إعلان نوبل الآداب... لماذا كف العالم عن اكتشاف كاتب عربي كبير؟

خلل يبدأ من الداخل ويمتد إلى الخارج

Lina_Jaradat
Lina_Jaradat

إعلان نوبل الآداب... لماذا كف العالم عن اكتشاف كاتب عربي كبير؟

عاد نجيب محفوظ من عمله في صحيفة "الأهرام" ظهر الخميس الواقع فيه 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1988 قبل وصول البرقية، فتناول غداءه وأخذ قيلولته جريا على عادته إلى أن أيقظته زوجته لتخبره أنه فاز بجائزة نوبل للآداب. للحظة ظن صاحب "أولاد حارتنا" أنها تمزح، وبقي على شكه حين رن الهاتف من الجريدة، إلى أن طرق السفير السويدي الباب بنفسه، عندئذ استأذن الرجل كي يبدل ثياب النوم ويستقبل ضيفه حسبما يليق.

يومها قال سكرتير الأكاديمية السويدية ستوره ألين إن هذا الاختيار "دليل على أننا لم نهمل هذه الثقافة"، فبدت الجائزة التفاتة إلى ثقافة كاملة من خلال رجل واحد. رأى محفوظ أن الترجمة الفرنسية لثلاثيته هي التي حملته إلى ستوكهولم، أي أن الرواية فازت بالفرنسية قبل أن يسمع العالم صوتها العربي. مرت على هذه الظهيرة ثمانية وثلاثون عاما بقي محفوظ خلالها العربي الوحيد بين 122 فائزا بنوبل للآداب، كذلك فازت رواية عربية واحدة بجائزة "البوكر" الدولية منذ أن باتت جائزة سنوية عام 2016، وجاءت قائمتها الطويلة هذا العام خالية من أي كتاب عربي، أيضا ذهبت الجائزة الوطنية الأميركية للأدب المترجم منذ تأسيسها عام 2018 إلى اللغة اليابانية مرتين وإلى الإسبانية مرتين، ثم إلى المجرية والفرنسية والبرتغالية والصينية مرة واحدة لكل لغة، بينما دخلت قوائمها كتب عربية كثيرة وخرجت منها.

تحمل كلمة "اكتشاف" شيئا من لغة الرحالة القدامى وتوحي بأرض تنتظر من يراها حتى توجد، والحال أن محفوظ عاش في ملايين البيوت العربية قبل أن تنتبه إليه ستوكهولم. للمسألة جذر قديم، فقد روى الحلبي حنا دياب في باريس عام 1709 حكايتي "علاء الدين" و"علي بابا" للمستشرق أنطوان غالان فدخلتا الترجمة الفرنسية لـ"ألف ليلة وليلة" وسقط اسم راويهما من الكتاب. منذ ذلك الحين والأدب العرب يصل إلى العالم، فيما يبقى صاحبه في الغالب خارج الغرفة التي توزع فيها الجوائز.

طاولة اللجنة

تفتح لجنة نوبل باب الترشيح كل خريف أمام أعضاء الأكاديميات وأساتذة الأدب واللغات والفائزين السابقين ورؤساء اتحادات الكتاب، قبل أن تختصر مئات الأسماء إلى خمسة في شهر مايو/ أيار ويمضي أعضاء الأكاديمية الصيف بكامله في قراءة أعمال هؤلاء الخمسة قبل التصويت في أكتوبر من قبل أعضاء الأكاديمية الثمانية عشر في نهاية الأمر. وبين الترشيح والتصويت تحسم القراءة كل شيء، وهي تجري بلغات يعرفها الأعضاء أو بترجمات تصل إليهم، أي أن الكاتب يدخل المنافسة بالصورة التي رسمها له مترجموه، وهنا يكمن الفرق بين الكاتب العربي الذي يدخل ذاك الصيف الحاسم بكتاب أو كتابين في غالب الأحيان، وبين غيره الذين يدخل الواحد منهم ومعه نحو عشرة كتب مترجمة إلى ثلاث لغات أوروبية وربما أكثر. حتى محفوظ نفسه، ورغم منجزه الهائل في سنة تتويجه، فقد دخل ذاك الصيف بتسعة كتب مترجمة إلى الانكليزية وبثلاثيته الفرنسية.

