نوبل 2026... الضوء والجسيمات الشبحية وكيمياء الحياة تحصد جوائز هذا العام

الجوائز تواصل تكريم أبحاث ذات أثر كبير على البشرية، من المختبر إلى الدماغ والكون والعلوم

المجلة
المجلة

نوبل 2026... الضوء والجسيمات الشبحية وكيمياء الحياة تحصد جوائز هذا العام

من بروتين صغير يساعد طحلبا مجهريا للاستجابة للضوء، إلى كاشف عملاق مدفون في جليد القطب الجنوبي لمطاردة جسيمات قادمة من أعماق الكون، وصولا إلى لغز يتعلق بالطريقة التي تختار بها الطبيعة إحدى صورتين مرآتيتين للجزيء، رسمت جوائز نوبل العلمية لعام 2026 صورة واسعة لحدود العلم الحديث.

وذهبت جائزة نوبل في الطب إلى كارل ديسيروث وبيتر هيغمان وجورج ناجل عن الاكتشافات التي قادت إلى علم البصريات الوراثي، بينما حصل فرنسيس هالزن على جائزة الفيزياء عن إسهاماته في مرصد "آيس كيوب" وفاز هنري كاجان وكينسو سواي بجائزة الكيمياء عن أبحاثهما في الكيمياء غير المتماثلة.

وستقام مراسم تسليم الجوائز في العاشر من ديسمبر/كانون الأول من كل عام، وهو اليوم الذي يوافق ذكرى وفاة ألفريد نوبل، صاحب الوصية التي انطلقت منها الجوائز قبل أكثر من قرن.

من طحلب صغير إلى التحكم في خلايا المخ

بدأت قصة جائزة الطب من سؤال لم يكن مرتبطا في البداية بالمخ أو الأمراض العصبية، بل بطحلب مجهري وحيد الخلية. فقد حاول العالم الألماني بيتر هيغمان معرفة الكيفية التي يستطيع بها طحلب "كلاميدوموناس" استشعار الضوء والتحرك بسرعة في اتجاهه.

لاحظ هيغمان أن الطحلب يستجيب للضوء بسرعة شديدة، إذ يظهر تغير كهربائي داخل الخلية بعد أجزاء ضئيلة للغاية من الثانية. وأثار ذلك احتمال وجود بروتين يؤدي وظيفتين في الوقت نفسه، استشعار الضوء وفتح قناة تسمح بمرور الأيونات عبر غشاء الخلية.

وبالتعاون مع جورج ناجل تمكن الباحثان من دراسة بروتينات أطلق عليها اسم "الرودوبسينات القنوية"، وتبين أن هذه البروتينات تعمل كقنوات أيونية تفتح مباشرة عند تعرضها للضوء، فتسمح بمرور أيونات مشحونة عبر غشاء الخلية وتنتج إشارة كهربائية سريعة.

ساعدت التقنية في دراسة دوائر عصبية ترتبط بالخوف والذاكرة والألم والجوع والعطش والمكافأة والانتباه والنوم والسلوك الاجتماعي

الأهم أن هذه الخاصية لم تكن مقتصرة على الطحلب نفسه، فعندما أدخل الباحثون الجين المسؤول عن البروتين إلى أنواع أخرى من الخلايا، أصبحت هذه الخلايا هي الأخرى قادرة على الاستجابة للضوء، وهي الملاحظة التي فتحت الباب أمام تطبيق أوسع بكثير.

في تلك المرحلة دخل كارل ديسيروث إلى القصة. كان الطبيب والعالم الأميركي يبحث عن طريقة تسمح للعلماء بالتحكم في أنواع محددة من الخلايا العصبية داخل المخ، بدلا من مراقبة نشاط مناطق واسعة ومحاولة تخمين الوظيفة التي تؤديها كل مجموعة من الخلايا.

أدخل ديسيروث وزملاؤه بروتين "تشانلرودوبسين" إلى خلايا عصبية للثدييات، ثم سلطوا عليها ضوءا أزرق. واستجابت الخلايا بسرعة كبيرة وولدت إشارات كهربائية عصبية، وهو ما أثبت أن الضوء يمكن استخدامه كأداة لتشغيل خلايا عصبية محددة.

