زاك بولانسكي... صعود سريع إلى قمة "حزب الخضر"https://www.majalla.com/node/333537/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%81%D8%A7%D9%8A%D9%84/%D8%B2%D8%A7%D9%83-%D8%A8%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B3%D9%83%D9%8A-%D8%B5%D8%B9%D9%88%D8%AF-%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%B9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%82%D9%85%D8%A9-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B6%D8%B1
هو زعيم حزب سياسي وطني، مع أن مسيرته الانتخابية لم تتجاوز حتى الآن الفوز بمقعد في مجلس لندن. وهو اليهودي الوحيد الذي يقود حزبا سياسيا رئيسا في المملكة المتحدة، لكنه يجد نفسه اليوم ممنوعا من دخول إسرائيل. ويخوض حاليا معركة حاسمة قد تحدد مستقبله السياسي، إذ يسعى إلى الفوز بمقعد في البرلمان في انتخابات فرعية تجري في الدائرة التي كان يمثلها رئيس الوزراء السابق كير ستارمر.
فمن هو زاك بولانسكي؟ وما الذي يفسر صعوده السريع، في الظاهر على الأقل، من الظل إلى واجهة المشهد السياسي؟ للوهلة الأولى، تبدو هناك أوجه شبه بينه وبين نايجل فاراج، زعيم حزب "إصلاح المملكة المتحدة"، رغم أن الرجلين يقفان على طرفي نقيض من الطيف السياسي. لكن مسيرة فاراج تختلف جذريا، فقد لعب دورا بارزا في السياسة البريطانية لعقود، ولا سيما في ملف العلاقة مع أوروبا، قبل أن يفوز بمقعد في البرلمان ويطمح لاحقا إلى تولي رئاسة الوزراء في الانتخابات العامة المقبلة. أما قصة زاك بولانسكي، فمختلفة تماما.
إنها قصة تحول سياسي وشخصي تعود جذورها إلى سنوات شبابه. فقد ولد عام 1982 في مانشستر، في السنوات الأولى من تولي مارغريت تاتشر رئاسة الوزراء، وكان اسمه عند الولادة ديفيد بولدن. وعندما بلغ الثامنة عشرة، غير اسمه قانونيا اعتزازا بجذوره اليهودية. وكان أسلاف بولانسكي، الذين قدموا إلى المملكة المتحدة مهاجرين من أوروبا الشرقية، قد غيروا نطق لقب العائلة ليبدو أكثر إنجليزية، كإجراء احترازي لمواجهة معاداة السامية. أما التمييز الذي واجهه بولانسكي في طفولته، فلم يكن بسبب هويته اليهودية، وإنما بسبب ميوله الجنسية.
زعيم "حزب الخضر" البريطاني زاك بولانسكي مع أنصاره خلال تجمع في حديقة جنوب لندن، في 24 يونيو 2026
أما في دراسته الجامعية، فلم يسلك بولانسكي الطريق التقليدي الذي ارتبط طويلا بالنخبة السياسية البريطانية عبر جامعتي أكسفورد أو كامبريدج، بل التحق الشاب المنحدر من مانشستر بجامعة أبيريستويث على الساحل الغربي لويلز. وهناك درس علم الاجتماع والدراما، وفكر في مرحلة ما في احتراف التمثيل، قبل أن يواصل دراسة شكسبير في إحدى الجامعات الأميركية. وبين عامي 2007 و2011، شارك في أربعة أفلام منخفضة الميزانية.
تبنّى بولانسكي نهجا أكثر يسارية تحت شعار "الشعبوية البيئية"، ساعيا إلى استقطاب ناخبين محبطين من "حزب العمال" وتوسيع قاعدة "الخضر"، مع تصعيد المواقف المناهضة لإسرائيل
دفعه بحثه المتواصل عن عمل إلى امتهان العلاج بالتنويم المغناطيسي، وهي مهنة عادت لاحقا لتسبب له حرجا سياسيا كبيرا وتغذي انتقادات من شككوا في جديته كشخصية عامة. ففي عام 2013، تواصل معه مراسل من صحيفة "ذا صن"، ووافق بولانسكي على محاولة تكبير ثدي المراسل باستخدام التنويم المغناطيسي.
وقال بولانسكي لاحقا إنه اعتذر عن مشاركته في الواقعة بعد وقت قصير جدا من حدوثها. غير أن هيئة الإذاعة البريطانية لم تعثر سوى على مقابلة أجراها مع محطة إذاعية محلية بعد ستة أيام من نشر "ذا صن" قصتها، دافع فيها عما ورد في التقرير وتمسك بروايته لما جرى.