عام 2021 صدرت روايتان مترجمتان عن اللغة العربية مقابل 54 رواية عن الفرنسية و508 عن الإنكليزية، وذلك رغم كون العربية هي اللغة الثانية الأكثر انتشارا في السويد

لعل المثال الصيني يوضح قيمة القارئ الجالس داخل الغرفة هذه، وهو ما يعيدنا إلى عالم الصينيات السويدي غوران مالمكفيست الذي دخل الأكاديمية عام 1985 وبقي فيها حتى وفاته عام 2019، وكان قد سبق له أن ترجم أعمال غاو كسينغجيان إلى السويدية قبل أن يفوز بنوبل عام 2000، كذلك ترجم مو يان الذي فاز عام 2012، بذلك نالت الصينية جائزتين خلال 12 عاما. لا يمكن إغفال أن دوره بعد فوز مو يان قد أثار جدلا في الأوساط الثقافية كونه مترجمه وناشره بالسويدية، غير أن الأكاديمية ردت بأن إبعاده عن النقاش كان ليبدو أمرا عبثيا، وفي هذا الرد اعتراف ضمني بقيمة من يقرأ الأصل. يبدو أن اللغة العربية افتقدت قارئا مماثلا بين أعضاء الأكاديمية، مما جعل الأعمال المكتوبة بها تصل إليهم عبر لغات وسيطة.

 Kirill KUDRYAVTSEV / AFP
عارض يحمل النسخة الألمانية من رواية "تفصيل ثانوي" للكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي خلال معرض فرانكفورت للكتاب، 19 أكتوبر 2023

لعل أرقام الترجمة إلى السويدية تكشف حجم هذه المسافة، ففي تقرير إحصائي للتلفزيون السويدي الرسمي (SVT) عن الروايات المترجمة إلى اللغة في النصف الأول لعام 2021، صدرت روايتان مترجمتان عن اللغة العربية مقابل 54 رواية عن الفرنسية و508 عن الإنكليزية، وذلك رغم كون العربية هي اللغة الثانية الأكثر انتشارا في السويد، بل إن إحدى هاتين الروايتين هي "سيدات القمر" لجوخة الحارثي التي عرفها قراء تلك البلاد بعد عامين من فوزها بالبوكر. هذا الشح في الاشتغال على الرواية العربية أرجعه الناشر السويدي يوهانس هولمكفيست مدير دار Tranan (وهي الدار نفسها التي أصدرت "سيدات القمر" بالسويدية) إلى "قلة اهتمام دور النشر"، والنتيجة أن القارئ السويدي وعضو أكاديمية نوبل معا لا يعرفان من الرواية العربية المعاصرة سوى بضعة عناوين في السنة.

مركزية أوروبية

هذا الميل يعرفه أهل الأكاديمية تمام المعرفة، وهو ما أكده السكرتير الدائم لها هوراس إنغدال عام 2008 حين قال إن أوروبا ما زالت مركز العالم الأدبي، وفي العام التالي اعترف خلفه بيتر إنغلوند بأن الأعضاء يميلون إلى "التفاعل بسهولة أكبر مع الأدب المكتوب في أوروبا وداخل التقليد الأوروبي"، وهو ما يعني أن الكتاب القادم من خارج هذا التقليد يحتاج إلى جهد مضاعف حتى يرى. هذا المركز ناقشته الناقدة الفرنسية باسكال كازانوفا في كتابها "الجمهورية العالمية للآداب" وأطلقت عليه تسمية "خط غرينيتش الأدبي"، وقصدت به النقطة التي بها يقيس العالم قيمة الأدب وحداثته، ولجان الجوائز الكبرى جالسة فوق هذا الخط تماما، فتقرأ ما يصلها بلغاتها وتحكم بمعاييرها.