نشرت النتائج الأساس عام 2005، ثم تطورت التقنية خلال السنوات التالية لتستخدم داخل أدمغة حيوانات حية. ومن هنا ظهر ما يعرف باسم "علم البصريات الوراثي" الذي يجمع بين التعديل الجيني واستخدام الضوء للتحكم في النشاط الكهربائي للخلايا العصبية.

تعتمد التقنية على إدخال جين يجعل مجموعة محددة من الخلايا العصبية تنتج بروتينا حساسا للضوء. وعند توجيه نبضات ضوئية إليها، يمكن تشغيل هذه الخلايا أو إيقافها في توقيت شديد الدقة، بحسب طبيعة البروتين المستخدم وطريقة تصميم التجربة.

وقد غير ذلك الطريقة التي يدرس بها العلماء الدماغ. ففي السابق كان الباحث يستطيع رصد نشاط خلايا أثناء الخوف أو الجوع أو النوم، لكنه لا يستطيع بسهولة إثبات أن هذه الخلايا هي التي تسببت بالفعل في السلوك الذي ظهر أمامه.

رويترز
كارل دايسروث، أحد الفائزين بجائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء لعام 2026

أما مع البصريات الوراثية، فأصبح ممكنا تشغيل مجموعة معينة من الخلايا ومراقبة ما إذا كان السلوك سيظهر، أو تعطيلها لمعرفة ما إذا كان سيختفي. وهكذا انتقل الباحثون من مجرد تسجيل النشاط العصبي إلى اختبار علاقات السبب والنتيجة داخل المخ.

وساعدت التقنية في دراسة دوائر عصبية ترتبط بالخوف والذاكرة والألم والجوع والعطش والمكافأة والانتباه والنوم والسلوك الاجتماعي. كما سمحت للباحثين باختبار الوظائف الدقيقة لمجموعات صغيرة من الخلايا داخل شبكات عصبية كانت تبدو في السابق شديدة التعقيد.

رسل شبحية قادمة من أعماق الكون

إذا كانت جائزة الطب استخدمت الضوء للوصول إلى داخل المخ، فإن جائزة الفيزياء لعام 2026 ذهبت إلى طريقة مختلفة لرؤية الكون، تعتمد على جسيمات تكاد تمر عبر كل شيء من دون أن تترك أثرا، وهي الجسيمات المعروفة باسم النيوترينوات.

ومنحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم الجائزة إلى الفيزيائي فرنسيس هالزن، تقديرا لإسهاماته الحاسمة في مرصد "آيس كيوب" للنيوترينو، وللدور الذي لعبه في اكتشاف نيوترينوات عالية الطاقة قادمة من مصادر فيزيائية فلكية بعيدة في الكون.

والنيوترينوات جسيمات لا تحمل شحنة كهربائية وتتفاعل مع المادة بدرجة ضعيفة للغاية، ولهذا تمر أعداد هائلة منها عبر أجسام البشر والأرض نفسها باستمرار من دون أن نصطدم بها أو نشعر بوجودها، وهو ما جعل رصدها مهمة شديدة الصعوبة.

تكمن أهمية الإنجاز في أنه أعطى علماء الفلك طريقة جديدة تماما لمراقبة الكون. فبعد الاعتماد على الضوء المرئي، ثم موجات الراديو والأشعة تحت الحمراء والسينية وأشعة غاما، أصبحت النيوترينوات أداة أخرى تكشف جانبا مختلفا من الأحداث الكونية

وتمر نيوترينوات كثيرة قادمة من الشمس عبر الإنسان كل ثانية، لكن الجسيمات التي استهدفتها أبحاث هالزن تختلف عنها في أنها تحمل طاقات أعلى بكثير، ويعتقد العلماء أن بعضها ينتج في أكثر البيئات عنفا في الكون، مثل المجرات النشطة ومناطق التسارع الكوني.

وواجه العلماء مشكلة أساسية، فإذا كان النيوترينو يتفاعل مع المادة بدرجة نادرة للغاية، فكيف يمكن بناء جهاز يستطيع اكتشافه؟ وجاء الحل من القطب الجنوبي، حيث يمكن استخدام كميات هائلة من الجليد الصافي باعتبارها جزءا من الكاشف نفسه.

