ما بعد "7 أكتوبر"... وجوه تغيرت وخريطة تتبدل

من بقي ومن رحل؟

لينا جرادات
لينا جرادات

ما بعد "7 أكتوبر"... وجوه تغيرت وخريطة تتبدل

لم يكن هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بداية حرب في قطاع غزة فحسب. فبعد ثلاث سنوات، تبدو خريطة القيادات والقوى التي كانت في قلب المشهد الإقليمي صباح ذلك اليوم مختلفة جذرياً.

قُتل إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لـ"حماس". وقُتل يحيى السنوار، الذي أصبح بعده رئيساً للحركة، ومحمد الضيف، قائد جناحها العسكري. وقُتل حسن نصرالله، الأمين العام لـ"حزب الله"، ثم هاشم صفي الدين، الذي كان أبرز المرشحين لخلافته.

وسقط نظام الرئيس السوري بشار الأسد وفر إلى روسيا. وبعد أكثر من عام، وصلت الحرب إلى قمة النظام الإيراني نفسه، عندما قُتل "المرشد" علي خامنئي في الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط 2026.

وسط هذه الخريطة المتغيرة، بقي استثناء بارز: عبد الملك الحوثي، زعيم جماعة "أنصار الله" في اليمن. بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر، يجد الحوثي نفسه في خريف 2026 أمام حرب جديدة تهدف إلى انتزاع مناطق سيطرته.

ليس هناك خط سببي واحد يربط مصائر جميع هؤلاء. "المرشد" والرئيس وزعيم التنظيم. إسرائيل قتلت بصورة مباشرة معظم قادة "حماس" و"حزب الله" الواردين في هذه السلسلة. أما الأسد فلم تسقطه إسرائيل، بل أسقط نظامه هجوم عسكري للمعارضة السورية بقيادة "هيئة تحرير الشام" وحلفائها، في لحظة كان فيها حلفاؤه الإيرانيون و"حزب الله" وروسيا أقل قدرة أو استعداداً لإنقاذه.

وفي حالة خامنئي، جاءت النهاية في سياق آخر، هو الحرب الأميركية-الإسرائيلية المباشرة على إيران في 2026. لكن نقطة البداية التي غيّرت مسارات الجميع كانت 7 أكتوبر.

مغنية وسليماني... سابقتان قبل 7 أكتوبر

لم تبدأ عمليات استهداف أبرز مهندسي شبكة إيران الإقليمية بعد 7 أكتوبر. ففي 12 فبراير/شباط 2008، اغتيل عماد مغنية، القائد العسكري والأمني البارز في "حزب الله"، بانفجار عبوة ناسفة في دمشق. وبعد سبع سنوات، كشفت صحيفة "واشنطن بوست"، نقلاً عن مسؤولين استخباراتيين أميركيين سابقين، أن العملية كانت مشتركة بين "وكالة الاستخبارات المركزية" الأميركية (سي آي إيه) وجهاز الموساد الإسرائيلي.

صنعت الوكالة الأميركية العبوة واختبرتها، فيما فجّرها عملاء الموساد عن بُعد من تل أبيب. وكان مغنية من أهم الشخصيات التي بنت القدرات العسكرية والأمنية لـ"حزب الله" وعلاقته العملياتية بإيران.

وبعد نحو 12 عاماً، في 3 يناير/كانون الثاني 2020، قُتل قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الإيراني قاسم سليماني في ضربة أميركية بطائرة مسيرة استهدفت موكبه قرب مطار بغداد الدولي، بأمر مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقُتل معه أبو مهدي المهندس، نائب رئيس "الحشد الشعبي" العراقي ومؤسس "كتائب حزب الله".

وإذا كان مغنية أحد أبرز مهندسي القوة العسكرية لـ"حزب الله"، فإن سليماني كان المهندس الأهم للشبكة الإقليمية التي ربطت إيران بحلفائها والجماعات المسلحة المتحالفة معها في العراق وسوريا ولبنان واليمن والأراضي الفلسطينية.

