جيرار فيستر فوق هاوية الموت

"حدائق معلقة" يحول النهاية إلى مرآة للحياة

جيرار فيستر فوق هاوية الموت

في ديوان "حدائق معلقة"، الصادر حديثا عن دار "أرفوين" الفرنسية، يختار الشاعر الفرنسي جيرار فيستر الإقامة عند تلك الحافة التي يبدو فيها كل شيء مألوفا وغريبا في الوقت نفسه: ضوء يدخل من نافذة، عصفور يحط قريبا، أطفال يلعبون، زهرة تتفتح، يد تمسك بيد أخرى، جسد يضعف، وصمت يتسع.

الموت حاضر في كل صفحة تقريبا، لكن حضوره يمنح الأشياء كثافة غير متوقعة، كأن اقتراب النهاية يزيل عن العالم غشاوة الاعتياد ويعيد إليه، للمرة الأخيرة، دهشته الأولى.

يفتتح فيستر كتابه بعبارة لمونتين: "كل الأيام تمضي إلى الموت، والأخير يصل إليه". ومنها ينطلق نص يقوم كله تقريبا على حقيقة بسيطة يستحيل على الإنسان تمثلها تماما: نحن لا نعرف مقدار ما يفصلنا عن موتنا. إنه يرافقنا، كما يقول الشاعر في استهلاله، "مثل ظلنا في وضح الشمس"، ويمكن الهاوية أن تنفتح في اللحظة التي نشعر فيها بأكبر قدر من الأمان. وما يقترحه الكتاب هو تعلم العيش مع هذه المعرفة، حتى تصبح النهاية جزءا من إدراكنا للحياة نفسها.

على مقربة من الموت

ينبني "حدائق معلقة" على صيغة تتكرر منذ المطلع حتى الصفحات الأخيرة: "على مقربة من الموت". وتتوزع المقاطع على مقدمة وخمسة أقسام وخاتمة، في حركة تشبه الاقتراب البطيء من مركز مجهول. تتكرر العبارة عشرات المرات، ومع ذلك نادرا ما نشعر بأنها لازمة جامدة. ففي كل مرة تفتح نافذة مختلفة: "على مقربة من الموت" ثمة شجرة تفاح مزهرة، أو مياه نهر باردة، أو امرأة تبتسم لصورة، أو أصوات أطفال، أو سرير، أو غرفة بيضاء، أو رائحة كرواسان تعيد صباحات بعيدة. هكذا تتحول العبارة الثابتة إلى عتبة يعبر منها النص نحو مشهد جديد.

المدهش أن كتابا لا يكاد يتحدث إلا عن الموت الشديد الاكتظاظ بالحياة، الطيور والأزهار والماء والثلج والأشجار والضوء والروائح والأطفال والحشرات تعبر صفحاته باستمرار. قرب النهاية تصبح حياة ذبابة "كنزا"، وتكتسب كل لحظة "عطر الأبدية". زهرة الربيع الصغيرة، المدفونة أوراقها تحت الثلج، ترفع أزهارا صفراء شاحبة. أشجار التفاح تزهر، ثم النرجس، ثم الكرز، فيما يواصل اللبلاب صعوده البطيء على جذوع الأشجار.

الطبيعة هنا لا تعزي الإنسان بقدر ما تذكره بأن الحياة لم تكن يوما ملكا له. إنها تستمر قبله وبعده، في دورة لا تحتاج إلى حضوره كي تكتمل

الطبيعة هنا لا تعزي الإنسان بقدر ما تذكره بأن الحياة لم تكن يوما ملكا له. إنها تستمر قبله وبعده، في دورة لا تحتاج إلى حضوره كي تكتمل. لهذا يحمل عنوان "حدائق معلقة" دلالة تتجاوز الصورة الشعرية. فهذه الحدائق معلقة بالفعل فوق فراغ، لكنها تزهر. والجمال كله معلق فوق زواله، ومن هذا الزوال يستمد جانبا من قوته.

يقول فيستر في الاستهلال إن الزهرة مؤثرة لأنها عابرة. ومن هنا تنشأ إحدى المفارقات المركزية في الكتاب: وعي الفناء، الذي يفترض أن يحجب جمال العالم، يجعله أكثر ظهورا. الأشياء التي عبرنا بجانبها آلاف المرات من دون أن نراها تستعيد فجأة فرادتها، ويصبح شعاع شمس على جدار أو انعكاس سماء رمادية في بركة ماء، حدثا يكاد يبلغ مرتبة المعجزة.