نشأ من هذه الفكرة مرصد "آيس كيوب" الذي يستخدم آلاف المستشعرات الضوئية المدفونة في أعماق جليد القطب الجنوبي، موزعة داخل حجم هائل يبلغ نحو كيلومتر مكعب. ويتيح هذا الحجم فرصة لرصد التفاعلات النادرة جدا التي تحدث عندما يصطدم نيوترينو بالمادة.

عندما يتفاعل أحد هذه الجسيمات داخل الجليد، تنتج جسيمات مشحونة تتحرك بسرعة كبيرة وتولد ومضة ضوئية مميزة. وتلتقط المستشعرات هذه الإشارة، ثم يستخدم العلماء توقيت وصول الضوء واتجاهه لتقدير المسار الذي جاء منه النيوترينو.

وتمنح هذه الخاصية النيوترينوات أهمية استثنائية كرسل من الكون، فالجسيمات المشحونة مثل البروتونات تنحرف مساراتها بسبب المجالات المغناطيسية، بينما يمكن أن تتفاعل أشعة غاما مع المادة والإشعاع خلال رحلتها الطويلة عبر الفضاء.

أما النيوترينو فلا يحمل شحنة، ولذلك يحتفظ بدرجة أكبر بالمعلومات عن الاتجاه الذي جاء منه. كما يستطيع عبور مناطق كثيفة من المادة والإشعاع، وهو ما يسمح له بنقل معلومات عن أحداث ومناطق قد يصعب دراستها باستخدام الضوء وحده.

وأثبت "آيس كيوب" وجود نيوترينوات عالية الطاقة ذات أصل فلكي، ما ساعد في تأسيس ما يعرف باسم "علم فلك النيوترينو"، ويعتمد هذا المجال على استخدام هذه الجسيمات باعتبارها وسيلة إضافية لدراسة الكون إلى جانب مختلف أشكال الإشعاع.

وفي عام 2017، رصد المرصد نيوترينو عالي الطاقة قادما من اتجاه نواة مجرية نشطة كانت تطلق أيضا أشعة غاما. وشكل ذلك خطوة مهمة في محاولة ربط هذه الجسيمات النادرة بمصادر محددة في السماء وفهم العمليات التي تنتجها.

رويترز
إيفا أولسون وإلين مونز ومارك بيرس أثناء إعلانهم فوز فرنسيس هالزن بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026

وتكمن أهمية الإنجاز في أنه أعطى علماء الفلك طريقة جديدة تماما لمراقبة الكون. فبعد الاعتماد على الضوء المرئي، ثم موجات الراديو والأشعة تحت الحمراء والسينية وأشعة غاما، أصبحت النيوترينوات أداة أخرى تكشف جانبا مختلفا من الأحداث الكونية.

لماذا تختار الحياة صورة واحدة للجزيء؟

أما جائزة الكيمياء لعام 2026 فتدور حول سؤال أصغر بكثير في الحجم، لكنه لا يقل عمقا، فلماذا توجد كثير من جزيئات الحياة في صورة واحدة محددة، رغم أن الكيمياء تسمح غالبا بتكوين صورة مرآتية أخرى لها؟

ومنحت الأكاديمية الجائزة إلى العالم الفرنسي هنري كاجان والعالم الياباني كينسو سواي عن أبحاثهما المتعلقة بالتأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في الاصطناع العضوي غير المتماثل، وهي أعمال ساعدت في تفسير كيفية تضخيم فروق صغيرة للغاية بين الصور الجزيئية المختلفة.

وتبدأ القصة من خاصية تسمى "الكايرالية" أو اليدوية الجزيئية، فقد يمتلك جزيئان الذرات نفسها، وبالأعداد نفسها، وبالروابط الكيميائية نفسها، لكن ترتيب الذرات في الفراغ يجعل أحدهما صورة مرآتية للآخر، ولا يمكن جعلهما متطابقين بمجرد تدويرهما.

ويطلق العلماء على هاتين الصورتين اسم "المتماكبين المرآتيين"، ورغم أن تركيب الجزيئين متشابه للغاية، فإن اختلاف الشكل الثلاثي الأبعاد يمكن أن يؤثر في الطريقة التي يتفاعل بها كل منهما مع البروتينات والإنزيمات والمستقبلات الموجودة داخل الكائنات الحية.

