غيب الموت في 25 سبتمبر/أيلول 2026 عالم الاجتماع السوداني حيدر إبراهيم علي، عن عمر 84 عاما، بعد حياة علمية غنية، وتكوين معرفي صارم، واشتباك سوسيولوجي مع قضايا السودان وأزماته، وبعقل نقدي شخَّص فيه الحلول والأدوار اللازمة لخروج وطنه من تحدياته، كما ظل مشتغلا بنقد الإسلام السياسي، ومدافعا عن الخيار الديمقراطي. ولأنه من قبيلة نصفها كما يقول "عسكري، والنصف الآخر شيوعي"، فقد كان الصراع في الستينات داخل منظومة القبلية أيضا، وليس في الدولة وأحزابها وحسب، وهو صراع امتد اشتباك إبراهيم معه حتى عام 2010 عندما قررت الحكومة السودانية عام 2010 إغلاق مركز الخرطوم للدراسات الذي أسسه بعد عودته من الاغتراب.
في عام 2008 أجرينا حوارا مع الراحل لمجلة "المجلة"، تحدث فيه حياته ومساراته العلمية، رحلة بدأت مع كُتّاب مسقط رأسه في مركز مروي في منطقة شمال السودان، ثم درّس، في مدارس وزارة التربية والتعليم، وانتسب لاحقا، وهو يعمل بالتدريس، بجامعة القاهرة في قسم علم الاجتماع عام 1971 ومن ثم ذهب لألمانيا وتخرج فيها بالدكتوراه عام 1978 من جامعة فرانكفورت، ليعود إلى ليبيا، ويدرِّس بجامعة طرابلس، لكن بعد أقل من عام قرر الخروج معلقا على الخدمة بها "خرجت وأنا منزعج جدا، كانوا يوقظوننا منتصف الليل لمناقشة الكتاب الأخضر للقذافي" الذي صدر عام 1975.
ساقته الأقدار إلى المملكة العربية السعودية عام 1979 ليعمل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وآنذاك كما يقول: "اتُّهمت بالشيوعية، وسُحب جواز سفري في العام الدراسي 1979-1980...". فكان عليه أن يتدبر حلاً لتلك المشكلة، وبعد مساعٍ عديدة جاء الحل من الملك سلمان بن عبد العزيز، أمير الرياض يومها، والذي كان يُفرد لأهل العلم والمعرفة مساحة وافية في مجلسٍ خاص، ومن السودانيين الذين لازموا ذلك المجلس الراحل العالم السوداني المؤرخ عز الدين عمر موسى، الذي كان يرى أن بلاط الأمير أسهم في رفع نصاب الحرية العلمية. لكن ما الذي حدث مع دكتور حيدر وكيف وصل للملك سلمان؟
جاء نصيب الرياض كمحطة علمية من محطات حيدر إبراهيم، بعد الخروج من ليبيا؛ يومها سافر إلى فرانكفورت، وقرأ إعلانا عن وظائف للسعودية، وقدم لها، كان ذلك الحدث في بداية شهر أكتوبر/تشرين أول سنة 1979، قبل معرض الكتاب في فرانكفورت. "الذي حصل هو أنني مشيت للسفارة السعودية ووقعت العقد في ألمانيا، بعدما فشلت بذلك في الخرطوم، بسبب أحد رجال الإخوان، وقالوا لي في فرانكفورت تسافر فورا لأن الجامعة على وشك البدء، وأعطوني التذاكر فورا، وقابلني الملحق الثقافي آنذاك...".
نعود لمسوّدات لقائنا مع حيدر إبراهيم فنجده في الرياض يمشي للجامعة، "عند المسجل، وعميد الكلية يومها الأستاذ الدكتور محمد بن عرفة، وهو رجل دمث وطيب. وقد طلب مني مباشرة العمل فورا، ولما ذهبت أوقع العقد قالوا انتظر قليلا... وأخذوا الجواز لبعض الإجراءات لكن الأمور طالت"، وكان على حيدر إبراهيم أن يجد حلا للانتظار فقرر أن يخاطب العميد: "بقيت تائهاً مدة، وقمت فكتبت لابن عرفة خطاباً مليئا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، حدث ذلك فيما كُنت أدرِّس وليس عندي إقامة، ولا بدل راتب لمدة شهرين...".
