الحركة الساكنة بين دولوز وابن عربي

أن ترتحل كي لا تغادر وأن تقيم كي لا تتوقف

Al Majalla
Al Majalla

الحركة الساكنة بين دولوز وابن عربي

كتب جيل دولوز: "إننا نفكر أكثر مما ينبغي بمفردات التاريخ، الشخصي أو الشامل. أما الصيرورات فهي مسألة جغرافية: إنها توجهات، وجهات، مداخل ومخارج. ثمة صيرورة-امرأة لا تختلط بالنساء، بماضيهن أو مستقبلهن، وينبغي للنساء أن يدخلن هذه الصيرورة حتى يخرجن من ماضيهن ومن مستقبلهن، من تاريخهن. وثمة صيرورة-ثوري لا تختلط بصيرورة الثورة، وربما لم تمر بالضرورة عبر المناضلين. وثمة صيرورة-فيلسوف لا شيء يجمعها بتاريخ الفلسفة، وهي تمر بالأحرى بمن يعجز تاريخ الفلسفة عن تصنيفهم".

ليس يسيرا أن نستجيب لدعوة دولوز إلى الخروج من الماضي والمستقبل والتاريخ، فكأنه يمنعنا من فهم الخروج بدلالة الحركة. غير أن الصيرورة، وإن لم تكن تاريخا، تظل حركة، لكنها حركة بلا "حكاية كبرى": حركة لا تنطلق من نقطة لتبلغ أخرى، ولا تتقدم وفق خط متصل، وإنما تتسلل بين الفجوات. إنها رسم خارطة أكثر منها نموا وتراكما، مسارات متفردة وخطوط هاربة، وكيان ريزومي لا شجرة تنمو وتتطور. ومن ثم، لا يكفي أن نقول إن المفاهيم تتحرك، بل ينبغي أن نبتكر مفاهيم قادرة على إحداث الحركة، وأن نعيد النظر في معنى الحركة نفسها: أهي انتقال من مكان إلى آخر، أم تغير في العلاقة بالمكان والحد والمركز؟

صورة متقاربة

في هذا الأفق يمكن أن نضع إلى جانب دولوز الشيخ الأكبر ابن عربي، لا لكي نسقط مفاهيم فيلسوف معاصر على نص قديم، وإنما لنرى إلى أي حد يمكن لمفكرين تفصل بينهما قرون وثقافات أن يلتقيا عند صورة متقاربة للحركة. فإذا كان "الرحال" عند دولوز يتحرك دون أن يغادر، فإن "البرزخ" عند ابن عربي هو الحد الذي يفصل بين نقيضين دون أن ينفي أحدهما الآخر. ما يجمع المفهومين ليس تطابقا، وإنما صورة يمكن أن نسميها "الحركة الساكنة"، وهي قريبة جدا من عبارة دولوز: "سكون بخطى كبيرة".

لن نفاجأ إن رأينا الشيخ يقول بالشيء ونقيضه: بالتجلي والتحجب، وبالتنزيه والتشبيه، وبالوحدة والتعدد، وبالهوية والاختلاف. إنه فكر لا يستقر على مركز واحد، ولا يسمح لنفسه بأن يختزل في فكرة ناظمة

فهل عرف ابن عربي حركة من هذا النوع، حركة لا تبدأ من نقطة ولا تنتهي عند أخرى؟ يبدو ذلك في قوله: "لا يصح الثبوت على أمر واحد في الوجود"، وإن "التجلي المتكرر في الصورة الواحدة لا يعول عليه". فالحركة عنده ليست عارضا يعرض للوجود، بل هي قوامه: "فما ثم سكون أصلا، بل الحركة دائمة في الدنيا ليلا ونهارا، ويتعاقبان فتتعاقب الأفكار والحالات والهيئات بتعاقبهما". وهو يعلل ذلك بأن "الوجود مبدأه على الحركة لم يتمكن أن يكون فيه سكون، لأنه لو سكن لعاد إلى أصله وهو العدم، فلا يزال السفر أبدا في العالم العلوي والسفلي".

وفي فص "نوح" يجعل الشيخ الحيرة حركة دورية: "فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب، فلا يبرح منه، وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود... فله من وإلى وما بينهما". أما حركته هو فهي بلا "من" ولا "إلى": تتحرك ولا تبرح، إنها حركة لا تستقر في مركز، لكنها لا تفارق قطبا. وهنا يمكن أن نلمح، من بعيد، إلى ما سيصير عند دولوز حركة بلا مركز، فالجذمور الدولوزي لا يفترض مركزا أصلا.

 Fine Art Images/Heritage Images via Getty Images
محيي الدين ابن عربي (1165–1240)، في صورة محفوظة ضمن مجموعة جمعية محيي الدين ابن عربي اللاتينية، لفنان مجهول.