ولهذا قد ترتبط إحدى الصورتين بهدف حيوي بكفاءة كبيرة، بينما تكون استجابة الصورة الأخرى أضعف أو مختلفة. ويجعل ذلك التحكم في الصورة التي ينتجها التفاعل الكيميائي أمرا مهما، خاصة عند تصنيع الأدوية والمواد الكيميائية الدقيقة والمركبات ذات الوظائف المحددة.

النظام الكيميائي يمكنه أن يبدأ من حالة تكاد تكون متوازنة، ثم يؤدي اختلاف عشوائي شديد الصغر إلى تحديد الاتجاه النهائي

لكن كثيرا من التفاعلات تنتج الصورتين بنسب متقاربة إذا لم يوجد عامل يدفع التفاعل في اتجاه إحداهما. ولذلك طور الكيميائيون مجال "الاصطناع غير المتماثل" الذي يهدف إلى توجيه التفاعل كي ينتج صورة جزيئية واحدة بنسبة أكبر من الأخرى.

رويترز
حصل كارل ديسيروث وبيتر هيغمان وجورج ناجل على جائزة نوبل في الفيزيولوجيا أو الطب لعام 2026

وكان الاعتقاد لفترة طويلة أن مقدار الانحياز في المنتج النهائي يتناسب مباشرة مع مقدار الانحياز الموجود في المحفز. فإذا كان المحفز أكثر ميلا إلى صورة معينة بدرجة محددة، توقع العلماء أن يكون المنتج منحازا إليها بنسبة مشابهة.

غير أن هنري كاجان اكتشف أن بعض التفاعلات لا تتبع هذه العلاقة البسيطة. فقد لاحظ أن الانحياز في المنتج يمكن أن يصبح أكبر كثيرا من الانحياز الموجود في المحفز نفسه، وهي الظاهرة التي أطلق عليها اسم "التأثير غير الخطي".

وأظهرت أبحاث كاجان أن السبب قد يعود إلى الطريقة التي تتجمع بها جزيئات المحفز أثناء التفاعل. فهذه الجزيئات لا تعمل دائما منفردة، بل قد تتكون منها تجمعات تختلف في نشاطها، ما يؤدي إلى زيادة إنتاج إحدى الصورتين مقارنة بالأخرى.

وأصبحت هذه التأثيرات أداة مهمة لفهم آليات التفاعلات الكيميائية، فمن خلال مقارنة نقاء المحفز بنقاء المنتج يستطيع الباحثون استنتاج معلومات عن شكل التجمعات الموجودة داخل التفاعل وعن طبيعة الأنواع الكيميائية التي تعمل فعليا كمحفزات.

لكن بقي سؤال أكثر صعوبة، فهل يمكن لفارق صغير للغاية بين الصورتين أن يبدأ في التفاعل ثم يتضخم تلقائيا حتى تصبح إحدى الصورتين مسيطرة بصورة شبه كاملة؟ وهنا جاء الجزء الثاني من القصة مع أبحاث كينسو سواي.

درس سواي ما يسمى "التحفيز الذاتي" وهي عملية لا يكون فيها الناتج مجرد نهاية للتفاعل، بل يستطيع أن يعمل بدوره كمحفز يساعد في إنتاج المزيد من الجزيئات المشابهة له، وبذلك يصبح المنتج نفسه جزءا من استمرار العملية الكيميائية.

وفي تسعينيات القرن الماضي طور سواي تفاعلات أصبح فيها المنتج الكايرالي قادرا على تحفيز إنتاج المزيد من صورته. ومع استمرار التفاعل، لم تزد كمية المنتج فقط، بل ازداد أيضا تفوق إحدى الصورتين على الأخرى.

وأظهرت التجارب أن فرقا صغيرا للغاية في البداية يمكن أن يتضخم خلال دورات متتالية إلى درجة تصل فيها إحدى الصورتين إلى نقاء يتجاوز 99 في المئة. وهكذا يتحول انحياز بالكاد يمكن قياسه إلى سيطرة شبه كاملة لصورة واحدة.

والأكثر إثارة أن بعض التجارب لم تبدأ بانحياز واضح أصلا، بل ظهر فرق صغير جدا بصورة عشوائية، ثم قام التفاعل بتضخيمه. وفي سلسلة من التجارب، سيطرت إحدى الصورتين أحيانا بينما سيطرت الصورة المقابلة في تجارب أخرى.