أما بوكر الدولية فشروطها أوضح، فهي تقبل الرواية أو القصة المترجمتين إلى الإنكليزية حين تصدران عن دار نشر في بريطانيا أو إيرلندا، ويحق لكل دار التقدم للجائزة بثلاثة كتب فقط، وهو ما يحدد مصير الكاتب العربي قبل وصوله إلى لجنة التحكيم بسنوات داخل مكتب محرر بريطاني يختار بين عشرات العناوين. بعد ذلك تقرأ لجنة التحكيم الترجمة الإنكليزية وحدها دون النص الأصلي، بذلك تصير جودة الكاتب من جودة مترجمه، ويصبح المترجم الماهر نصف الطريق إلى الجائزة التي تعترف بأن المترجم شريك في النص فتقسم الجائزة البالغ قيمتها 50 ألف جنيه استرليني بين المترجم والكاتب.

أعضاء نوبل يميلون إلى "التفاعل بسهولة أكبر مع الأدب المكتوب في أوروبا وداخل التقليد الأوروبي"، وهو ما يعني أن الكتاب القادم من خارج هذا التقليد يحتاج إلى جهد مضاعف حتى يرى

ثمة حكاية طريفة للرواية العربية الوحيدة الفائزة بهذه الجائزة، "سيدات القمر"، مفادها أن الرواية صدرت بنسختها العربية عام 2010 ولم تعرف انتشارا كبيرا في لغتها الأم كما ينبغي، وأقصى ما بلغته الرواية هي نيلها جائزة أفضل رواية عمانية عام 2010 ووصولها إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد-فرع المؤلف الشاب عام 2011. بل إن وصول الرواية إلى الإنكليزية حدث على نحو غير تقليدي حين أرسلت جوخة الحارثي روايتها إلى أستاذتها في جامعة إدنبره الأكاديمية مارلين بوث التي عملت على ترجمة الرواية بتمويل من الجمعية الأنكلو-عمانية في لندن. ومع ذلك فقد كان من الصعب على المترجمة إيجاد ناشر يتبنى نشر هذه الرواية، بحيث أعرض عنها كبار الناشرين البريطانيين لعدم معرفتهم الكافية بالأدب العماني، إلى أن تبنتها دار اسكتلندية صغيرة راهنت على ترجمة بوث لها وهي Sandstone Press. والأكثر طرافة أن الكاتبة نفسها لم تلتق بناشرها الاسكتلندي هذا إلا في حفل توزيع الجائزة عام 2019.

Isabel INFANTES / AFP
الكاتبة العمانية جوخة الحارثي (يسارا) والمترجمة مارلين بوث بعد فوزهما بجائزة مان بوكر الدولية عن رواية "سيدات القمر" في لندن، 21 مايو 2019

تكشف هذه الحكاية أن الفوز العربي الوحيد جاء من خارج الآلة كلها، فقد غاب عنه الوكيل الأدبي والناشر الكبير والمؤسسة العربية وحملته علاقة شخصية بين كاتبة وأستاذتها ودار صغيرة قررت المغامرة. المصادفة التي تصنع فوزا واحدا يصعب أن تصنع طريقا، ولهذا جاءت القائمة الطويلة لسنة 2026 خالية من أي كتاب عربي.

