وصلني من أحد أحفاد المؤرخ عبدالله الخزرجي مخطوط من الحوليات لمنطقة الخليج العربي وسواحلها وما حولها، بعنوان "إتحاف البشر ببعض حوادث القرن الرابع عشر". يبدأ المخطوط غير المحقق من أول محرم عام 1301هـ، الموافق نوفمبر/تشرين الثاني 1883. وهو سجل تاريخي يوثق الأحداث والوقائع والوفيات سنة بعد سنة، ويرصد تفاصيل واسعة من حياة منطقة الخليج وتحولاتها.
مؤلف الحوليات هو الشيخ عبدالله الخزرجي، كان قاضيا في مناطق رؤوس الجبال، مكث الأغلب من سنوات القضاء في منطقة كمزار الواقعة في شمال عمان، وهي اليوم ضمن محافظة مسندم، وهو مواليد ثمانينات القرن التاسع عشر، وتوفي في أربعينات القرن العشرين، وترك المخطوط بخط جميل وواضح لدى ابنه، ومن ثم وصل إلى حفيده الدكتور محمد، وهو باحث اليوم في التراث والتاريخ وعلوم الشريعة في دولة الإمارات.
تغطي الحوليات مساحة واسعة من الخليج، من خصب وكمزار ورؤوس الجبال ورأس الخيمة، إلى الشارقة والفجيرة ودبي وأبوظبي، وصولا إلى قطر والبحرين والبصرة، إضافة إلى مسقط، والضفة الأخرى من الخليج، من جزيرة جسم المعروفة بالطويلة، وجزيرة هنيام، ولنجة والأحواز. بالإضافة إلى مكة والمدينة ونجد وإسطنبول، كما تظهر فيها أسماء القبائل والبحارة والأمراء والعلماء والقضاة، ومعها الأخبار الاجتماعية وتفاصيل الحياة اليومية، والأحداث الخارجية التي أثرت في المنطقة، وما يتصل بالحروب، خاصة العالمية الأولى والثانية، وتعيين الحكام والقضاة، والحرائق، والمعارك وأسبابها.
وتزداد قيمة الحوليات بما تسجله من الأزمات التي مرت بها المنطقة، مثل سنوات الجراد والجفاف والأوبئة، والأمطار والفيضانات والزلازل، وكمية الوفيات والأضرار، وأسلوب التصرف في تلك الأزمنة، إلى جانب التحولات الاقتصادية، والمعاهدات، وتولي الحكام، وشبكة العلاقات بين الحكام والعلماء والإنكليز.
ذاكرة حية للخليج دون تجميل، وأسماء وشخصيات وعائلات، هم اليوم أجداد وجدات. كما يكشف المخطوط، بتسلسله الزمني، كيف كانت تدار شؤون المدن والمناطق، وكيف تشكلت العلاقات بين مختلف أطراف الخليج، مما يجعل القارئ يربط حاضره بماضيه، ويتعرف على ما مر وما يمر به بشكل متصل، وتختفي الفراغات الزمنية باستفهاماتها الماضية، وهذا ما لم تمنحه لنا كتب الإنكليز التاريخية الموثقة في الأرشيف البريطاني عن الخليج، لتبقى حوليات المؤرخ عبدالله الخزرجي أكثر دقة وشمولا.
تزداد قيمة الحوليات بما تسجله من الأزمات التي مرت بها المنطقة، مثل سنوات الجراد والجفاف والأوبئة، والأمطار والفيضانات والزلازل
وتشكل بعض التفاصيل مفاجأة حقيقية. هي تفاصيل صغيرة لكنها تجمع التاريخ الكبير بالحياة اليومية. الحرب إلى جانب التجارة، والحاكم إلى جانب القاضي، واللؤلؤة إلى جانب الجفاف والوباء، والحدث السياسي إلى جانب تفاصيل الناس ومعاشهم... ومع القراءة، يتبين أن "إتحاف البشر" يمثل نموذجا حيا للحوليات التي تحفظ ذاكرة المنطقة، وأسماء الأسلاف وتفاصيل غائبة عنهم، كما تجمع مجتمع الخليج بضفتيه في سجل واحد. فالجغرافيا التي يرصدها المخطوط تتجاوز الحدود السياسية التي استقرت لاحقا، وتقدم صورة عن الخليج بوصفه فضاء مترابطا بالحركة والتجارة والعلم والعلاقات الاجتماعية.
هو تاريخ حي، بلا فلترة، بتفاصيله وأسماء أهله وأحداثه. وكلما تقدمنا في القراءة ازدادت دهشتنا من حجم المادة التي حفظها الخزرجي، الذي يمكن وصفه اليوم بصفات مثل إعلامي ومحلل وكاتب بجانب كونه قاضيا. إذ استطاع أن يضيء فترة من تاريخ الخليج تمتد من ثمانينات القرن التاسع عشر إلى أربعينات القرن العشرين. ولعل السؤال: أين كان المخطوط خلال السنوات الماضية؟ ولماذا لم يحقق، على غرار حوليات يوسف محمد الشريف في دولة الامارات المتوفي 1917، والذي أضاف إليها محمد بن سعيد بن غباش المتوفي 1969.
هو بطبيعة الحال كان لدى العائلة من أحفاد المؤرخ، وسبب امتناعهم من تحقيقه، أن الحوليات بطبيعتها، تبقى شديدة الحساسية، ويمكن تفهم موقفهم بسبب تحفظ البعض على ما ورد عن عائلاتهم قديما. الأحداث المذكورة لا تحمل بالضرورة إساءة في سياقها، لكنها قد تقرأ اليوم من زاوية مختلفة. فالزمن تغير، والعائلات تغيرت مواقعها، وبعض الأسماء التي تظهر في أحداث قديمة أصبحت مرتبطة بأسر لها حضور اجتماعي ومكانة معروفة في الحاضر.
الجغرافيا التي يرصدها المخطوط تتجاوز الحدود السياسية التي استقرت لاحقا، وتقدم صورة عن الخليج بوصفه فضاء مترابطا بالحركة والتجارة والعلم والعلاقات الاجتماعية
لكن بالمقابل الأمر إيجابي في أغلبه، فقد يقرأ أحدهم اسم جده في مخطوط ليرى أمامه وثيقة تاريخية. وقد يقرأه آخر بوصفه مساسا، وقد يجد باحث في الواقعة مادة لفهم مرحلة تاريخية. يبقى "اتحاف البشر" اليوم وبعد مرور أكثر من 85 عاما على إنهائه، بين مصيرين متناقضين: أن يبقى حبيس التوجس، أو أن يخرج إلى الناس بطريقة تنهي الحساسيات، وتحول التاريخ إلى مادة، فالتاريخ يحتاج إلى مسافة، والوثيقة تحتاج إلى باحث يحقق، ومؤرخ يقارن، وقارئ يعرف الفرق بين الوثيقة والشهادة، وبين الرواية والحقيقة النهائية. وتحتاج كذلك إلى مؤسسة تستطيع حفظها وإتاحتها، وإلى مجتمع يملك قدرا من النضج يسمح له بالنظر إلى ماضيه بعقل يعرف أن الزمن تغير، وأن الإنسان الذي عاش الحدث كان ابن عصره، وأن هذه كلها تجربة إنسانية بما فيها من نجاحات وأزمات وخلافات وتحولات.