وهذا يعني أن النظام الكيميائي يمكنه أن يبدأ من حالة تكاد تكون متوازنة، ثم يؤدي اختلاف عشوائي شديد الصغر إلى تحديد الاتجاه النهائي. وبعد ذلك يتكفل التحفيز الذاتي تضخيم ذلك الاختلاف إلى أن تصبح إحدى الصورتين هي الغالبة.

ولهذا ترتبط أبحاث سواي بسؤال قديم حول أصل "التجانس الكايرالي" في الحياة، فكثير من الأحماض الأمينية والسكريات التي تعتمد عليها الكائنات الحية توجد في اتجاه كايرالي محدد بدرجة كبيرة، ولا يزال العلماء يبحثون عن أصل هذا الاختيار.

يمكن تلخيص المشهد العلمي لنوبل هذا العام في ثلاث صور: ضوء صغير يتحكم في خلية عصبية، وومضة داخل جليد القطب الجنوبي تكشف جسيما قادما من أعماق الفضاء، وفارق جزيئي متناهي الصغر يتضخم حتى تصبح إحدى الصور هي المسيطرة

ولا تعني الجائزة أن تفاعل سواي يفسر مباشرة ما حدث على الأرض عند نشأة الحياة. فالكيمياء المبكرة كانت أكثر تعقيدا، لكن التجارب أثبتت مبدأ مهما: يمكن لفارق ضئيل وعشوائي أن يتضخم كيميائيا حتى يفرض اتجاها واحدا على النظام.

وتتجاوز أهمية هذه الأبحاث دراسة أصل الحياة، إذ يساعد التحكم في الكايرالية في تحسين إنتاج الأدوية والمواد الكيميائية والعطور والمنكهات والمواد المتقدمة. ففي كثير من هذه المنتجات قد يكون المطلوب تصنيع صورة جزيئية واحدة بأعلى درجة ممكنة من النقاء.

خيط واحد

ورغم أن جوائز الطب والفيزياء والكيمياء تبدو بعيدة عن بعضها، فإن بينها خيطا مشتركا. ففي الحالات الثلاث، لم يكتف العلماء بوصف الظاهرة، بل طوروا وسيلة جديدة تسمح بالكشف عما كان خفيا أو التحكم فيه بدرجة لم تكن ممكنة من قبل.

في الطب، أصبح الضوء أداة لتشغيل مجموعات محددة من الخلايا العصبية واختبار دورها في السلوك. وفي الفيزياء، أصبحت النيوترينوات رسلا يمكن استخدامها لمعرفة ما يجري في أماكن بعيدة من الكون لا تكشف أسرارها بسهولة باستخدام الضوء.

وفي الكيمياء، تحول السؤال من مجرد معرفة وجود صورتين مرآتيتين للجزيء إلى فهم الطريقة التي يمكن بها لفارق صغير بينهما أن يتضخم، وكيف يمكن لنظام كيميائي أن ينتقل من شبه توازن إلى سيطرة اتجاه واحد.

وتكشف الجوائز الثلاث أيضا عن طبيعة الاكتشاف العلمي نفسه. فأبحاث الطحالب لم تبدأ بهدف تطوير تقنية للتحكم في الدماغ، ومشروع "آيس كيوب" احتاج سنوات قبل أن يثبت قدرته على رصد النيوترينوات الكونية، كما تطورت أبحاث الكايرالية على مدى عقود.

ومنذ أن وقع ألفريد نوبل وصيته عام 1895، تقوم فلسفة الجوائز على تكريم الأعمال التي تحقق فائدة كبيرة للبشرية. وفي 2026، جاءت الجوائز العلمية لتظهر كيف يمكن لسؤال أساس في المختبر أن يفتح في النهاية نافذة جديدة على الدماغ أو الكون أو كيمياء الحياة.

وهكذا يمكن تلخيص المشهد العلمي لنوبل هذا العام في ثلاث صور: ضوء صغير يتحكم في خلية عصبية، وومضة داخل جليد القطب الجنوبي تكشف جسيما قادما من أعماق الفضاء، وفارق جزيئي متناهي الصغر يتضخم حتى تصبح إحدى الصور هي المسيطرة.

font change