مأزق الشعر

ما ينطبق على الرواية العربية ينطبق على الشعر العربي الحديث (أو الشعر بشكل عام) بصورة أكثر هامشية على نحو ظاهر، فالجوائز الأدبية المرموقة على غرار بوكر الدولية أو جائزة كافكا الدولية تستبعد الشعر بحكم شروطها، ومن بين 26 فائزا بنوبل منذ عام 2000 ذهبت الجائزة إلى شاعرين فقط هما السويدي توماس ترانسترومر عام 2011 والأميركية لويز غليك عام 2020 (إلى جانب بوب ديلان الذي نالها عن أغانيه عام 2016). الشعر أصعب الفنون الأدبية على الترجمة وأقلها مبيعا، والناشر الذي يتردد أمام رواية عربية يتردد أكثر أمام ديوان شعري، فيصيب هذا الحظ الضعيف العرب في فنهم الأول وينعكس على حضورهم في الجوائز المتخصصة بالشعر الذي يعد محدودا حتى الآن: نالت مختارات الفلسطيني غسان زقطان بترجمة فادي جودة جائزة غريفين الكندية للشعر عام 2013، ونال أدونيس ومحمود درويش جائزة الإكليل الذهبي لأمسيات ستروغا عامي 1997 و2007 تباعا (العربيان الوحيدان من بين 60 متوجا بالجائزة منذ 1966). صحيح أن أدونيس نفسه نال أكثر من جائزة مرموقة في الشعر عالميا مثل جائزة غوته عام 2011 وجائزة بن/نابوكوف عام 2017، وعلى الرغم من تردد اسمه في توقعات نوبل كل عام، لكن يمضي موسم نوبل ولا يكون التتويج من نصيبه، كأن هذه الجوائز تقول إنها تكرم الاسم مع إبقاء الشعر بعيدا عن القارئ العالمي، وبالتالي عن أعضاء الأكاديمية أنفسهم.

اهتمام الناشرين الغربيين بالأدب العربي يرتفع مع الأحداث السياسية وينخفض معها، والدليل على ذلك هو ارتفاع هذا الطلب مع الربيع العربي ثم مع حرب غزة

المفارقة أن الكتب العربية المترجمة تكاثرت خلال هذه السنوات، وقد أحصت منظمة "أدب عبر الحدود" 310 عناوين نقلت من العربية إلى الإنكليزية في بريطانيا وإيرلندا بين عامي 1990 و2010، ثم 596 كتابا في العقد التالي وحده، وتصدر نجيب محفوظ قائمة هذا العقد بست عشرة ترجمة رغم أنه رحل قبل بدايته بأربع سنوات. كثير من هذه الترجمات تصدر عن دور نشر جامعية منها سلسلة "أدب الشرق الأوسط مترجما" (Middle East Literature in Translation) التي تصدرها مطبعة جامعة سيراكيوز الأميركية، مما يوصلها إلى الباحث قبل القارئ العام وتبقى بعيدة عن الناشرين الكبار الذين عبرهم تمر الترشيحات. ازداد عدد الكتب، لكن الغرفة بقيت على حالها.

 AFP
الروائي المصري نجيب محفوظ يبتسم في مقهاه المفضل بالقاهرة يوم إعلان فوزه بجائزة نوبل للآداب، 14 أكتوبر 1988

الصورة التي يصل بها

في صورة محددة سلفا يصل الكتاب العربي إلى طاولة اللجنة في جائزة ما، وقد لاحظت الوكيلة الأدبية اللبنانية ياسمينة جريصاتي أن اهتمام الناشرين الغربيين بالأدب العربي يرتفع مع الأحداث السياسية وينخفض معها، والدليل على ذلك هو ارتفاع هذا الطلب مع الربيع العربي ثم مع الحرب الأهلية ومن بعدها مع حرب غزة، وشهد الأدب السوري طلبا كبيرا بين عامي 2011 و2018 قبل أن يتراجع بشكل مفاجئ، الى درجة دفعتها إلى القول إن ما يبدو منصة قد يتحول إلى سوق ضيق. هذا الإيقاع تسارع بعد أحداث 11 سبتمبر، وهو ما رصده الباحث بلال صياحين في أطروحة دكتوراه ناقشها في جامعة ولاية كنت الأميركية عام 2016 بعنوان "تلقي الأعمال العربية المترجمة إلى الإنكليزية والمنشورة في الولايات المتحدة قبل 11 سبتمبر وبعده"، فقد وجد أن تلك الأحداث غيرت اختيار الكتب العربية التي تصدر مترجمة في أميركا، وأن عوامل من خارج الأدب صارت تحدد الكتاب والموضوعات. انتهت الحرب الباردة قبل ذلك بعقد وأخذ الشرق الأوسط في المخيلة العربية مكان الخصم القديم، وبات الكتاب العربي مطلوبا كي يشرح هذا الخصم.