الجسد المتعب

لكن الموت عند فيستر تجربة للجسد أيضا. وكلما تقدمت المقاطع، صار حضوره أكثر مادية: الجسد يتعب، الخطوات تتباطأ، اليدان تستقران على الملاءة، ويطول الفاصل بين شهيق وزفير، ويظهر السرير الحديدي كأنه "مائدة قربان". هنا يفقد الموت شيئا من تجريده الفلسفي، إذ نجد أنفسنا أمام جسد يتخلى تدريجيا عن قدراته، أمام وعي يراقب هذا الانسحاب. مع ذلك لا يقع الشاعر في استعراض الألم. فحتى المشاهد الأقرب إلى النهاية تحتفظ بنبرة مقتصدة، كأن اللغة نفسها تتعلم أن تتخفف مع الجسد.

هذا التخفف أحد المفاتيح العميقة للكتاب. فالاقتراب من الموت يعني التخلي تدريجيا عن وهم السيطرة، وعن الرغبات والمواعيد والمشاريع والصورة التي كونها الإنسان عن نفسه. "يجب فقط أن نعتاد، يوما ما، ألا نكون شيئا"، يقول أحد المقاطع. وفي مكان آخر، يبدو "اللاوجود أجمل قصيدة". وليست هاتان العبارتان دعوة عدمية إلى محو الحياة، لأن الكتاب بأكمله يشهد على قيمتها. إنهما محاولة لتجريد الأنا من ادعائها بأنها مركز الوجود. وكلما تراجعت هذه الأنا، اتسع العالم: السماء، الضوء، النبات، الحيوان، وجوه الأحبة، وحتى الأشياء الأكثر تواضعا.

غلاف "حدائق معلقة"

يحتل الحب، من هنا، مكانا بالغ الأهمية في هذه الرحلة. فحين تتساقط أسباب التعلق بالعالم، الواحد تلو الآخر، يبقى وجه المحبوب. يخاطب الشاعر امرأة لا تزال حية، فيقول إن عينيها هما النجمتان الوحيدتان في ذلك الليل، وإن يديها صارتا دليليه الوحيدين. وفي موضع آخر يكتب: "يبقى الحب حلما، الوحيد حين تنهار الأحلام كلها". إنها لحظات شديدة الصفاء لأنها تضع الحب أمام الاختبار الأقصى: ماذا يبقى من العلاقة حين لا يعود المستقبل ممكنا؟ يبقى الحضور نفسه، هشا ومضيئا، كأنه آخر مقاومة للعزلة المطلقة.

لحظات شديدة الصفاء لأنها تضع الحب أمام الاختبار الأقصى: ماذا يبقى من العلاقة حين لا يعود المستقبل ممكنا؟ يبقى الحضور نفسه، هشا ومضيئا، كأنه آخر مقاومة للعزلة المطلقة

تكتسب الكتابة بدورها وضعا ملتبسا. يسأل فيستر: "ما جدوى قصيدة على مقربة من الموت؟" ولماذا نستمر في الكلام؟ يتكرر الشك في قدرة الكلمات على بلوغ ما يحدث. فهي تبدو أحيانا "لغة أجنبية لا يتكلمها الجسد ولا القلب حقا"، فيما يصبح الصمت أرضنا الأصلية التي تترجم منها الكلمات. ومع ذلك يستمر الكتاب في الكلام. وهذه المفارقة تمنحه توتره الأجمل: الشعر يعرف عجزه، لكنه يواصل الاقتراب من الصمت. لا يدعي القبض على الموت أو تفسيره، يختبر فقط إلى أي حد تستطيع اللغة أن تصل قبل أن تتوقف.