لن نفاجأ، إذن، إن رأينا الشيخ يقول بالشيء ونقيضه: بالتجلي والتحجب، وبالتنزيه والتشبيه، وبالوحدة والتعدد، وبالهوية والاختلاف. إنه فكر لا يستقر على مركز واحد، ولا يسمح لنفسه بأن يختزل في فكرة ناظمة. وقد سعى بعض الدارسين إلى جعل "وحدة الوجود" محورا تدور عليه أفكاره، غير أن الوحدة التي لا كثرة فيها محال عنده، فالقول بالوحدة يصاحبه القول بالتجليات، وهي متعددة بطبيعتها، وجودية ومعرفية وروحانية. لا تبقى إذن الوحدة عنده نقيضا للكثرة، بل لا تظهر إلا من خلالها. وكل سعي إلى توحيد هذا الفكر في مبدأ واحد قد يفقده حركته الداخلية. ولعل الأدق أن نسايره في حركته، ونلاحقه في جريانه، وأن نوحده في اختلافاته.

بين الرحال والمهاجر

غير أن الحركة في الفكر لا تعني بالضرورة حركة في المكان. هذا ما نلفيه عند المفكر الفرنسي الذي يميز بين الرحال والمهاجر. فالمهاجر يغادر أرضا ليبلغ أخرى، أما الرحال فـ"ليس بالضرورة من يتحرك، إذ هناك انتقال لا يبرح مكانه، انتقال في القوة والشدة". فالرحال "لا يرتحل إلا كي لا يغادر". فالترحال، بهذا المعنى، ليس تيهانا في فراغ لا نهائي، ولا رفضا لكل جذر، وإنما هو خروج داخلي وتأصيل متجدد، أي تغيير في العلاقة بالمكان أكثر منه مغادرة له.

يظهر لأول وهلة أن ابن عربي بعيد عن هذا النوع من الترحال، فالشيخ الأكبر، على عكس الفيلسوف الفرنسي، مسافر بالمعنى الحرفي، غادر الأندلس إلى مراكش فمصر وفلسطين، ثم مكة والموصل والقاهرة وتركيا وبغداد، حتى استقر بدمشق. لكنه، بالرغم من ذلك، يمارس ترحالا داخليا، إنه رحال لا يقر له قرار، وهذا ما يعبر عنه بقوله: "ما من منزل تشرف عليه إلا ويمكن أن تقول هو غايتي، ثم إنك إذا وصلت إليه لم تلبث أن تخرج عنه راحلا". إنه لا يخرج من منزل ليستقر في آخر، بل يخرج كي لا يستقر.

يحدثنا دولوز عن "خطوط هاربة" تتسلل بين الفجوات وتفلت من كل تقسيم، بينما يجعل ابن عربي رجال الأعراف أهل "وقوف" عند الحدود

لكن إذا كان ترحله داخليا، فما الحد الذي ينتهي إليه؟ هنا يبدو التعارض بين الرجلين في أشده. فدولوز يحدثنا عن "خطوط هاربة" تتسلل بين الفجوات وتفلت من كل تقسيم، بينما يجعل ابن عربي رجال الأعراف أهل "وقوف" عند الحدود: "والأعراف سور حاجز بين الجنة والنار، برزخ باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب... وهؤلاء الرجال أسعد الناس بمعرفة هذا السور، ولهم شهود الخطوط الوهمية بين كل نقيضين... فلا يتعدون الحدود". فكأن أحد النقيضين يدعونا إلى الهرب، والآخر إلى الوقوف.

غير أن التعارض يخف إذا تأملنا ما يهرب منه وما يوقف عنده. فالرحال عند دولوز لا يهرب من الحد نفسه، وإنما يتجنب "الانفصال الكاذب"، ويرفض الحركة الهوجاء بحثا عن "الكثافات الساكنة". وهو لا يمحو خصمه، بل يتداخل معه حتى يمتزجا. وفي قراءته لكافكا، يصور لنا الفيلسوف الفرنسي الرحال بجهازه الحربي وهو يعارض جهاز الطاغية الإداري، ثم لا يلبث الجهازان أن يتداخلا: "هم الطاغية أن يضم إليه جهاز الرحال الحربي، ومشكل الرحال أن يبتكر جهازا إداريا للإمبراطورية المغزوة".

برزخ ابن عربي

وهنا يمكن أن نرى في البرزخ عند ابن عربي صورة تقارب، من جهة أخرى، ما يسميه دولوز "الخط الهارب". فالبرزخ ليس إلغاء للحد ولا عبورا بسيطا له، بل موضع تتجاور فيه الأضداد دون أن ينفي أحدها الآخر. إنه حد "ما هو أحدهما، بل هو مجموع الاثنين". لذلك لا يريد البرزخ هدم الحدود ولا إذابتها في وحدة مفتعلة، بل يجعل الحد نفسه موضعا للالتقاء. إنه ليس عبورا من طرف إلى آخر، وإنما إقامة في المنطقة التي تتصدع فيها المراكز وتجرح فيها الهويات، وتلتقي فيها الأطراف دون أن يلغي بعضها بعضا.

