أخطأ الحوثي في حساب ما يمكن أن يحققه باستهداف مطار الملك خالد في الرياض؛ فمن يقتل المدنيين ليدفع خصومه إلى التراجع يخلط بين قدرته على إيقاع الأذى وقدرته على فرض شروطه عليهم. ومع بلوغ حصيلة سلسلة الاعتداءات على المطار، بين 7 و11 أكتوبر/تشرين الأول، 17 وفاة وأكثر من 330 إصابة، وفق ما أعلنه التحالف، أصبح من الصعب تصور العودة إلى احتواء الميليشيا مع ترك وسائل الاعتداء بيدها.
وفي تقديري أن الفارق بعد العاشر من أكتوبر يتعلق بغاية المواجهة نفسها، من الرد على كل اعتداء إلى إنهاء قدرة الحوثي على تكراره، لأن السعودية لن تقبل بأن تهدد ميليشيا إرهابية أمن مواطنيها.
ولا يمكن فصل هذا التهور عن معاركه في اليمن، خصوصا في تعز خلال هذه الأيام، إذ يدفع بالمقاتلين والتعزيزات ويواجه مقاومة وخسائر، دون أن يتمكن من حسم المعركة. وحين يتكبد الحوثي خسائر في جبهة يحتاج إليها، يحاول نقل الكلفة إلى خصومه خارجها، متوهما أن استهداف المدنيين سيجبرهم على تخفيف الضغط عنه، لكن استهداف المدنيين في الرياض لن يعوضه عن آلاف المقاتلين وعشرات المواقع التي يفقدها، ولن يقنع أحدا بتركه يحتفظ بالسلاح الذي ارتكب به جريمته. فما يفعله أقرب إلى سوء تقدير سياسي يضاف إلى كلفة مغامرته العسكرية، إذ كلما أراد الإفلات من تبعاتها ارتكب ما يستدعي مزيدا من الحزم ضده.
السعودية لن تقبل بأن تهدد ميليشيا إرهابية أمن مواطنيها
وفي الساحل، وبعد استعادة قوات الشرعية باب المندب بدعم من التحالف، ضمن عملية "فجر اليمن"، خسر الحوثي مواضع حاول استخدامها لمساومة العالم على أمن الملاحة، والأهمية هنا أن الحكومة اليمنية تستعيد أرضها وتتولى مسؤولية تأمين ممر بحري حيوي، وتثبت قدرتها على حماية مصالح تتجاوز حدودها. وهذا تفوق ينبغي استثماره في مواصلة التحرير وتأمين ما استعيد، دون السماح للميليشيا بالتقاط أنفاسها. ولا تبدو مطالبة الحوثي بوقف الاعتداءات كافية ما دام يحتفظ بوسائل تنفيذها؛ فسلامة المضيق وأمن اليمن وجيرانه تتطلب التعامل مع مصدر الخطر... لا انتظار تبدل نيات قادته.
من هنا أفهم إصرار القيادة اليمنية على استمرار العمليات وصولا إلى صنعاء، وتأكيد قادة التحالف مواصلة تفكيك القدرات الهجومية للميليشيا، في الوقت الذي يراهن فيه الحوثي على الاستنزاف للوصول إلى توقف يعيد خلاله ترتيب صفوفه، ولهذا ينبغي أن لا يترك له تحديد نهاية هذه الجولة، وصنعاء التي تحتلها الميليشيا تبقى هدفا لاستعادة الدولة، وعلى أعضاء مجلس الأمن الذين أدانوا الاعتداءات وأكدوا حق السعودية في الدفاع عن النفس أن يترجموا دعوتهم إلى منع تسليحه وتمويله إلى خطوات عملية، حتى لا يستفيد من أي تساهل ليطيل الحرب.
بعد جرائم الحوثي الأخيرة بحق المدنيين، لن يكون التسامح معه خيارا على حساب الأمن الوطني السعودي ولا استقرار اليمن
في الداخل اليمني، لا يستطيع الحوثي التعويل على الصمت باعتباره تأييدا دائما، قد يكون لديه أتباع، لكنّ في مناطق سيطرته أيضاً أسراً تدفع بأبنائها إلى معارك لا يملك قادته إجابة مقنعة عن كلفتها، ومع تزايد الجرحى والخسائر، قد يتسلل الخوف والتشكك حتى إلى من صدقوا وعوده، وهنا تستطيع الشرعية توسيع الاصطفاف حول استعادة الدولة، أما الحوثي فيريد من اليمنيين التضحية لضمان بقائه، بينما هم يبحثون عن أمان يتيح لهم العيش دون تجنيد قسري وجبايات وتهديد، وهذا تناقض يصعب عليه تجاوزه بالشعارات.
بعد جرائم الحوثي الأخيرة بحق المدنيين، لن يكون التسامح معه خيارا على حساب الأمن الوطني السعودي ولا استقرار اليمن، وقد أعلنت الشرعية والتحالف استمرار العمليات ضده، وهذا هو التعامل الذي ينبغي التمسك به، دون منحه فرصة أخرى لترميم قدراته ثم تكرار جرائمه، والغاية إنهاء الانقلاب وتجريد ميليشيا إرهابية من وسائل الاعتداء...
نعم، قد يواصل التصعيد ويحاول إطالة المواجهة، لكن عليه أن يفهم اليوم أن ردعه أولوية، وأن استعادة الدولة غاية لن يتم التراجع عنها، والعمليات ضده ستستمر حتى إنهاء تهديده لأمن السعودية ومستقبل اليمن.