في تلك المرحلة، لم يكن بولانسكي قد انضم بعد إلى "حزب الخضر"، وإن كان قد بدأ يميل سياسيا نحو اليسار. وكانت أولى خطواته السياسية مع "حزب الديمقراطيين الأحرار الوسطي"، الذي انضم إليه عام 2015 وبقي عضوا فيه حتى عام 2017.
وخلال عضويته في الحزب، خاض مرتين انتخابات محلية سعيا إلى الفوز بمنصب منتخب، لكنه لم ينجح في أي منهما. ومع أنه قال لاحقا إن سياسات "الديمقراطيين الأحرار" أفقدته الثقة بالحزب، فقد حاول عام 2016 أن يصبح مرشحه عن إحدى الدوائر البرلمانية في لندن، من دون نجاح. وبعد استبعاده، واصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي التعبير عن استيائه من قرار الحزب.
يُجهّز أنصار زاك بولانسكي، زعيم "حزب الخضر" البريطاني، لافتات قبيل وصوله إلى لندن للمشاركة في الحملة الانتخابية بدائرة هولبورن وسانت بانكراس، في 12 سبتمبر 2026
وأيا تكن أسباب خلافه مع "الديمقراطيين الأحرار"، فقد انضم بولانسكي إلى "حزب الخضر" في العام التالي لفشل محاولته الحصول على ترشيح الحزب لخوض الانتخابات البرلمانية. ويرجع تاريخ الحزب إلى أوائل سبعينات القرن العشرين، وقد تعاقبت عليه منذ ذلك الحين أسماء مختلفة، إلى أن اعتمد رسميا اسم "حزب الخضر" عام 1990، ثم أصبح يعرف لاحقا باسم "حزب الخضر في إنجلترا وويلز". لكن حضوره في البرلمان تأخر حتى عام 2010، عندما فازت كارولاين لوكاس بأول مقعد نيابي للحزب. وبقيت لوكاس ممثلته الوحيدة في البرلمان حتى انتخابات عام 2024، التي فاز فيها الحزب بأربعة مقاعد.
تدرج بولانسكي ببطء داخل "حزب الخضر" قبل أن يصل إلى قيادته. ففي العام التالي لانضمامه إلى الحزب، حاول الفوز بمقعد في مجلس مدينة وستمنستر، لكنه أخفق. ثم خاض الانتخابات العامة البريطانية عام 2019 مرشحا عن دائرة "مدينتي لندن ووستمنستر"، وحل رابعا بعد أن حصل على 1.7 في المئة فقط من الأصوات.
أسهم حضور بولانسكي المكثف على وسائل التواصل في تعزيز شعبيته، لكنه جرّه أيضاً إلى الجدل، بعدما أعاد نشر صورة على "إنستغرام" تظهر مقصلة وعبارة تشير إلى نايجل فاراج
وفي مايو/أيار 2021، حقق بولانسكي أول فوز انتخابي له بانتخابه عضوا في "جمعية لندن". وفي العام التالي، ترشح لمنصب نائب زعيم "حزب الخضر"، مستندا في حملته إلى مهاراته في التواصل، وتفوق على ثلاثة منافسين في تصويت أعضاء الحزب. وأتاح له المنصب الجديد حضورا أكبر، كما قربه من قيادة الحزب. وفي سبتمبر/أيلول 2025، حقق بولانسكي هذا الطموح، إذ انتخبه أعضاء الحزب زعيما لهم بنحو 85 في المئة من الأصوات، متفوقا على منافسين اثنين كانا عضوين في البرلمان عن الحزب.
تزامن صعود بولانسكي داخل "حزب الخضر" مع تنامي الاستياء من حكومة "حزب العمال" بقيادة كير ستارمر، ولا سيما في أوساط الجناح اليساري من ناخبي الحزب، الذي ارتبط لفترة طويلة بالزعيم السابق جيريمي كوربين. وخلال حملته لزعامة "الخضر"، تبنى بولانسكي ما سماه "الشعبوية البيئية"، ودعا إلى مواقف أكثر يسارية في الاقتصاد والسياسة الخارجية، مع تخفيف التركيز على القضايا البيئية وتوسيع قاعدة الحزب ليصبح حركة جماهيرية تتجاوز جمهوره التقليدي. وأسهم هذا التوجه في تعزيز فرصه داخل الحزب والفوز بقيادته.