كان صالح العاروري من أوائل قادة الصف الأول في "حماس" الذين قتلوا خارج الأراضي الفلسطينية بعد 7 أكتوبر

شكّل اغتيالهما ضربتين كبيرتين لهذه المنظومة قبل سنوات من 7 أكتوبر، لكن الشبكة استمرت وعوضت جانباً من خسائرها؛ أما ما حدث بعد 7 أكتوبر فكان أوسع نطاقاً، إذ لم يعد الاستهداف يطاول مهندساً أو قائداً واحداً، بل امتد خلال ثلاث سنوات إلى جزء كبير من الطبقة القيادية التي كانت تدير هذه الشبكة.

كان اغتيال مغنية وسليماني ضربتين استثنائيتين تفصل بينهما اثنتا عشرة سنة. أما بعد 7 أكتوبر، فتحولت الضربات المتباعدة إلى سلسلة متسارعة طالت، خلال فترة قصيرة، معظم الطبقة القيادية التي كانت في قلب المواجهة مع إسرائيل. وكانت البداية من بيروت.

رويترز
نساء يحملن لافتة تحمل صورة نائب رئيس حركة "حماس" صالح العاروري، الذي قُتل في ما تقول مصادر أمنية لبنانية وفلسطينية إنها غارة نفذتها إسرائيل، بيروت، لبنان، في 4 يناير 2024

صالح العاروري... البداية في بيروت

كان صالح العاروري من أوائل قادة الصف الأول في "حماس" الذين قتلوا خارج الأراضي الفلسطينية بعد 7 أكتوبر. في 2 يناير/كانون الثاني 2024، حيث استهدفت ضربة مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت كان يوجد فيه مكتب لـ"حماس"، وقتلت العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي للحركة وأحد مؤسسي جناحها العسكري، مع عدد من أعضاء الحركة.

ونسبت مصادر أمنية لبنانية العملية إلى إسرائيل، وقالت إن الضربة نفذتها طائرة مسيرة. ولم تعلن إسرائيل رسمياً في ذلك الوقت مسؤوليتها.

كانت دلالة المكان كبيرة. للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، وصلت عمليات استهداف القيادة العليا لـ"حماس" إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، المعقل الأمني والسياسي لـ"حزب الله". لكن العملية كانت مقدمة لسلسلة أكبر بكثير.

محمد الضيف... نهاية مطاردة استمرت عقوداً

في 13 يوليو/تموز 2024، شنت إسرائيل غارة جوية كبيرة في منطقة خان يونس جنوب قطاع غزة مستهدفة محمد الضيف، القائد العام لـ"كتائب عز الدين القسام". لم تؤكد إسرائيل مقتله فوراً. وفي الأول من أغسطس/آب، أعلن الجيش الإسرائيلي أن معلومات استخباراتية جمعها بعد العملية أكدت مقتله.

الجيش الإسرائيلي / أ.ف.ب
تظهر صورة غير مؤرخة وزعها الجيش الإسرائيلي لمحمد الضيف، قائد "كتائب عز الدين القسام"، الجناح العسكري لحركة "حماس"، في مكان غير معلن، في 1 أغسطس 2024

كان الضيف واحداً من أهم المطلوبين لإسرائيل طوال عقود، ونجا من محاولات اغتيال إسرائيلية متكررة أصيب في بعضها بجروح خطيرة. ونسبت إليه إسرائيل دوراً مركزياً في التخطيط لهجوم 7 أكتوبر.

وبمقتله، خسرت "حماس" رأس قيادتها العسكرية، لكن الضربة التالية جاءت في مكان أكثر حساسية: العاصمة الإيرانية.

إسماعيل هنية... الاغتيال في قلب طهران

في 31 يوليو/تموز 2024، قُتل إسماعيل هنية في طهران، بعد ساعات من مشاركته في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان. كان رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" يقيم في منشأة ضيافة محمية خلال وجوده في العاصمة الإيرانية. وقُتل معه أحد حراسه.

