أساطير آن كارسون

أساطير آن كارسون

استمع إلى المقال دقيقة

عثرت الشاعرة الكندية آن كارسون، حين كانت في الخامسة عشرة، على طبعة ثنائية اللغة من أشعار "سافو" الإغريقية، في أحد مراكز التسوق بمقاطعة أونتاريو. كانت مصادفة صغيرة، لكنها دفعتها إلى تعلم اليونانية القديمة، ثم إلى دراسة الأدب الكلاسيكي والتخصص فيه. ولعل ما يستحق التأمل في هذه البداية أن فتاة من القرن العشرين انجذبت إلى شاعرة عاشت قبل أكثر من ألفي وخمسمئة عام، وأن تلك العلاقة المبكرة ستتحول إلى مشروع أدبي وفكري تتجاور فيه الفلسفة والشعر والترجمة والأسطورة.

انشغلت كارسون طويلا بالثقافة الإغريقية، وهو تراثها الأقدم، وبالتحديد بقصة الشاعرة سافو، وبالأخص شعرها، وأخذت تترجم، وانتبهت إلى أنه لم يصلنا سوى قصيدة واحدة كاملة لها، وباقي أشعارها شظايا ممزقة وكلمات مبتورة على ورق بردي قديم، فاعتبرت كارسون هذه المساحة الفارغة ليست نقصا، بقدر ما هي مساحة إبداعية ساحرة، فبالنسبة لها الفراغات والكلمات المفقودة في قصائد سافو تحمل غسقا شعريا لا يقل جمالا عن الكلمات المكتوبة، تجسد ذلك في كتابها "إن لم يكن، فالشتاء" عام 2002، ترجمت تلك الفراغات بأن وضعت علامات الأقواس لتشير إلى الأجزاء المفقودة، وتترك للقارئ رؤية أثر الزمن في جسد القصيدة، وتصبح الصفحة نفسها شاهدة على تاريخ تلك الكلمات القليلة المفقودة محاطة بصمت القرون.

ثم أخذت تتساءل كناقدة وأديبة: لماذا تظل النصوص القديمة قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر؟ وما الذي يمكن أن تقوله قصة سافو عن رغباتنا ومخاوفنا وهوياتنا؟ قادها هذا الشغف إلى الاشتغال على معالجة الأساطير الإغريقية القديمة، بتأليف مغاير، واضعة خيالها المعاصر في تلك القصص، ومن يقرأ كارسون، سيعرف أن أسئلتها كامنة في معظم أعمالها، بخيال معاصر، بعد أن وجدت في التراث اليوناني حقلا مفتوحا للتأمل في الطبيعة البشرية، في المسافة بين ما نعرفه وما نعجز عن معرفته، متوصلة إلى أن الصمت تجربة مقدسة وبليغة، حتى وإن حاول الزمن محوها.

من يقرأ كارسون، سيعرف أن أسئلتها كامنة في معظم أعمالها، بخيال معاصر، بعد أن وجدت في التراث اليوناني حقلا مفتوحا للتأمل في الطبيعة البشرية

كانت تلك أطروحتها الشهيرة في كندا والغرب عموما، وهو موضوع يهم ذلك العالم، لأنه نابع من تراثه المشترك، وهو الإغريق، لكن سافو تحديدا، استوقفت كارسون في شعرها، فهي تحلل في نصوصها تلك الطبيعة المزدوجة لإيروس، إله الحب والرغبة لدى الإغريق، الذي يحمل الحلاوة والمرارة في آن واحد. وتذهب سافو في شعرها إلى أن الرغبة تحتاج إلى مسافة أيضا، وإلى شيء يظل بعيدا عن الامتلاك، فالإنسان يدرك حدود ذاته حين يكتشف وجود آخر يرغب فيه، ولا يستطيع أن يختصره في نفسه.

المثير أن كارسون، حين سئلت عن اختيارها لهذا الموضوع الأكاديمي، أشارت إلى أن الباحثين يختارون أحيانا في أطروحاتهم المسألة التي تمس جوهر وجودهم. وهكذا يمكن قراءة بحثها بوصفه سؤالا فكريا وشخصيا معا، عن كيفية تشكُّل الذات عند حدود الرغبة.

وهناك مثال آخر وأقدم لـكارسون عن الوحش إذا امتلك قلبا بشريا، فيظهر في كتابها "السيرة الذاتية للأحمر" عام 1998، حيث تستعيد جيريون، الوحش الأحمر المجنح في الأسطورة اليونانية، الذي قتله هرقل ضمن أعماله البطولية، فتمنح هذا الكائن صوتا وحياة داخلية، وتجعله فتى حساسا يحمل كاميرا، ويختبر الحب والوحدة والغيرة والألم. وفي علاقته بهرقل يتحول الوحش القديم إلى شخصية معاصرة تواجه أسئلة الهوية والرغبة والاختلاف.

استطاعت كارسون أن تجعل القارئ يعيد النظر في الأسطورة من موقع الكائن الذي انتهت حياته على يد البطل، وهل يمكن أن يكون الوحش أكثر إنسانية ممن قتله. وتتصل هذه المعالجة بحساسية كارسون الشخصية أيضا. فقد تحدثت عن انجذابها إلى غرابة جيرون، وهو العملاق المرعب والوحش المشهور في الميثولوجيا الإغريقية؛ له ثلاثة رؤوس وثلاثة أجساد، ويتحرك ككتلة عسكرية واحدة ليقاتل، لكنه كان أيضا راعيا لطيفا مسالما للأغنام. وتأملت كارسون العلاقة الغامضة بين الإحساس بالاختلاف وتجربة النمو لدى الشخصيات الإغريقية. وهنا يصبح التراث وسيلة لاستكشاف أعماق النفس، وإعادة النظر في المعايير التي صنعت البطولة والوحشية والجمال.

ترفض كارسون الفصل النمطي الصارم بين العمل الأكاديمي والإبداعي، معتبرة الحدود بين الأشكال الأدبية من صنع البشر

في حوار لها، ترفض كارسون الفصل النمطي الصارم بين العمل الأكاديمي والإبداعي، معتبرة أن الحدود بين الأشكال الأدبية من صنع البشر. ويمكن إدراك ذلك في كتبها التي تنتقل بين المقالة والقصيدة والمسرح والترجمة، كأن المعرفة والخيال يتحركان معا داخل تجربة واحدة. ويبقى أجمل ما في تجربتها أن الماضي يظل مفتوحا على احتمالات لم يعرفها أصحابه، مثل النصوص التي نجت من الزمن، وتواصل تغيير أسئلتنا عن الحب والإنسان والوجود.

جائزة نوبل 2026 للأدب مستحقة لكاتبة مرموقة خاضت أسئلتها الإنسانية الكبرى من خلال سافو، وجيرون المتغير، مرورا بشخصيات أسطورية أخرى، لتكتشف مكمن الخير والشر، والصمت والحب، في أعماق النفس البشرية.  

font change