييد لموقف عابر يعني الرضا عن حكمه.

هنا يظهر مأزق الحوثي السياسي أكبر من خسائر الجبهات، إذ يعرف أن السلاح قد يكفي لاحتلال مدينة، لكنه لا يكفي لإقناع أهلها بأن مستقبل أبنائهم معه، ولهذا يطلب ولاء الطفل قبل أن تتاح له فرصة السؤال، ويقابل اعتراض الأب بالقمع أو التخوين، وقد يحتفظ بما استولى عليه زمنا، لكن كل جيل يرسله إلى الحرب يوسع المسافة بينه وبين اليمن الذي يدعي تمثيله، وحين يعود القرار إلى اليمنيين سيواجه حقيقة حاول حجبها طوال سنوات، أن الميليشيا التي تستدرج القاصرين لتجديد حربها لا تملك تفويضا لحكم بلد، وأن فكرها يستحيل أن يكون مستقبل اليمن.

font change