اتهمت إيران و"حماس" إسرائيل فوراً بتنفيذ العملية، لكن إسرائيل لم تعلن مسؤوليتها في ذلك الوقت. وبعد نحو خمسة أشهر، في ديسمبر/كانون الأول 2024، أقر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس علناً بأن إسرائيل هي التي قتلت هنية.

خلال فترة قصيرة، خسر "حزب الله" أمينه العام، وخليفته المرجح، وعدداً من أبرز قادته العسكريين والأمنيين. وكانت آثار هذه الخسائر ستتجاوز حدود لبنان

أما الطريقة الدقيقة التي نُفذ بها الاغتيال، فلا تزال الروايات بشأنها متعارضة. قال "الحرس الثوري" الإيراني إن هنية قُتل بقذيفة قصيرة المدى تحمل رأساً متفجراً أطلقت من خارج مقر إقامته. في المقابل، أفاد تحقيق لصحيفة "نيويورك تايمز"، استناداً إلى مسؤولين إيرانيين وشرق أوسطيين، بأن عبوة ناسفة زُرعت سراً داخل دار الضيافة قبل أسابيع وفُجرت عن بعد عقب التأكد من وجود هنية في غرفته. لذلك، فإن الثابت هو أن هنية قُتل في طهران يوم 31 يوليو/تموز، وأن إسرائيل أقرت لاحقاً بمسؤوليتها عن اغتياله، فيما تبقى وسيلة التنفيذ الدقيقة موضع روايات متعارضة.

وكانت للعملية دلالة تتجاوز "حماس". فقد تمكنت إسرائيل من قتل أحد أبرز ضيوف "الجمهورية الإسلامية"، أثناء وجوده في العاصمة الإيرانية، وفي منشأة يفترض أنها محمية.

حسن نصرالله.. الضربة الأكبر لـ"حزب الله"

بعد أقل من شهرين، انتقلت الضربة الكبرى إلى بيروت. في مساء 27 سبتمبر/أيلول 2024، شن سلاح الجو الإسرائيلي هجوماً واسعاً على حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت. كان الهدف المقر المركزي لـ"حزب الله" تحت الأرض، وكان حسن نصرالله موجوداً داخله.

أ.ف.ب
سيارة أجرة تسير في أحد شوارع بغداد أمام ملصق لحسن نصر الله، الأمين العام السابق ل "حزب الله" ، العراق، في 7 أكتوبر 2024

في اليوم التالي، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل نصرالله، ثم أكد "حزب الله" مقتل أمينه العام. وقُتل معه عدد من قيادات "الحزب"، بينهم علي كركي، أحد كبار القادة العسكريين، كما قُتل القيادي في "الحرس الثوري" الإيراني عباس نيلفروشان.

لم تأت الضربة من فراغ. كانت إسرائيل قد بدأت قبل ذلك عملية منهجية لضرب الطبقة القيادية والعسكرية في "حزب الله". في 30 يوليو/تموز قتلت فؤاد شكر في غارة على الضاحية الجنوبية. وكان شكر من أهم القادة العسكريين في "الحزب"، ومن المقربين من نصرالله. وفي سبتمبر/أيلول، انفجرت آلاف من أجهزة النداء والاتصالات التي كان يستخدمها عناصر "الحزب"، في عملية نسبت إلى إسرائيل، وأوقعت قتلى وآلاف الجرحى وأصابت منظومة الاتصالات التابعة لـ"الحزب" بضربة أمنية غير مسبوقة. وبعد ذلك بأيام، قتلت إسرائيل إبراهيم عقيل وعدداً من قادة قوة "الرضوان" في غارة على الضاحية الجنوبية.

ثم جاء نصرالله. كانت أهمية مقتله مختلفة عن اغتيال قائد عسكري. فمنذ توليه الأمانة العامة عام 1992، تحول نصرالله إلى الشخصية المركزية في "حزب الله"، وإلى أبرز حليف عربي لإيران وأحد أهم أركان شبكة نفوذها الإقليمية. وخلال أسابيع، فقد "الحزب" الجزء الأكبر من طبقته القيادية التاريخية.