هذه الصورة يبدأ رسمها من الغلاف، وهنا نذكر مثل مذكرات الرائدة النسوية المصرية هدى شعراوي التي صدرت بالإنكليزية بعنوان "سنوات الحريم" (Harem Years)، كذلك حملت غلف روايات عربية كثيرة صور نساء محجبات غريبة عن مضمونها، وهذا ما أوصل الكتاب إلى القارئ العالمي والغلاف يحدد له ما يبحث عنه. حاولت المؤسسات العربية الرسمية تقديم صورة مغايرة حين حل العالم العربي ضيف شرف على معرض فرانكفورت عام 2004 إلا أن النتيجة جاءت عكسية. تولت جامعة الدول العربية تنظيم المشاركة واصطحبت إلى المعرض نحو 200 كتاب فاتهمها منتقدون باختيار الكتاب المرضي عنهم رسميا فيما نفت الجامعة هذه التهمة، ووصفها الروائي السوري المقيم في ألمانيا رفيق شامي بأنها "نادي ديكتاتوريين" يتجاهل قمع الكتاب في بلدانه. خرج الكاتب العربي من ثوب الحريم ليدخل ثوب الوفد الرسمي، وحضر في الحالتين ممثلا لغيره، مرة لمجتمعه ومرة لحكومته.

تظهر صورة الممثل هذه بوضوح في قوائم الجوائز لأن الكاتب العربي ينتظر منه أن يتحدث باسم بلد أو شعب أو حرب، وهذا ما تراه قوائم الجائزة الوطنية الأميركية للأدب المترجم التي دخلتها كتب عربية عدة، من بينها "مربي النحل" لدنيا ميخائيل عن إنقاذ نساء مختطفات في العراق، ورواية خالد خليفة "الموت عمل شاق" عن الحرب السورية، وروايتي سمر يزبك "المشاءة" و"مقام الريح" عن سوريا، والكتاب السيري لناصر أبو سرور "حكاية جدار" التي كتبها داخل سجون الاحتلال الاسرائيلي. تستحق هذه الكتب القراءة وغالبيتها شهادات مؤلمة عن حروب وسجون، بيد أن اجتماعها يكشف ما تنتظره الجوائز من الكاتب العربي، وهو رواية ما جرى هناك. حتى فوز جوخة الحارثي بالبوكر الدولية جاء في بيان لجنة التحكيم مقرونا بعبارة تصف الرواية بأنها نظرة "إلى مجتمع يمر بمرحلة تحول"، فقدم العمل الأدبي نافذة على بلدها.

منطق الشهادة

يساعدنا الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين في فهم أثر هذه الصورة حين ميز في مقالته "الراوي" (The Storyteller) بين المعلومة التي تعيش لحظة جدتها قبل أن تنطفئ لاحقا، وبين الحكاية التي تحتفظ بقوتها وتعود إلى الحياة بعد زمن طويل، فخبر الصباح يفقد قيمته في المساء، وحكاية الجدة تعود إلى حفيدها بعد ثلاثين عاما بمعنى جديد.


يدخل بعض الكتاب من أصل عربي هذه الجوائز من باب آخر حين يكتبون بلغة المركز نفسها، وأول من فتح هذا الباب هو الطاهر بن جلون حين نال جائزة غونكور الفرنسية

تتعاطف لجان التحكيم مع الشهادة وتكرس الحكاية والأسلوب، فقد كوفئ المجري لاسلو كراسناهوركاي على جمله الطويلة التي تمتد صفحات، وكوفئت هان كانغ على لغة تجعل الجسد مسرحا للعنف والرفض. والأدب العربي يملك أساليبه القادرة على الوصول إلى هذا التكريس، بدءا من سخرية إميل حبيبي في "المتشائل" التي تجمع التشاؤم والتفاؤل في كلمة واحدة، إلى لغة سليم بركات التي تقاوم الترجمة وتغريها في آن واحد. إلا أن هذه الكتب وصلت إلى الإنكليزية وغالبا ما قرئت على أنها وثائق عن فلسطين والأكراد. يقرأ الكاتب العربي على ساعة المعلومة فيشيخ كتابه مع الخبر الذي جاء به ويغيب بغيابه حين تلتفت الأنظار الى سواه.

