باب المندب... ما بعد خسارة إيران ورقتها في البحر الأحمر؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
عناصر من خفر السواحل اليمني الموالي للحكومة يراقبون زورق لدورية في البحر الأحمر قبالة مدينة المخا -الخاضعة لسيطرة الحكومة- في محافظة تعز الغربية، بالقرب من مضيق باب المندب الاستراتيجي، في 12 2023

باب المندب... ما بعد خسارة إيران ورقتها في البحر الأحمر؟

باستعادتها لمضيق باب المندب توجت "قوات العمالقة" الموالية للحكومة اليمنية سلسلة من إنجازاتها العسكرية، وذلك بعد أيام من المعارك الطاحنة التي خاضتها مع الميليشيات الحوثية المدعومة مع إيران في ظروف استثنائية بالغة في تعقيدات مسرحها الجغرافي غرب مديرية الوازعية في محافظة تعز وسط البلاد مرورا بقمم جبال كهبوب الوعرة وانتهاء بسيطرتها على جزيرة ميون في قلب المضيق.

طوت "العمالقة" بهذا الإنجاز الحاسم صفحة التراجع الذي منيت به بعض القوات الحكومية في 10 سبتمبر/أيلول الماضي. كما أطاحت بأوهام الحوثيين وأحلام "الحرس الثوري" الإيراني التي ذهبت أدراج الرياح بعد أن اعتقدت الميليشيات و"الحرس" أنهم تمكنوا من الوصول إلى هدفهم الاستراتيجي والأيديولوجي بالسيطرة على ثاني أهم ممر مائي حيوي في المنطقة يفوق في خطورة موقعه بكثير مضيق هرمز على أبواب الخليج العربي.

ومن المؤكد أن كثيرين في المنطقة وحول العالم تنفسوا الصعداء بعد دحر الميليشيات الحوثية من باب المندب بما يمهد الطريق نحو استعادة كامل الساحل الغربي اليمني ويفسح المجال أمام تحرير سائر بلداته ومدنه ابتداء من ذوباب ثم المخا ووصولا في المدى المنظور إلى محافظة الحديدة وموانئها الثلاثة، ميناء الحديدة التاريخي الهام والصليف التجاري ورأس عيسى النفطي.

ربما فوجئ البعض بما حدث في باب المندب فجر الجمعة بعد التقدم السريع والمباغت لـ"قوات العمالقة" نحو المضيق من أعالي جبال كهبوب المطلة عليه ووصولها إلى جزيرة ميون الواقعة إلى غربه قريبا من اليابسة اليمنية بنحو عشرين كيلومترا، فخلال أقل من شهر على سيطرة الميليشيات على الجزيرة والساحل اليمني المطل عليه في جنوب البحر الأحمر سارع الحوثيون بدعم من "الحرس الثوري" الإيراني إلى استحداث تحصينات وبناء أنفاق ونصب رادارات لترسيخ سيطرتهم على المضيق. كما سعوا إلى لقاء موظفين في السفارة الأميركية في العاصمة العمانية مسقط لتطمين واشنطن بأن سيطرتهم على المضيق لن تمثل تهديدا للسفن الأميركية وغيرها بما فيها الإسرائيلية، وذلك عند عبورها من خلال باب المندب من وإلى البحر الأحمر باستثناء السفن السعودية على حد تهديدهم.

يرى كثير من اليمنيين أن الساحل الغربي لليمن المطل على باب المندب والجزر الواقعة فيه أو المحيطة به أراض يمنية لا يجوز التفريط بها ولا يمكن لأحد استخدامها للمناورة أو المساومة في أي صراع خارجي