هاشم صفي الدين... قتل الخليفة قبل خلافته

بعد مقتل نصرالله، برز هاشم صفي الدين باعتباره المرشح الأبرز لخلافته. كان صفي الدين رئيس المجلس التنفيذي لـ"حزب الله"، وعضواً في "مجلس الجهاد" ومن الشخصيات الأكثر نفوذاً في التنظيم. لكن إسرائيل استهدفته قبل اكتمال عملية اختيار قيادة جديدة. في أكتوبر/تشرين الأول 2024، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتله في غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت، ثم أكد "حزب الله" مقتله. ولم يكن "الحزب" قد أعلن رسمياً تعيين صفي الدين أميناً عاماً.

وهكذا، خلال فترة قصيرة، خسر "حزب الله" أمينه العام، وخليفته المرجح، وعدداً من أبرز قادته العسكريين والأمنيين. وكانت آثار هذه الخسائر ستتجاوز حدود لبنان.

يحيى السنوار... نهاية لم تبدأ بعملية اغتيال

بعد أقل من ثلاثة أسابيع على مقتل نصرالله، قُتل الرجل الأكثر ارتباطاً بهجوم 7 أكتوبر. في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2024، كانت قوة إسرائيلية تعمل في منطقة تل السلطان في رفح جنوب قطاع غزة عندما رصدت مجموعة صغيرة من المسلحين واشتبكت معها.

أ.ف.ب
امرأة في تظاهرة بطهران تحمل ملصقاً عليه رسم ليحيى السنوار، قائد حركة "حماس" الذي قتله الجيش الإسرائيلي في جنوب غزة، إيران ، في 24 أكتوبر 2024

لم يكن الجنود يعرفون أنهم أمام يحيى السنوار. انفصل أحد المسلحين عن المجموعة ودخل مبنى متضرراً. أطلقت القوات الإسرائيلية النار على المبنى واستخدمت دبابة، ثم أرسلت طائرة مسيرة صغيرة لاستطلاع المكان. أظهر التسجيل الذي نشره الجيش الإسرائيلي لاحقاً رجلاً مصاباً ومغطى بالغبار يجلس داخل المبنى، قبل أن يرمي عصاً باتجاه المسيّرة.

لم تبدأ خسائر إيران بمقتل "مرشدها". فمنذ الأشهر الأولى التي أعقبت 7 أكتوبر، كثفت إسرائيل عملياتها ضد "الحرس الثوري" الإيراني، خصوصاً في سوريا

بعد انتهاء الاشتباك ودخول القوات إلى المكان، أثارت الجثة شكوك الجنود في أنها قد تكون للسنوار. وأكدت إسرائيل هويته لاحقاً من خلال فحوص الأسنان والبصمات والحمض النووي. وهنا تكمن إحدى مفارقات الحرب. فقد أمضت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أكثر من عام تبحث عن السنوار، لكن مقتله لم يكن نتيجة عملية استخباراتية خاصة خُطط لها لاستهدافه في ذلك اليوم. عثر عليه جنود خلال نشاط ميداني ولم يعرفوا هويته إلا بعد الاشتباك.

وبمقتله، كانت "حماس" قد خسرت خلال أشهر قليلة ثلاثة من أهم أركان قيادتها: محمد الضيف عسكرياً، وإسماعيل هنية سياسياً، ثم يحيى السنوار الذي تولى رئاسة المكتب السياسي بعد مقتل هنية.

بشار الأسد... السقوط المختلف

بشار الأسد... الهروب"

لم يُقتل الرئيس السوري بشار الأسد، ولم تنفذ إسرائيل أو الولايات المتحدة عملية عسكرية مباشرة لإطاحته. الذي أنهى حكمه كان هجوماً عسكرياً سورياً بدأ من شمال غربي البلاد في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

قادت "هيئة تحرير الشام"، بزعامة أحمد الشرع، القوة الرئيسة في الهجوم، بمشاركة وتنسيق مع فصائل أخرى. انهارت خطوط الجيش السوري بسرعة غير متوقعة. سقطت حلب، ثم حماة، ثم حمص، فيما تقدمت فصائل أخرى في جنوب البلاد باتجاه دمشق.