أحيانا تعامل الرواية العربية المشغولة بالشكل معاملة الشهادة أيضا، ومثل على ذلك رواية "تفصيل ثانوي" للفلسطينية عدنية شبلي التي تروي حادثة اغتصاب فتاة بدوية وقتلها على يد جنود إسرائيليين في النقب عام 1949، ثم تتبع امرأة فلسطينية تبحث بعد عقود عن تفاصيل الحادثة لأنها وقعت في يوم ميلادها، فتقوم الرواية كلها على هذا التفصيل الصغير الذي يتردد بين زمنين. وصلت الرواية إلى القائمة الطويلة لجائزة بوكر الدولية عام 2021، ومنحتها جمعية ليتبروم الألمانية جائزتها عام 2023 على أن تتسلم الكاتبة جائزتها في حفل يقام على هامش معرض فرانكفورت للكتاب من العام نفسه، وهو ما لم يحدث وقتها لأن الجمعية في 13 أكتوبر/تشرين الاول من العام نفسه (أي بعد أيام قليلة من أحداث 7 أكتوبر وفي الذكرى الـ35 لنوبل محفوظ) أعلنت من طرف واحد تأجيل الحفل إلى موعد مفتوح (وهو ما لاقى احتجاجا كبيرا من قبل عدد كبير من الأدباء والناشرين والمثقفين منهم عبد الرزاق قرنح وآني إرنو وأولغا توكارتشوك). نستنتج من هذه الحادثة أن رواية مشغولة بالذاكرة والتفاصيل الصغيرة قد تكون عبئا سياسيا على المنصة التي تكرمها، مما يغيب الفن الذي تستحق عليه الجائزة في ظل اشتداد الحدث.

 JOHN MACDOUGALL / AFP
زائر يمر أمام نسخ من مخطوطات عربية قديمة في جناح مكتبة الإسكندرية خلال معرض فرانكفورت للكتاب، 6 أكتوبر 2004

يدخل بعض الكتاب من أصل عربي هذه الجوائز من باب آخر حين يكتبون بلغة المركز نفسها، وأول من فتح هذا الباب هو الطاهر بن جلون حين نال جائزة غونكور الفرنسية عام 1987 (على خطى النيجيري وولي سوينكا الذي نال نوبل قبله بعام وهو يكتب بالإنكليزية)، ثم نالها أمين معلوف عام 1993 فليلى سليماني عام 2016 وكمال داود عام 2024 في حين نال هشام مطر جائزة بوليتزر الأميركية عام 2017. تجاوز هؤلاء حاجز الترجمة، لكن الكتب المتوجة في السنوات الأخيرة تكشف أن دور الشاهد ظل في انتظار بعضهم: تعود "حوريات" داود إلى الحرب الأهلية في الجزائر، ويبحث مطر في "العودة" عن أبيه الذي اختفى في سجون القذافي، أما سليماني فخرجت من هذا الدور حين كتبت "أغنية هادئة" عن مربية تقتل طفلين في شقة باريسية، أي عن المجتمع الفرنسي من داخله. تفتح اللغة الباب إذن، ويبقى الدور المنتظر من الكاتب القادم من هذه الجهة أصعب الحواجز.

من يدفع به

يحتاج الكتاب إلى من يحمله إلى طاولة اللجنة، وهي حاجة يشرحها الفيلسوف الألماني آكسل هونيث في كتابه "الصراع من أجل الاعتراف"، حين يتحدث عن ثلاثة أشكال من الاعتراف يحتاجها كل إنسان، وهي "الحب" و"الحق" و"التقدير" الذي يمنحه المجتمع. هذه الأشكال الثلاثة نعرفها في حياتنا، فالطفل يحتاج إلى الحب، والمواطن إلى قانون يحمي حقه، وصاحب المهنة إلى من يقدر عمله، والكاتب إنسان ويمر بالمراحل الثلاث نفسها قبل أن يصل إلى ستوكهولم ويتعثر إن غابت إحداها.