ولما عزم على الرحيل وقرر السفر، برز له زميل لعله سوري من عائلة "بوظو" وهو متجنس، وكان الملك سلمان يومها أميراً للرياض، فقال زميله: "تعال نحضر مجلس الأمير، وتقوم بكتابة مشكلتك وتعطيها له. وفعلا ذهبنا وسلّمنا على سمو الأمير، الذي كان حريصا على السؤال عن أحوالنا ويناقشنا في قضايا العلم وبناء التعليم الجيد، وفي الأدب مع الإكثار من التاريخ، وما كان من سموه بعدما شرحت له مشكلي بعد سؤاله عن أحوالي، وقد ميز خطابي النقدي، إلا أن وقع على ورقة وكتب: يُمنح الإقامة فورا...".
تلك قصة من بلاط الأمير يومها، تعيد لنا سردية العلم والسلطة في الرياض التي استقطبت، وما زالت خيرة الكفاءات العربية
بعد ذلك، نصحه صديقه بالذهاب للجوازات و"فعلا خرجت الإقامة مكتوب عليها (حسب الأمر الأميري) يمنح الدكتور... إلخ، وانفرجت الأمور. فالجامعة نادوني وقدموا لي سكنا وأساسَ المرتب وبدل شهرين"، ليبدأ إبراهيم رحلة علمية يصفها بالماتعة والغنية والمليئة بالجدل خاصة أنه كان يدرِّس مادة عن نشوء الحضارات وتطورها. وكان عميد الكلية آنذاك دكتور محمد بن عرفة ودودا معه، ولما اقترب العام الدراسي على النهاية كتب لرئيس الجامعة آنذاك الراحل الدكتور عبد الهادي الجوهري. أما أجواء الجامعة في الرياض، فيصفها بأنها مليئة بالأفكار والجدل، لكنه يُعيد القول: "لولا الأمير سلمان لرحلت بعد شهرين..."، وتلك قصة من بلاط الأمير يومها، تعيد لنا سردية العلم والسلطة في الرياض التي استقطبت، وما زالت خيرة الكفاءات العربية.
في المسألة السودانية ظل حيدر إبراهيم علي يرى أن جوهرها يعود إلى التحديات الاقتصادية والمكون الاجتماعي الذي أسهمت عدة قوى في إثارة الخلاف بين صفوفه، وبأن الأدوار الدولية التي أسهمت بحل الأزمة في دارفور كان ينقصها الكثير من حسن النوايا مستثنيا الدور السعودي في هذا المجال. كما يضيف لتعمق الأزمة السودانية عام 2010 نواحا غاية في الأهمية، ومنها: اللغة والاقتصاد، ونمط الحياة والتنوع، فدارفور فيها مئة قبيلة صغيرة وكبيرة، وهذا سبب الاختلاف، إضافة إلى التنوع الثقافي، والتنوع الاقتصادي وأنماط الإنتاج فيها، وهذا مدخل النزاع، وهو يجد سنده أولا في التفسير الخلدوني حول البدو والحضر، فهناك صراع بين البدو والمستقرين، حيث تتداخل مناطق الرعي والزراعة، لأن التقسيم القبلي التقليدي، مع بداية تشكل دارفور في القرن السابع عشر أعطى المستقرين الحق في امتلاك واستغلال الأراضي، إذ كان هناك نظام الحواكير، فالسلطان يعطي شيخ القبيلة والعلماء والفقهاء قطع أرضٍ يستثمرونها.
وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا الشكل من الملكية إلى نزاع حول الموارد؛ لأن الرعاة غير مستقرين ولم يكن لهم فرصة تملك، وأهالي دارفور قسمان هما "الأبالة والبقارة"، والذين يتحركون موسميا بحسب المطر والجفاف، كما أنهم يتحركون بحريَّةٍ تحدّها المناطق المزروعة، وهنا مكمن الصراع والنزاع، لأنهم قد يدخلون بأراض مزروعة، والنظام التقليدي وضع نوعا من التوازن في المناطق التي توجد فيها زراعة؛ حيث عُمِلَت ممرات للرعاة كي لا يلحقوا أضرارا بالزراعة، وكان الشيوخ يتابعون العمل، مما أنتج نوعا من التكامل في العلاقة. كما أن بعض المزارعين يربون عند الرعاة بعض ماشيتهم وفق النظام التقليدي، الذي عمل على إحداث توازن محدود، احتفظ به الإقليم. ولقد تطورت الأمور لتقود إلى الوضع الراهن الذي انهار فيه هذا النظام التقليدي، ومن ثّمَّ فجَّرَ الإقليم؛ وولدت أزمة أخرى مع حكومة عمر البشير وسياساتها وتعاملها مع "الجنجويد"، وما آلت إليه الأمور بعد ذلك.