الفاشر... عام على الجريمة

الفاشر... عام على الجريمة

استمع إلى المقال دقيقة

لا يحتاج السودانيون في الذكرى الأولى لمأساة الفاشر إلى من يشرح لهم قسوة الحرب، إنهم يحتاجون إلى موقف يمنع تكرار ما عاشوه، ويمنع مرتكبيه من تحويل السيطرة بالسلاح إلى حق في الحكم، منذ اجتياح ميليشيا "الدعم السريع" المدينة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وثق المحققون الأمميون القتل الجماعي والاعتداءات والاحتجاز، وبعد عام ما زال المدنيون يدفعون الثمن، ولهذا أرى أن إحياء الذكرى يقتضي مراجعة الطريقة التي نتعامل بها مع الأزمة، لأن الاكتفاء بوصفها صراعا بين طرفين على السلطة يسهل معه تجاهل ما يفعله المسلح بالناس بعد أن ينفرد بحكمهم.

واستعادة الخرطوم في مارس/آذار 2025، قبل سقوط الفاشر، كانت تحولا مهماً، وخلال عام المأساة واصل السودانيون العودة إلى أحيائهم، واختبروا حجم ما تركه "الدعم السريع" وراءه، وفي عدد من أحياء العاصمة السودانية، عاين صحافيون أحذية ومتعلقات شخصية قرب مقابر، ونقلوا شهادات عن نقل جثث معتقلين من سجون الميليشيا، وأمام هذه المشاهد لا يجوز اختصار استعادة الأرض في تبدل الرايات، لأن الناس يستعيدون معها فرصة الكلام والبحث عن المفقودين وطلب العدالة، ومع عودة أعداد كبيرة إلى الخرطوم والجزيرة، تصبح حماية العائدين وتأهيل الخدمات مسؤولية لا تقل أهمية عن إخراج المسلحين من منازلهم.

وحين يدعي قادة الميليشيا امتلاك مشروع لحكم السودان، من حقنا أن نحاكمهم على ما فعلوه بالفاشر بعد السيطرة عليها؛ وثقت "العفو الدولية" استمرار الاحتجاز والتعذيب والحرمان من المساعدات، وروت أم احتجزت مع صغارها في مدرسة كيف انتهى بهم الحال إلى سوء التغذية، هنا تحديدا ينبغي أن نناقش مستقبل البلاد، عند المدرسة التي يستخدمها المسلح معتقلا، وعند الأسرة التي يعجز أفرادها عن تأمين الطعام، من يحكم بهذه الوسائل لا يمنح السودانيين بديلا عن الدولة، إنه يضاعف حاجتهم إليها، ويجعل استعادة الأمن والقانون شرطا لأي حديث جاد عن السياسة والحكم.

من يراهن على الهدم ثم البناء من جديد، في بلد أنهكه النزوح والجوع وتعدد الحروب، يطالب السودانيين بمغامرة أخرى وهم لم يستعيدوا بيوتهم بعد

وفي تقديري، ينبغي النظر إلى الانشقاقات المتواصلة داخل "الدعم السريع" باعتبارها تراجعا في الثقة بقيادته، واتساعا في إدراك أن الاستمرار معها يطيل مأساة السودان. منذ خروج مجموعات خلال أغسطس/آب، وصولا إلى إعلان المقدم جدو همة مغادرته الميليشيا قبل أيام، لم يعد قادتها قادرين على افتراض بقاء الولاءات كما كانت، ومن يغادر صفوفهم لينحاز إلى مؤسسات بلاده يستعيد موقعه الطبيعي، ويسهم في تقليص قدرة الميليشيا على مواصلة الحرب، والسودان بحاجة إلى من يراجع موقفه ويلتقي مع بقية أبنائه على حماية دولته، عوضا عن استنزافها في مشروع لا مستقبل له.

ومن هنا يأتي الاعتراض على خطاب بعض القوى السياسية، ومنها "تحالف صمود" حين يقدم قادته أنفسهم بوصفهم غير منحازين، ويعترضون على الحوار الداخلي بدعوى انعقاده تحت سيطرة الجيش؛ من حقهم المطالبة بضمانات الاستقلال والمشاركة، لكن عليهم أن يميزوا بين خلافهم مع القيادة العسكرية وبين حاجة السودان إلى مؤسساته، ولا أرى في حماية هذه المؤسسات إعفاء لأي مسؤول من المحاسبة، كما لا أرى في الدعوة إلى وقف الحرب مبررا لمساواة المؤسسة الوطنية بميليشيا تفرض سلطتها على المدنيين. يستطيع السياسي أن يعارض السلطة، وأن يطالب بإصلاح الجيش، دون أن يتعامل مع بقاء الدولة وكأنه امتياز يمنحه لقادتها.

ومن يراهن على الهدم ثم البناء من جديد، في بلد أنهكه النزوح والجوع وتعدد الحروب، يطالب السودانيين بمغامرة أخرى وهم لم يستعيدوا بيوتهم بعد، ومن يرفض صيغة للحوار مطالب بتقديم بديل قابل للتنفيذ والمشاركة في تصحيح المسار، عوضا عن انتظار ظروف يصعب اجتماعها، وإلا جاز أن نسأله عما يفرق طلب الضمانات عن التهرب من الحوار. بعد عام على الفاشر، يحتاج السودانيون إلى من يعمل على جمعهم حول دولتهم وإصلاح ما اختل فيها، دون أن يجعل بقاءها موضع تفاوض، ومن أراد البناء حقا، عليه أن يبدأ بحماية ما يستطيع السودانيون أن يبنوا عليه، لا باشتراط هدمه أولا.

font change