غير أن إقدام القوات اليمنية على استعادة السيطرة على المضيق جرى على نحو خاطف خلال ساعات وتحت غطاء كثيف من نيران سلاح الجو اليمني، الحربي والمسيّر، وبإسناد من مقاتلات تحالف دعم الشرعية اليمنية بقيادة الرياض ما بدد آمال الميليشيات التي كانت قد نقلت آلافا من مسلحيها من الساحل الغربي إلى مناطق وسط محافظة تعز اعتقادا منها بإمكان فرض هيمنتها على مديرية الوازعية ومرتفعات كهبوب لتأمين وجودها في المضيق وحوله.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تجري فيها هزيمة الميليشيات عند باب المندب فقد سبق ذلك دحرها عند تمددها في الساحل الجنوبي الغربي لليمن بين العامين 2014 و2015 إلا أن هزيمتها هذه المرة تحمل معنى مختلفا، إذ جاء وصولها إلى باب المندب بعد تخطيط مع "الحرس الثوري" الإيراني وإعداد ودعم وتدريب من قبله استغرق سنوات استعدادا لمواجهة عسكرية كبرى كانت متوقعة مع الولايات المتحدة تشمل السيطرة على مضيق هرمز وأملا من جانب الإيرانيين في أن يؤدي استيلاء ذراعهم الحوثية على جنوب الساحل الغربي لليمن بما فيه مضيق باب المندب إلى تمكينهم من استخدامه كورقة إضافية للتأثير على حركة الملاحة البحرية وخطوط التجارة العالمية، وذلك كما يفعلون في مضيق هرمز لرفع كلفة الحرب على العالم بأسره وليس الولايات المتحدة فقط، وهذا ما كان ألمح إليه أكثر من مسؤول سياسي وقائد عسكري إيراني بأن أي إغلاق لمضيق هرمز سيقابله إغلاق لمضيق آخر في إشارة إلى مضيق باب المندب.

أ.ف.ب
لقطة مأخوذة من مقطع فيديو -نشرته "ألوية العمالقة الجنوبية" في 6 أكتوبر 2026 تظهر مركبة تتحرك ضمن رتل عسكري على طريق في مديرية ذوباب بمحافظة تعز

ترفض غالبية اليمنيين أن يتم استخدام باب المندب ورقة في الصراع الأميركي-الإيراني وأن تعمل جماعة الحوثيين على توظيف نفسها وأرض بلادها وأنصارها لخدمة إيران في حرب ليست حربها بل من شأن هذا أن يعرض اليمن للاستهداف وإلحاق أبلغ الضرر بمقدراته وبناه التحتية المدنية على غرار ما حدث عندما شنّت إسرائيل هجماتها على الأراضي  اليمنية ردا على تدخل الحوثيين في صراع "محور المقاومة" مع إسرائيل خلال حرب غزة، أو عندما أطلقت الولايات المتحدة حملتها الجوية على مناطق سيطرة الجماعة لمدة ثلاثة وخمسين يوما بعد استهداف الميليشيات الحوثية للسفن الأميركية ردا على الموقف الأميركي من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ دخل الحوثيون طرفا في النزاع ليس فقط دون تفويض من قبل الدولة اليمنية لهم ولكن اتساقا مع ما وصف بـ"وحدة الساحات" التي تبنتها إيران خلال تلك الحرب.

رمزية باب المندب وأهمية استعادته

يرى كثير من اليمنيين أن الساحل الغربي لليمن المطل على باب المندب والجزر الواقعة فيه أو المحيطة به أراض يمنية لا يجوز التفريط بها ولا يمكن لأحد استخدامها للمناورة أو المساومة في أي صراع خارجي في غير مصلحة الأمن القومي العربي وذلك كما حدث في حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973 عندما تم إغلاق المضيق في وجه إسرائيل باتفاق أمني استراتيجي بين اليمن ومصر وتوافق تام على ذلك مع الدول العربية المطلة على البحر الأحمر وبوابته الجنوبية، وذلك إعلاء للمصلحة العربية العليا ومنعا لعسكرته من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي خلال تلك الحرب.

يصل عرض مضيق باب المندب على جانبيه بين جزيرة ميون التابعة للسيادة اليمنية إلى نحو 3 كيلومترات تقريبا، فيما يبلغ أقصى عمق نحو 30 مترا ما يجعلها غير مناسبة لعبور السفن التجارية الكبيرة وناقلات النفط العملاقة

لباب المندب عند غالبية اليمنيين رمزية خاصة ذات قيمة وطنية وإقليمية ودولية حيث لا يجب السماح أن يكون المضيق، عنوانا للمعركة الأخيرة التي خطط لها "الحرس الثوري" الإيراني ونفذها الحوثي، إذ إن ما سبق التخطيط والتنفيذ، في رأي البعض، كان تاريخا يقف طوال سنوات وراء "محاولة إسقاط هذه الرمزية، والهيمنة الإيرانية على المنطقة برمتها".

