"فجر اليمن"... ومستقبله

"فجر اليمن"... ومستقبله

استمع إلى المقال دقيقة

أخطأ الحوثي حين اعتقد أن اليمنيين سيعتادون سلطته، وأن ما استولى عليه بالسلاح سيحتفظ به مهما امتدت الحرب، ومع انطلاق عملية "فجر اليمن"، بات أمام حكومة تتحرك لاستعادة الأرض ومؤسسات الدولة، بإسناد واسع من التحالف بقيادة السعودية، بعد سنوات من محاولات التسوية التي قابلها بمزيد من التصعيد، والأهم في هذه العملية أن المسؤولين عن تنفيذها أعلنوا غايتهم منذ البداية، تحرير المناطق المحتلة وصولا إلى صنعاء، وهذا فارق جوهري بالنسبة إلى اليمنيين الذين يريدون أن يعرفوا إلى أين يتجه قادتهم، بعد أن طال انتظارهم بين جولات القتال ووعود السلام.

القوة في "فجر اليمن" تتجاوز كثافة الضربات الجوية إلى طريقة توظيفها مع حركة القوات البرية، إذ يستهدف العسكريون مخازن السلاح والتحصينات وخطوط الإمداد، بالتزامن مع التقدم لتأمين المرتفعات والطرق، ويبدو لي أن هذا التدرج أكثر أهمية من السباق إلى إعلان السيطرة على المدن، لأن من يتقدم دون حماية ظهره قد يضطر للعودة إلى الموقع نفسه مرة أخرى، وهنا يمكن فهم العمل على مراحل، من إضعاف دفاعات الميليشيا إلى اختراقها وتثبيت المواقع قبل توسيع الهجوم، ويستفيد القادة من تعاون "العمالقة" و"درع الوطن" والقوات الحكومية في هذه المحاور لتوزيع المهام والاستفادة من خبرات المقاتلين، بدلا من أن يتحرك كل تشكيل منفردا، وهو ترتيب يحتاج إلى تنسيق وانضباط واستمرار في الإسناد، لا اندفاع ينتهي عند أول عقبة.

وعلى الساحل، أعلنت القوات اليمنية تحرير مواقع باب المندب وجزيرة ميون، بعد تقدمها في كهبوب، وفي ذلك مكسب يتجاوز مساحة الأرض المستعادة، إذ تستعيد الحكومة مواقع حاول الحوثي استخدامها لابتزاز العالم عند أحد أهم ممراته البحرية، ومع مواصلة العمليات في الوازعية وقطع الطريق بين ذوباب والمخا، تعمل القوات على عزل مواقع الميليشيا على محاور المخا وقطع إمداداتها، دون استعجال اقتحام غير محسوب، وتبقى حماية هذه المكاسب وتأمين محيط المضيق ضرورة، لأن إبعاد المسلحين عن الشاطئ خطوة مهمة يتبعها تفكيك وسائل اعتدائهم على السفن في البحر.

يواجه الحوثيون اليوم مأزقا يصعب تجاوزه بتصعيد الاعتداءات على السعودية أو استدعاء الشعارات القديمة، إذ يخسرون مواقع يحتاجون إليها، ويتعرضون لضغط عسكري على جبهات متعددة

وعند الحديث عن الانضباط، لا يصح اختزاله في الالتزام بأوامر التقدم. لدى القوات اليمنية مسؤولية عن حماية السكان وممتلكاتهم وفتح الطريق أمام عودتهم، وقد شدد الرئيس رشاد العليمي على منع الانتقام وصون المدنيين، وهذا التزام يتعين على القادة ترجمته في كل منطقة يستعيدونها، حتى يرى أهلها الفرق بأنفسهم بين مؤسسة تخضع للمساءلة وميليشيا تفرض الطاعة، وعزل مقاتلي الحوثي حول المخا لا ينبغي أن يتحول إلى تضييق على أهلها، لأن اليمنيين الذين تحملوا كلفة الانقلاب يستحقون الأمان والغذاء، وإغاثتهم جزء من مسؤولية استعادة الدولة، لا مهمة تؤجل إلى ما بعد الحرب.

في تقديري، يواجه الحوثيون اليوم مأزقا يصعب تجاوزه بتصعيد الاعتداءات على السعودية أو استدعاء الشعارات القديمة، إذ يخسرون مواقع يحتاجون إليها، ويتعرضون لضغط عسكري على جبهات متعددة، بينما يتحدث قادة الشرعية عن استعادة صنعاء، ومن الخطأ توقع انتهاء المهمة خلال أيام، لكن من الخطأ أيضا اعتبار كل توقف لتأمين طريق أو إعادة ترتيب القوات تراجعا عن الهدف، لدى الحكومة وحلفائها سبب واضح للاستمرار، إن ترك الميليشيا تعيد تنظيم صفوفها قرب المضيق يعني السماح لها بتكرار الاعتداء، واليمنيون يحتاجون إلى إنهاء هذا التهديد، لا التعايش مع دوراته المتلاحقة.

وقد يكون الحوثي أشد قلقا مما يجري خلف جبهاته، حيث يعيش الناس تحت الجبايات والقمع، ولديه أتباع، لكنه يفتقر إلى حاضنة واسعة تقبل التضحية بمستقبل اليمن من أجل بقائه، وحين يطمئن السكان إلى أن رفضهم له لن يتركهم وحدهم أمام انتقامه، قد ينتقلون من الصمت إلى الاعتراض ثم إلى الانتفاض عليه، ولا يمكن تحديد موعد لذلك، لكن احتمال نهايته من الداخل يستحق النظر بقدر تقدمه أو تراجعه في الميدان. وربما يجد الحوثي نفسه أمام رفض شعبي يتسع مع تقدم الجيش، وعندها قد يكتشف أن من أخضعهم طوال سنوات هم الأقرب إلى إنهاء سلطته.

font change