ولعل البرزخ عند ابن عربي يتيح لنا، بهذا المعنى، أن نعيد تصور "الخط الهارب" الدولوزي على نحو آخر: ليس بوصفه فرارا لا ينتهي من الحدود، وإنما بوصفه حركة تجعل من الحد نفسه موضعا للإقامة. فلا يعبر الرحال الحد ليصير من الطرف الآخر، ولا يرتد إلى طرفه الأول، وإنما يجعل من الحد نفسه وطنا. وهنا يتغير معنى المكان.

Wikimedia Commons
الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز.

فالمكان عند دولوز ليس موقعا يحتل ولا أرضا تمتلك، بل "كثافة وشدة". والرحال لا يقصد بترحاله إلا "الكثافات الساكنة". إنها كثافات لا تتحقق بمعزل عن نقيضها، بل بالتفاعل معه. لذلك يصف الترحال بأنه "خروج داخلي، وانفصال مرتبط، وألفة مغتربة، وتأصيل متجدد، وتشتت موحد".

وهذا "التشتت الموحد" يلتقي مع ما يقوله ابن عربي في "الفصوص": إن في "كل جزء من العالم مجموع العالم"، ومع قوله في "التجليات": "إن كل شيء فيه كل شيء". فالمكان الواحد يحمل، بطريقة ما، ما تحمله الأمكنة كلها، ومن ثم لا يكون التنقل بينها انتقالا من كثرة إلى أخرى، بل تعميقا في المكان الواحد. لكن ذلك لا يعني محو الفروق بين الأمكنة، فالشيخ يؤكد أنه "كما تتفاضل المنازل الروحانية كذلك تتفاضل المنازل الجسمانية"، كما يقول: "المكان رحمة حيث كان، لأن فيه استقرار الأجسام من تعب الانتقال".

غلاف فصوص الحكم

عمارة المكان

غير أن معيار التفاضل هنا ليس جغرافيا ولا هندسيا، وإنما هو عمارة المكان بما يكتنزه من قوة روحية: "فشتان بين مدينة يكون أكثر عمارتها الشهوات، وبين مدينة يكون أكثر عمارتها الآيات البينات". وهذه العمارة الروحية تقارب ما يسميه دولوز "الكثافة والشدة": فالمكان لا يقاس بما يشغله من مساحة، بل بما يختزنه من قوة وشدة. وأعلى الأمكنة كثافة عند الشيخ الأكبر هو المكان الذي يتقاطع فيه المقدس والدنيوي، حيث لا يعود المكان مجرد موقع، بل يصير برزخا.

لكن ابن عربي يذهب أبعد من المكان إلى "الموقف"، فهو يقول في "الفتوحات": "اعلم أنه ما من منزل من المنازل، ولا منازلة من المنازلات، ولا مقام من المقامات، ولا حال من الحالات، إلا وبينهما برزخ يوقف العبد فيه يسمى الموقف، وهو الذي تكلم عنه صاحب المواقف محمد بن عبد الجبار النفري". والموقف، مثل البرزخ، "بين بين، وهو مقام بين هذين، فما هو أحدهما، بل هو مجموع الاثنين".

المكان الواحد يحمل، بطريقة ما، ما تحمله الأمكنة كلها، ومن ثم لا يكون التنقل بينها انتقالا من كثرة إلى أخرى، بل تعميقا في المكان الواحد

هنا يصبح الوقوف نفسه شكلا من أشكال الحركة. فقد سمى ابن عربي البرزخ "موطن الراحة"، فكأنه حركة ساكنة بين المواقف كلها: راحة لا تنقض الترحال، وترحال لا يفارق الراحة. وإذا كان الترحال عند دولوز "سكونا بخطى كبيرة"، فإن البرزخ عند ابن عربي "حركة ساكنة". في الأول يتقدم السكون الحركة، وفي الثانية تقيم الحركة في السكون.

ليس هذا تطابقا بين الرجلين. فدولوز يظل فيلسوف "الخروج من الموطن"، وابن عربي يظل عارفا يرى "الروحانية العلوية" تنظر إلى كل جزء من الأرض. لكنهما يلتقيان في صورة واحدة للحركة: حركة لا تكون انتقالا من مكان إلى آخر، ولا خروجا من طرف إلى طرف، وإنما تجعل من الحد موضع إقامة، ومن السكون ضربا من الترحال. إنها حركة تمكنك أن ترتحل كي لا تغادر، وأن تقيم كي لا تتوقف.

font change

مقالات ذات صلة