ولهذا فقد تنادى اليمنيون على سيادة واستقلال بلادهم إلى أن تكون الأولوية في الصراع الدائر مع ميليشيات الحوثيين في جنوب البحر الأحمر وأن تكون المهمة الرئيسة التي تسبق أي عمل آخر في الميدان العسكري، "عدم السماح لإيران وميليشيات الحوثي بأن تنشئ واقعا عسكريا في هذه المنطقة يغير معادلة الحرب والصراع، لصالح المشروع الإيراني التوسعي في هذا الجزء الحيوي من العالم"، حسب قول أحد المطلعين. وأضاف: "كان يمنيون وعربٌ كثر نادوا منذ الوهلة الأولى بـضرورة استعادة باب المندب وعلى نحو عاجل قبل أن ينشأ هناك وضعٌ يعقد العملية كلها سيما أنه بعد ساعات فقط من استيلاء الحوثيين على الجانب اليمني من باب المندب، سارع بعضٌ من خبراء (الحرس الثوري) في الوصول إلى عنق المضيق لمعاينته وتحديد كيفية استخدامه وعملوا على بناء استراتيجية عاجلة لتثبيت واستدامة سيطرة الحوثيين عليه والتحكم به".

باب المندب... المساحة والأهمية

يتفاوت عرض وعمق مضيق باب المندب على جانبيه بين جزيرة ميون التابعة للسيادة اليمنية حيث تتمدد قناة إسكندر الشرقية نحو اليابسة اليمنية بعرض يصل إلى نحو 3 كيلومترات تقريبا، فيما يبلغ أقصى عمق لهذه القناة نحو 30 مترا ما يجعلها غير مناسبة لعبور السفن التجارية الكبيرة وناقلات النفط العملاقة. أما قناة ما يعرف بـ"دقة المايون الغربية" بين ميون والساحل الأفريقي فيصل عرضها إلى نحو 25 كيلومترا، بينما يبلغ عمقها ما يقرب من 310 أمتار.

في عام 2016 أي بعد سنة من بدء الصراع في اليمن تم إنشاء مطار صغير في جزيرة ميون المطلة مباشرة على مضيق باب المندب ليصبح بمثابة قاعدة جوية ومدرج طيران يتم استعماله لأغراض عسكرية

يربط المضيق بين خليج عدن وبحر العرب من ناحية وكل من البحر الأحمر والبحر المتوسط عبر قناة السويس من ناحية ثانية، وبالتالي تكمن أهميته في أنه يمثل حلقة الوصل وعقدة المواصلات بين كل تلك البحار أو الممرات المائية الحيوية من حيث كون المضيق يمثل جسرا لعبور السفن النفطية من منطقة الخليج تحديدا بما فيها إيران بين جنوب شرق وغرب آسيا نحو الشمال الغربي لأوروبا والولايات المتحدة. ويمر عبر باب المندب والبحر الأحمر، في الظروف الطبيعية، نحو 12 في المئة من التجارة العالمية و30 في المئة من تجارة الحاويات، إضافة إلى نحو 10  في المئة من النفط ومشتقاته المنقولة بحرا. وتراجعت حركة الملاحة بصورة حادة منذ بدء هجمات الحوثيين أواخر 2023، مع تحويل شركات الشحن مسارات سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح. وقد يضيف إغلاق باب المندب10 -14 يوما إلى رحلات الشحن بين آسيا وأوروبا، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، مع خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات.

مطار ميون العسكري

في عام 2016 أي بعد سنة من بدء الصراع في اليمن تم إنشاء مطار صغير في جزيرة ميون التابعة لمديرية ذوباب المطلة مباشرة على مضيق باب المندب ليصبح بمثابة قاعدة جوية ومدرج طيران يتم استعماله لأغراض عسكرية.

رويترز
يتصاعد الدخان جراء انفجار خلال ضربات استهدفت أفراداً ومعدات وتحركات تابعة لميليشيا الحوثي، في موقع حُدّد بأنه تعز باليمن، وذلك في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو نُشر في الأول من أكتوبر 2026

يبلغ طول المدرج ما بين 1.85 إلى 3 كيلومترات، مما يتيح له، وفق مصادر عسكرية، استقبال أنواع مختلفة من الطائرات "بما في ذلك الطائرات العسكرية وقاذفات الشحن أو الطائرات بعيدة المدى". وقد أعد هذا المطار ليضم حظائر طائرات وملاجئ مصممة من الأسمنت والفولاذ إلى جانب بنى تحتية عسكرية متقدمة، تم إنشاء مطار جزيرة ميون بهدف رصد ومتابعة وتأمين خطوط الملاحة الدولية عبر المضيق وبمحاذاة الموانئ والجزر اليمنية الاستراتيجية المطلة على المضيق في منطقة جنوب الأحمر.

font change

مقالات ذات صلة