في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، دخلت قوات المعارضة العاصمة، وانتهى حكم بشار الأسد بعد 24 عاماً، وحكم عائلته الذي امتد أكثر من نصف قرن. كان الأسد قد غادر دمشق. ووصل إلى روسيا مع أفراد من عائلته، ومنحته موسكو اللجوء.

لكن سقوط الأسد، على الرغم من أنه لم يكن نتيجة مباشرة للحرب الإسرائيلية، لا يمكن فصله تماماً عن التحولات التي بدأت بعد 7 أكتوبر. كان "حزب الله" أحد أهم القوى التي تدخلت منذ 2013 لإنقاذ النظام السوري. وكانت إيران قد أنفقت موارد كبيرة وقدمت مستشارين ومقاتلين ودعماً مالياً وعسكرياً لدمشق. وفي 2015، جاء التدخل العسكري الروسي ليغير ميزان الحرب بصورة حاسمة لمصلحة الأسد.

في أواخر 2024، لم تكن الظروف نفسها قائمة. كان "حزب الله" قد أمضى أكثر من عام في المواجهة مع إسرائيل، ثم تلقى ضربات غير مسبوقة وفقد نصرالله وقسماً كبيراً من قيادته العسكرية.

وكانت إيران تحت ضغط عسكري وأمني متزايد، فيما كانت روسيا منشغلة بالحرب في أوكرانيا. وعندما بدأ هجوم المعارضة، لم يحصل الأسد على مستوى التدخل الخارجي الذي أنقذه في مراحل سابقة. لكن العامل المباشر كان داخلياً أيضاً: جيش سوري منهك، يعاني نقص الموارد والفساد وتراجع المعنويات، انهارت وحداته بسرعة مع تقدم المعارضة.

لذلك، فإن القول إن إسرائيل "أسقطت الأسد" غير دقيق. المعارضة السورية هي التي أسقطت النظام عسكرياً. أما إضعاف "حزب الله" وتراجع قدرة إيران وانشغال روسيا فكانت عوامل استراتيجية ساعدت في توفير اللحظة التي أصبح فيها سقوطه ممكناً.

من دمشق إلى طهران

لم تبدأ خسائر إيران بمقتل "مرشدها". فمنذ الأشهر الأولى التي أعقبت 7 أكتوبر، كثفت إسرائيل عملياتها ضد "الحرس الثوري" الإيراني، خصوصاً في سوريا. في الأول من أبريل/نيسان 2024، استهدفت غارة إسرائيلية مبنى ملحقاً بالمجمع الدبلوماسي الإيراني في دمشق. وقُتل في الهجوم عدد من ضباط "الحرس الثوري"، في مقدمهم العميد محمد رضا زاهدي، أحد أبرز قادة "فيلق القدس". كان زاهدي شخصية أساسية في إدارة النشاط الإيراني في سوريا ولبنان والتنسيق مع "حزب الله".

إذا كان هناك قائد كبير في شبكة القوى المتحالفة مع إيران سار بعد 7 أكتوبر في اتجاه مختلف لمسار الآخرين، فهو عبد الملك الحوثي

وردت إيران في 13 أبريل/نيسان بهجوم مباشر غير مسبوق على إسرائيل، مستخدمة مئات المسيّرات والصواريخ. وبدأ منذ تلك اللحظة تحول تدريجي من الحرب بين إسرائيل وحلفاء إيران إلى مواجهة إسرائيلية-إيرانية مباشرة. تصاعدت المواجهة خلال العامين التاليين، وصولاً إلى الحرب المباشرة على الأراضي الإيرانية.

علي خامنئي... الحرب تصل إلى "المرشد"

في 28 فبراير/شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً واسعاً على إيران. استهدفت الموجات الأولى منشآت وقواعد وقيادات إيرانية، وكان "المرشد" علي خامنئي أحد أهم الأهداف.