الضوء والصمت

من هنا أيضا تأتي بساطة الأسلوب. الجمل قصيرة غالبا، والصور واضحة، والمفردات مأخوذة من أكثر الأشياء يومية. لا يحتاج فيستر إلى زخرفة الموت كي يمنحه رهبة. بل إن بعض أجمل المقاطع تنشأ من تصادم العادي والمطلق: انتظار "صوت الأبواق المجلجل" الذي سيعلن اليقظة الكبرى، ثم اكتشاف أن الصوت ليس سوى عربة الطعام أو، أبطأ منها، عربة الأدوية. في هذا الانقلاب شيء من الفكاهة السوداء، لكنه يكشف أيضا رفض الشاعر لكل مسرحة زائفة للنهاية. الموت قد يكون "عاديا على نحو محزن"، كما يقول، والحياة اليومية تستمر حول المحتضر بإيقاعها الذي لا يكترث بالمأساة الفردية.

ومع تقدم الكتاب، تزداد أهمية الضوء والصمت، حتى يكادا يشكلان معا معجمه الخفي. الظلام موجود، والألم حاضر، والفراغ يتسع، لكن الضوء يعود بإلحاح غريب: أبيض، مائل، شاحب، ذهبي، منعكس على الثلج أو الماء أو الجدران. والصمت بدوره ليس مجرد انقطاع الكلام. إنه مادة تسمع الكلمات داخلها نفسها، بل تصبح الأصوات "ممتلئة به". كأن الموت، كلما اقترب، يجرد العالم من ضجيجه، فلا يبقى سوى ما يستحق أن يرى ويسمع.

ولعل أجمل تحولات "حدائق معلقة" أن الموت الذي بدا في البداية نهاية الحياة يصبح تدريجيا أداة لتعلمها. إذ يقول فيستر إننا، على مقربة منه، "نبدأ أخيرا في العيش"، ثم يعود لاحقا إلى السؤال الأكثر إيلاما: كيف أمكننا أن نحب الحياة بهذا القدر القليل، وأن نبذل كل ذلك الجهد في الهرب منها، فيما أصبحت اللحظة الواحدة الآن كنزا؟ هنا يبلغ الكتاب قلبه الأخلاقي. الموت لا يعلمنا شيئا عن العالم الآخر. إنه يعيدنا بعنف وحنان إلى هذا العالم، إلى ما كان أمام أعيننا طوال الوقت ولم نعرف كيف نراه.

جيرار فيستر

تفسر هذه الرؤية اجتماع العتمة والبهجة في الصفحات الأخيرة. لا تتحول النهاية إلى خلاص، ولا يقدم فيستر يقينا دينيا جاهزا. ثمة أسئلة عن الآلهة والأبدية واللامتناهي، وصور عبور واستيقاظ وضوء، لكنها تظل معلقة في مساحة الاحتمال. وحتى حين يتساءل طائر مالك الحزين الواقف في الماء الأسود عما إذا كان قد لمح "ضفة أخرى"، تبقى الجملة سؤالا. تلك الضفة ممكنة شعريا، أما اليقين فليس من شأن هذا الكتاب.

في القسم الختامي تبلغ عملية التجرد ذروتها. يتراجع الإحساس بالذات، ويبدو الزمن نفسه "زهرة الأبدية". يعود طائر الشحرور إلى الغناء، وتضحك طفلة، فيما يستمر العالم بعد الإنسان وفيه ومن دونه. ثم تأتي صورة تكاد تختصر المشروع كله: "العيش، في كل لحظة، قصيدة، بلا فن ولا كلمات". عندها تصبح القصيدة التي أمضت صفحاتها في التساؤل عن جدوى الكلام قادرة على تصور شعر لا يحتاج إلى لغة.

"في كل لحظة، قصيدة، بلا فن ولا كلمات". عندها تصبح القصيدة التي أمضت صفحاتها في التساؤل عن جدوى الكلام قادرة على تصور شعر لا يحتاج إلى لغة

"حدائق معلقة" كتاب عن الموت، بالتأكيد، لكنه أكثر من ذلك، كتاب عن النظر. فاقتراب النهاية يغير زاوية الرؤية حتى تبدو الأشياء للمرة الأولى كأنها خرجت لتوها إلى الوجود. الموت لا ينتصر هنا على الحياة، والحياة لا تهزمه. كلاهما يضيء الآخر في علاقة يستحيل فكها.

وربما لهذا يغلق القارئ الكتاب وفي داخله إحساس غريب بالسكينة والاضطراب معا: لقد ظل طوال الصفحات واقفا على حافة الهاوية، لكنه حين يرفع عينيه عنها يكتشف أن الحديقة، فوقها مباشرة، ما زالت مزهرة.

font change

مقالات ذات صلة