وراء كل فائز كبير يقف قارئ أحبه أولا، ومثل على ذلك إيمان الوكيلة الأدبية كارمن بالسيلز بغابرييل غارسيا ماركيز منذ عام 1962، كذلك ترجمة غريغوري راباسا لروايته "مئة عام من العزلة" إلى الإنكليزية التي بيع منها 50 مليون نسخة قبل أن ينال صاحبها نوبل عام 1982. بالحماسة نفسها ترجم إدوارد سايدنستيكر رواية ياسوناري كاواباتا "بلاد الثلوج" عام 1956، وكانت من الأعمال التي مهدت الطريق للمؤلف إلى نوبل 1968. كما تعلمت البريطانية ديبورا سميث اللغة الكورية لتترجم "النباتية" لهان كانغ، وأيضا موّل معهد الأدب الكوري ترجمات أعمال كانغ قبل أن يطلبها أي ناشر، ثم خصص بعد فوزها بنوبل نحو مليار وون كوري لنقل أعمالها إلى ثمان وعشرين لغة...

رفض ناشر كبير في نيويورك اقتراح إدوارد سعيد بترجمة أعمال عربية بحجة أن العربية "لغة مثيرة للجدال"

 هؤلاء المحبون صنعوا ظواهر حتى خارج نوبل، فقد نظم الناشر الياباني لهاروكي موراكامي حملة تقديمه في نيويورك عام 1989 ثم نشرت له مجلة "نيويوركر" أكثر من ثلاثين قصة على مدار ثلاثين عاما، وراهنت محررة دار  New Directions الصغيرة باربرا إبلر على التشيلياني روبرتو بولانيو فصار بعد رحيله أحد أشهر روائيي العالم.

تعرف الثقافة العربية هذا الحب جيدا وغالبا ما توجهه إلى الخارج، وخير شاهد على ذلك هو الفلسطيني صالح علماني الذي ترجم نحو 100 كتاب عن الإسبانية بدأها بماركيز عام 1979، إلى أن صار القراء العرب يشترون الكتاب لأن اسمه على الغلاف. أما كتابهم فيكتشفونهم غالبا حين يعود إليهم الاسم مكرسا من الخارج، وقد عرف محمود درويش الوجه الآخر لحب الداخل حين قال عبارته الشهيرة "أنقذونا من هذا الحب القاسي" لجمهور أحبه رمزا لقضية قبل أن يقرأه شاعرا. حتى الحب الآتي من الخارج إلى الأدب العربي يبقى جهدا فرديا، إذ يعمل همفري ديفيز ومارلين بوث وجوناثان رايت وغيرهم من مترجميه إلى الانكليزية على نحو فردي ويطرقون أبواب الناشرين بجهدهم الشخصي، في حين تدير كوريا الجنوبية منذ عام 2008 أكاديمية تخرج نحو 30 مترجما سنويا أكثرهم أجانب.

يحتاج هذا الحب إلى حق يحميه، والحق حلقة ضعيفة في الحالة العربية مذ روى إدوارد سعيد أن ناشرا كبيرا في نيويورك رفض اقتراحه بترجمة أعمال عربية بحجة أن العربية "لغة مثيرة للجدال"، كذلك وجدت ياسمينة جريصاتي وجها آخر للمشكلة في الداخل حين أسست وكالتها "رايا" عام 2004 في منطقة تكاد تخلو من الوكلاء الأدبيين، فاكتشفت أن ناشرين عربا كثيرين يطبعون كتبا يملك حقوقها غيرهم، وأن كتابا معروفين يوقعون عقودا يجهلون تفاصيلها. لعل تجربة ماركيز كفيلة بكشف قيمة هذه الحلقة، ففي بداياته وقع عقدا سيئا باع فيه حقوق 4 كتب بألف دولار، لكن وكيلته كانت تحرسه فحولت العقد الخاسر إلى بداية مسيرة انتهت في ستوكهولم، بينما يصل الكتاب العربي إلى الناشر الأجنبي وحيدا يفتقد وكيلا يفاوض عنه أو يرسم له طريقا.