قُتل خامنئي بعدما استُهدف مجمعه في طهران. وأكدت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية وفاته، فيما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة وإسرائيل تعاونتا في تعقب "المرشد" الإيراني وتحديد موقعه. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن مجمع خامنئي دُمّر. وقُتل في الهجمات أيضاً عدد من كبار المسؤولين والقادة العسكريين الإيرانيين.

أ.ف.ب
مارة يسيرون أمام جدارية للمرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي في طهران، إيران، في 31 أغسطس 2026

كان علي خامنئي قد تولى منصب "المرشد الأعلى" عام 1989، وكان صاحب السلطة العليا في "الجمهورية الإسلامية" والقائد الأعلى للقوات المسلحة وصاحب الكلمة النهائية في الملفات الاستراتيجية، من البرنامج النووي إلى السياسة الإقليمية.

لذلك اختلف مقتله نوعياً عن اغتيال هنية أو نصرالله أو قادة "الحرس الثوري". فالمواجهة التي بدأت بعد 7 أكتوبر بضرب قيادات حركات متحالفة مع إيران وصلت بعد أقل من عامين ونصف العام إلى قمة النظام الإيراني نفسه. كما اختلفت الجهة المنفذة. اغتيالات هنية ونصرالله والسنوار نفذتها إسرائيل. أما خامنئي فقُتل في سياق عملية عسكرية شاركت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل بصورة مباشرة.

ولم يؤد مقتله إلى انهيار "الجمهورية الإسلامية". انتقلت السلطة وفق الآليات الإيرانية، ثم اختير مجتبى خامنئي "مرشداً" جديداً، فيما برز "الحرس الثوري" لاعباً أكثر أهمية في إدارة النظام والحرب.

عبد الملك الحوثي... ماذا بعد؟

إذا كان هناك قائد كبير في شبكة القوى المتحالفة مع إيران سار بعد 7 أكتوبر في اتجاه مختلف لمسار الآخرين، فهو عبد الملك الحوثي.

لم يُقتل زعيم "أنصار الله"، ولم يُزح من قيادة الجماعة، ولم يفقد مناطق سيطرته الرئيسة. وعلى العكس، تحولت جماعته بعد اندلاع حرب غزة من طرف في حرب يمنية طويلة إلى لاعب في مواجهة إقليمية ودولية تمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وإسرائيل. ويعود الفضل إلى  تصعيد إيران لدعمها للحوثي بعد خسارتها وكلاءها في الإقليم، إلى حين ساد اعتقاد بأن الحوثي هو "حزب الله" الجديد في الأجندة الإيرانية في المنطقة.

تكفي مقارنة خريطة المنطقة صباح 7 أكتوبر 2023 بخريطتها في أكتوبر 2026 لفهم حجم التحول

دخل الحوثيون المواجهة في خريف 2023، فأطلقوا صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل وبدأوا استهداف السفن في البحر الأحمر، قائلين إن عملياتهم تأتي دعماً للفلسطينيين في غزة.

ردت الولايات المتحدة وبريطانيا بسلسلة من الضربات على مواقع الحوثيين في اليمن. كما نفذت إسرائيل غارات استهدفت موانئ ومنشآت ومواقع يمنية.

ومع ذلك، بقي عبد الملك الحوثي بعيداً عن متناول خصومه. ونادراً ما يظهر الحوثي شخصياً أمام الجمهور، ويقدم معظم خطاباته عبر الشاشة من مكان غير معلن، في إطار إجراءات أمنية صارمة. وأصبحت هذه السرية المشابهة لأسلوب نصرالله، أكثر أهمية بعد نجاح إسرائيل في الوصول إلى قيادات "حماس" و"حزب الله".

في ديسمبر/كانون الأول 2024، وبعد مقتل هنية والسنوار ونصرالله، وجه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تهديداً صريحاً إلى قادة الحوثيين، قائلاً إن إسرائيل ستتعامل معهم كما تعاملت مع قادة "حماس" و"حزب الله". لكن التهديد لم يتحقق في حالة عبد الملك الحوثي.

