ما يخفيه الرغيف

ما يخفيه الرغيف

استمع إلى المقال دقيقة

ما يثير الانتباه في مختلف أشكال الاحتجاج التي تظهر هذه الأيام هنا وهناك، سواء في بعض العواصم العربية، وحتى الأوروبية والأميركية، هو أنها لم تعد تعطي الأولوية للسياسي ولا للنقابي على ما عهدناه في مثل هذه الاحتجاجات، فهي لا ترفع شعارات كونية، ولا تطرح ملفات نقابية، أو تطالب بمطالب من شأنها أن توفر الكرامة للمواطن، بل صارت تركز على قضايا ملتصقة باليومي المباشر، مثل ضعف القوة الشرائية والغلاء ومحنة العيش. إنها لا ترفع احتجاجات "البروليتاري" ومطالبه، وإنما تبرز وجه "الفقير".

كان رولان بارت كتب تحت عنوان "الفقير والبروليتاري" تعليقا على فيلم تشارلي شابلن "الأزمنة الحديثة" مبينا أن شارلو لم يفتأ ينظر إلى البروليتاري من خلال سمات

الفقير. وإذا كان ذلك ما أعطى مشاهد الفيلم قوة وأهمية، إلا أنه شكل في الوقت نفسه لبسه السياسي. ففي هذا الفيلم لم ينفك شارلو يلامس موضوع البروليتاري من غير أن يتناوله

تناولا سياسيا. فما يعرضه هو البروليتاري وهو ما زال لم يع بعد وضعه الطبقي. إنه يعرض علينا فقيرا تحدده الطبيعة المباشرة لحاجياته، وتوقفه الكلي على أسياده، وهؤلاء الأسياد ليسوا هنا أرباب المعامل، وإنما رجال الأمن أولا، ثم "الأثرياء".

فهذا الإنسان الغارق في جوعه يظل على الدوام دون الوعي السياسي.

صحيح أنه حرفي متمرد على الآلة، "لكنه ما زال عاجزا عن إدراك الخلفية السياسية لكل ذلك، والمطالبة بنهج استراتيجية جماعية". فلسنا هنا مطلقا أمام العامل الملتزم الذي يخوض

صراعا واعيا بتأطير نقابي واستلهام حزبي، وذلك خدمة لقضايا العمال أنى كانوا، وإنما أمام

"بروليتاري خام"، أمام فقير شعاره رغيف و"عيش"، بل أمام فقير لا شعار له.

هذا الالتباس السياسي الذي يطبع الفيلم ليس نقيصة في عيني بارت بطبيعة الحال. لأن عظمة الفيلم في نظره هو أنه لم يسقط بعد في عيوب الأشكال الفنية اللاحقة التي أبرزت

"البروليتاري" كي تجعلنا ندرك بؤسه وحرمانه. إلا أن قيمة فيلم شارلو تكمن في أنه اكتفى بتصوير "الفقير" فمكننا من "أن نرى شخصا لا يرى، وتلك هي أفضل طريق لأن نرى

بوضوح ما لا يراه". فغياب الوعي السياسي عند شخصية الفيلم هو بالذات ما يفتح مجالا للرؤية النقدية عند المتفرج/القارئ.

في زمن شارلو، كان البروليتاري موجودا كإمكانية تاريخية (وعي طبقي، نقابة، حزب) والفيلم يعرض فقيرا لم يبلغها بعد.

أما اليوم، فالسؤال هو: هل "الفقير" المعاصر يفتقر إلى الوعي السياسي لأنه لم يبلغه بعد، أم لأن الأطر التي كانت تنقل من الفقر إلى الوعي الطبقي (النقابة، الحزب، الأممية) تفككت هي نفسها؟ شارلو صور فقيرا في طريقه (نظريا) إلى الوعي الطبقي، بينما نحن اليوم أمام مواطن يخرج من صيغة العامل الواعي إلى صيغة الفقير من جديد. شارلو يعرض تأخرا تاريخيا، بينما احتجاجات اليوم قد تعرض غيابا بنيويا لتلك الأطر. يكفي أن نلتفت إلى ما يجري حولنا من صعود احتجاجات بلا قيادات ولا شعارات مثل احتجاجات "السترات الصفراء الأوروبية"، وهي حركة معقدة متناقضة الأطراف تجمع بين يمين ويسار، وترفع مطالب بيئية ضريبية، إلى جانب المطالب الهوياتية في الوقت ذاته.

ولكن ألا تكمن قيمة الفيلم كذلك في كونه ما زال إلى اليوم قادرا أن يعبر عن واقع الحال، خصوصا بعد عودة "الفقير" إلى الواجهة، لا لكي يرفع الشعارات "من أجل عمال

العالم"، وإنما ليطالب بـ"عيش" يمكنه من الاستمرار في العيش؟

غير أن قيمة الفيلم اليوم لا تكمن في مجرد استمراريته أو قدرته على التكرار، بل فيما يكشفه من مفارقة مؤلمة: فالتاريخ، خلافا لما افترضه بارت وعصره بمنطقه التطوري شبه الماركسي، لم يتقدم بالضرورة من "الفقير" إلى "البروليتاري"، أي من وعي الحاجة المباشرة إلى وعي الموقع الطبقي والنضال المؤطر، بل ارتد، أو كاد.

لم يعد العيش مطلبا يسبق السياسة أو يقع خارجها، بل صار، في غياب كل تأطير آخر، الشكل الوحيد المتاح للمطالبة بالكرامة

المحتج الذي نراه اليوم في بعض المناطق العربية، أو في شوارع باريس أو نيويورك ليس ذلك العامل الذي اكتسب وعيه النقابي والحزبي ثم فقده فجأة، وإنما هو نتاج تفكك الأطر نفسها التي كانت تعمل على أن تنقل الفقير إلى مصاف البروليتاري، إنها غدت نقابات أنهكها التدجين أو التهميش، وأحزابا فقدت صلتها بقواعدها الشعبية، وأممية تبخرت مع تبخر الحلم الذي كانت تحمله. لم يعد العيش مطلبا يسبق السياسة أو يقع خارجها، بل صار، في غياب كل تأطير آخر، الشكل الوحيد المتاح للمطالبة بالكرامة. وربما كانت هذه هي المفارقة الكبرى: أن يتحول "الفقير" الذي صوره شارلو، وهو في طريقه النظري نحو الوعي الطبقي، إلى الأفق الذي انتهى إليه المواطن الحالي بعد أن اجتاز تجربة الوعي والتنظيم ثم خرج منها خاوي الوفاض.

فإذا كانت عظمة فيلم شارلو، في نظر بارت، أنه مكننا من "أن نرى شخصا لا يرى"، فإن احتجاجات اليوم تضعنا أمام سؤال معكوس: هل نستطيع أن نرى، نحن أيضا، ما لا يراه الرغيف؟ أن نرى في مطلب "العيش" ما غاب عنه من شعارات، وفي غياب التنظيم ما بقي من مطلب نقابي، وفي الامتناع عن السياسة ما لم يعد يجد لنفسه لغة سياسية؟ لعل الرغيف لا يخفي الفقر وحده، بل يخفي وراءه أيضا ما تبقى من السياسي والنقابي.

font change