ومع ازدياد السخط على أداء حكومة "العمال"، واصل "حزب الخضر" تقدمه في استطلاعات الرأي خلال الأشهر التالية. وفي مارس/آذار 2026، تجاوز متوسط تأييده 17 في المئة، وهو أعلى مستوى له، ما وضعه في المركز الثالث ومتقدما بصورة لافتة على "حزب العمال".
زعيم "حزب الخضر" زاك بولانسكي ، والزعيم السابق لـ"حزب العمال" جيريمي كوربين يشاركان متظاهرين في مسيرة مناهضة لليمين المتطرف نظّمها تحالف "معاً" في وسط لندن، 28 مارس 2026
في عهد بولانسكي، صعّد "حزب الخضر" انتقاداته لإسرائيل، ولا سيما منذ اندلاع حرب غزة عقب هجوم حركة "حماس" في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وظهر هذا التحول بوضوح في وقت سابق من هذا الشهر، حين أقر الحزب مقترحا يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية، رغم معارضة أربعة من نوابه الخمسة في البرلمان. وأثار القرار ردود فعل قوية، من بينها منع إسرائيل بولانسكي من دخول البلاد.
يتمتع بولانسكي بحضور قوي وقدرة واضحة على النقاش، لكنه وقع في أكثر من هفوة أثارت تساؤلات بشأن خبرته السياسية وحسن تقديره. فخلال إقامته على متن قارب في لندن، تبين أنه لم يدفع ضريبة المجلس المستحقة عليه. كما لم يتمكن من التصويت في الانتخابات المحلية عام 2026، بعدما فاتته مهلة التسجيل في السجل الانتخابي.
وأثارت بعض تصريحاته السابقة شكوكا في مدى دقتها. ففي عام 2019، قال بولانسكي إنه شغل دور المتحدث باسم مؤسسة خيرية معنية بالإسكان، قبل أن يتبين لاحقا أن دوره اقتصر على التحدث في بعض فعالياتها. وخلال حملته لمنصب نائب زعيم "حزب الخضر"، قال أيضا إنه عمل متحدثا باسم الصليب الأحمر البريطاني، ثم عُدلت هذه الصياغة لاحقا لتوضيح أنه كان يقدم بعض الفعاليات التي نظمتها المنظمة.
كما أن الحضور المكثف لبولانسكي على وسائل التواصل الاجتماعي، الذي أسهم بلا شك في تعزيز شعبيته، جره أحيانا إلى جدل سياسي. فقد تعرض لانتقادات واسعة بعدما أعاد نشر صورة على "إنستغرام"، بعد أسابيع قليلة من مقتل النائبة السابقة آن ويديكومب، يظهر فيها شخص يرتدي قميصا يحمل رسما لمقصلة وعبارة تقول "نحن فقط نضع خططا من أجل نايجل"، في إشارة إلى نايجل فاراج، زعيم "حزب الإصلاح". ورغم أن بولانسكي أقر لاحقا بأنه أخطأ بإعادة نشر تلك الصورة، فإنه رفض الاعتذار لفاراج.
تضافرت عوامل عدة في إضعاف موقع بولانسكي، من بينها تكثيف التدقيق في أدائه، والجدل الذي أثارته بعض تصرفاته، إلى جانب التغيير في قيادة "حزب العمال" بعد أن خلف آندي بورنهام كير ستارمر. وانعكس ذلك على "حزب الخضر" وعلى شعبية بولانسكي، إذ أظهرت استطلاعات الرأي تراجعا في تأييدهما. وفي هذه الأجواء، تمثل الانتخابات الفرعية اختبارا مهما لقيادته، فيما ستظل التساؤلات بشأن مستقبله السياسي داخل الحزب مطروحة، مهما تكن نتيجة الاقتراع.
يعكس الصعود السريع لبولانسكي ملامح حقبة سياسية جديدة، لم يعد فيها اكتساب النفوذ والتأثير مرهونا بعقود من العمل الحزبي أو بخبرة طويلة في البرلمان، إذ باتت القدرة على التواصل مع الجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي عاملا متزايد الأهمية. ويتمثل التحدي أمام بولانسكي في مدى قدرته على البناء على هذه المهارات لدفع مسيرته السياسية إلى الأمام، وما إذا كان سيتمكن من تجاوز الشكوك التي أثارتها قلة خبرته والأخطاء التي رافقت مسيرته السياسية.