وبحلول 2026، كان وضع الحوثيين قد تطور في الاتجاه المعاكس. ففي سبتمبر/أيلول شنوا هجوماً واسعاً على ساحل البحر الأحمر، وسيطروا على باب المندب ونحو 150 كيلومتراً من الساحل خلال أسابيع، ما منحهم قدرة أكبر على التأثير في أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم.

وبعد مقتل قيادات "حماس" و"حزب الله" وسقوط الأسد ومقتل خامنئي، أصبح عبد الملك الحوثي أبرز القادة العرب الباقين في الشبكة الإقليمية لوكلاء إيران، بل بات يشكل تهديدا على التجارة العالمية ويشن اعتداءات تمس المدنيين في السعودية واليمن. وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بدء حملة عسكرية واسعة لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعد التصعيد الحوثي والهجمات التي طالت السعودية وباب المندب وممرات الطاقة وخطوط الإمداد.

وبذلك تحول اليمن إلى واحدة من أكثر الجبهات نشاطاً في المرحلة الجديدة من الصراع. وفي اليوم الأول بعد إعلان العليمي عملية "فجر اليمن" حققت قوات الشرعية اليمنية انجازات عسكرية بالسيطرة على المخا وباب المندب ومناطق أخرى.

ثلاث سنوات... وشرق أوسط مختلف

تكفي مقارنة خريطة المنطقة صباح 7 أكتوبر 2023 بخريطتها في أكتوبر 2026 لفهم حجم التحول. كان إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لـ"حماس"، ويحيى السنوار زعيمها في غزة، ومحمد الضيف قائد جناحها العسكري. وكان حسن نصرالله يقود "حزب الله" منذ أكثر من ثلاثة عقود، محاطاً بطبقة من القادة العسكريين الذين أمضوا سنوات في بناء قدرات "الحزب".

ربما تكون الحصيلة الأدق لما حدث منذ 7 أكتوبر ليست نهاية شبكة إقليمية كاملة، وإنما نهاية جزء كبير من الجيل الذي كان يقودها وخسارة كبيرة لـ"محور إيران"

وكان بشار الأسد في دمشق، بعدما تجاوز أخطر مراحل الحرب السورية وبدأ استعادة علاقاته مع عدد من الدول العربية. وكان علي خامنئي في طهران، على رأس نظام بنى خلال عقود شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة تمتد من العراق وسوريا ولبنان إلى غزة واليمن. وكان عبد الملك الحوثي يقود جماعة تسيطر على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال اليمن، لكنها كانت لا تزال تُقرأ دولياً في المقام الأول من خلال الحرب اليمنية.

أ.ف.ب
أحد أفراد القوات الأمنية العراقية يقف قرب لافتة تضم صور قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وهاشم صفي الدين وحسن نصر الله ويحيى السنوار، خارج مرقد الإمام موسى الكاظم في بغداد، العراق، 26 يناير 2025

بعد ثلاثة أعوام، تغيرت الصورة. قُتل محمد الضيف وإسماعيل هنية ويحيى السنوار وحسن نصرالله وهاشم صفي الدين. وسقط بشار الأسد وفر إلى روسيا. وقُتل علي خامنئي في طهران. وبقي عبد الملك الحوثي. "حماس" خسرت قادتها. و"حزب الله" تلقى أكبر ضربة قيادية في تاريخه. وسقط النظام السوري الذي شكل لعقود الحلقة الجغرافية الرئيسة بين إيران ولبنان.

وتعرضت إيران نفسها لضربات وصلت إلى رأس النظام، لكنها احتفظت بالمؤسسات و"الحرس الثوري"، وانتقلت إلى قيادة جديدة. وفي اليمن صعّد الحوثيون اعتداءاتهم وعملياتهم قبل أن تبدأ الحملة العسكرية الجديدة ضدهم.

لذلك، ربما تكون الحصيلة الأدق لما حدث منذ 7 أكتوبر ليست نهاية شبكة إقليمية كاملة، وإنما نهاية جزء كبير من الجيل الذي كان يقودها وانتكاسات كبيرة لـ"محور إيران". لكن الحرب التي أزاحت أو قتلت الآخرين لم تنته بعد.

font change

مقالات ذات صلة