أرشيف الخسائر

يكشف أرشيف نوبل أن الحق في الترشيح نفسه استعمل على نحو متفرق، وهنا يحضرنا طه حسين الذي رشح للجائزة 14 مرة على الأقل منذ عام 1949، ورشح شوقي ضيف توفيق الحكيم عام 1969، وميخائيل نعيمة عامي 1970 و1971، وفي العامين نفسيهما رشحت الجامعة اللبنانية ونادي القلم اللبناني شخصيتين اشتهرتا بكتابات في حوار الأديان وتاريخ الشرق الأدنى أكثر من الأدب. تسمح قواعد الجائزة لكل أستاذ أدب أو لغات في جامعة عربية، ولكل رئيس اتحاد للكتاب في بلد عربي، ولأعضاء المجامع الأدبية واللغوية المماثلة للأكاديمية السويدية، بإرسال ترشيح إلى ستوكهولم لأن أبواب الترشيح مفتوحة أمام مئات العرب كل عام وتبقى الترشيحات سرية لمدة خمسين عاما، وبالتالي فإن ما جرى في ما بعد تلك السنوات لا يزال محفوظا في أدراج ستوكهولم.

 MENA / AFP
المفكر الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد يلقي كلمة أمام طلاب وموظفي الجامعة الأميركية في القاهرة، 17 مارس 2003

هذا الاعتراف يكتمل بالتقدير الذي تمنحه الصحافة والنقاد والجوائز، والمنطقة العربية تستثمر في الجوائز أكثر من سواها، على غرار الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر العربية) التي تمنح خمسين ألف دولار وتتكفل بترجمة الرواية الفائزة إلى الإنكليزية، ونالها في أبريل/ نيسان الماضي الجزائري سعيد خطيبي عن روايته "أغالب مجرى النهر". ساعدت هذه الجائزة وأخواتها في الخليج والمشرق والمغرب عشرات الروايات في الوصول إلى لغات أخرى إلا أنها تكافئ كتابا اكتمل، في حين يمول المعهد الكوري ترجمة الكتاب قبل أن يطلبه الناشر ويجني الثمار بعد سنوات (بلغت مبيعات الأدب الكوري في الخارج عام 2025 رقما قياسيا قدره مليون ومائتا ألف نسخة).

قدم تشينوا أتشيبي درسا في بناء هذه المراحل من الداخل منذ أن صار عام 1962 مستشارا لسلسلة "الكتاب الأفارقة" التي أطلقتها دار Heinemann البريطانية بروايته "الأشياء تتداعى"، وظل يرعاها حتى عنوانها المائة عام 1972 وبيعت كتبها بسعر زهيد قارب خمسة وعشرين بنسا للنسخة، فوصلت إلى المدارس الأفريقية قبل نقاد لندن وبدأ الحب من البيت ثم عبر البحر.


صار الكاتب العربي هو من ينشد بلغته في الداخل، وصارت لجان الجوائز تقف في الساحة تسمع الإيقاع ويفوتها المعنى

يعلن اسم الفائز بنوبل للآداب يوم الخميس 8 أكتوبر/تشرين الأول، وهو خميس آخر بعد ثمانية وثلاثين عاما من خميس محفوظ، وستحسم اللجنة اختيارها حول كتب وصلت إليها في الغالب بلغات أوروبية، وربما يكون كاتب عربي في القاهرة أو بيروت أو مسقط منشغلا ساعة الإعلان بجملة يكتبها، أو غافيا في قيلولته بعيدا عن ستوكهولم. في رواية "الحرافيش" يسمع أهل الحارة أناشيد التكية من خلف بوابة مغلقة بلغة أجنبية فيطربون لإيقاعها ويفوتهم معناها، وتنتظر الأجيال أن تنفتح البوابة. تبدلت الأدوار اليوم فصار الكاتب العربي هو من ينشد بلغته في الداخل، وصارت لجان الجوائز تقف في الساحة تسمع الإيقاع ويفوتها المعنى.

font change