لم يكد الحبر يجف عن ورقة التفاهم بين الرئيسين الصيني شي جينبينغ، والأميركي دونالد ترمب بشأن إيران، خلال قمتهما في واشنطن، والتي عكست انتقالاً في مقاربة الدبلوماسية الصينية من الحرص على تجنب الانحياز المباشر في حرب إيران، إلى ممارسة ضغوط أكثر تحديداً على الجانب الإيراني، في مقدمتها وقف الهجمات على دول الخليج العربية، والتوقف عن محاولات عرقلة الملاحة في مضيق هرمز، حتى جاءت التطورات المتسارعة في اليمن لتفرض مزيداً من الضغوط على موقف بكين.
ولا تنبع هذه الضغوط من حسابات المصالح الصينية في المنطقة فحسب، ولا سيما علاقاتها التجارية الواسعة مع السعودية والإمارات ودول الخليج، واعتمادها على إمدادات النفط الخليجية، بل أيضاً من تأثير الاضطرابات في اليمن والبحر الأحمر على مساعي بكين، لتعزيز حضورها السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة. وهناك جانب أكثر حساسية يتعلق بالتزامات بكين، في إطار اتفاق المصالحة السعودية-الإيرانية، وما يفرضه التصعيد اليمني من اختبار لقدرتها على التوفيق بين علاقاتها بطهران وشراكاتها الخليجية.
التزامات اتفاق بكين
رغم أن اتفاق بكين، الموقّع في مارس/آذار 2023، والذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، لم يتناول ملف اليمن بصورة مباشرة، فإنه نصّ على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، إلى جانب تعزيز السلم والأمن الإقليميين. واليوم، تضع صلات جماعة "أنصار الله" الحوثية بطهران، وربط قادة في الجماعة ومسؤولين إيرانيين بين المواجهة الأميركية-الإيرانية، وأزمة مضيق هرمز، والتصعيد في اليمن، ومضيق باب المندب، تضع هذه الالتزامات أمام اختبار جدي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة؛ لأن قضية اليمن أُثيرت بوضوح في اجتماعات المتابعة الثلاثية الصينية-السعودية-الإيرانية. ففي البيان الختامي للاجتماع الثاني للجنة المتابعة، الذي عُقد في الرياض، في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أكدت الدول الثلاث مجدداً دعمها للتوصل إلى حل سياسي شامل للقضية اليمنية، وفقاً للمبادئ المعترف بها دولياً، وتحت رعاية الأمم المتحدة.
وفي "منتدى شيانغشان للأمن" في بكين، دعا الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة "مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية"، الصينَ إلى ممارسة دور أكبر في التأثير على السلوك الإيراني، مشيراً إلى أن الاعتداءات على السعودية تمثل خرقاً لاتفاق بكين.
مع ذلك، فإن الخبراء الصينيين يؤكدون أن اتفاق بكين لا يزال يؤمّن قناة اتصال سعودية-إيرانية مفيدة، في ظل احتمالات استنئاف العمليات العسكرية الأميركية الواسعة ضد إيران، وربما انضمام إسرائيل إليها. وفي هذا السياق، يشير سو ينغ، أستاذ في قسم التاريخ بجامعة شيخهتسي، في مقال بصحيفة "غلوبال تايمز" الصينية الرسمية، إلى اتصال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، قبل أيام، باعتباره دليلاً على أن القناة الصينية لا تزال فعالة.
المصالح المتقاطعة والقيود المتبادلة
ويقول دبلوماسي صيني يعمل في منطقة الخليج، في حديث خاص، إن التقييمات التي يرفعها الدبلوماسيون الصينيون إلى بكين تدعو إلى اضطلاع الصين بدور أكبر، بما يحمي علاقاتها المتنامية مع دول الخليج. لكنه يقرّ بصعوبة بلورة مقاربة فعّالة، في ظل تذبذب استراتيجية إدارة ترمب تجاه الأزمة، واستمرار واشنطن لاعباً دولياً رئيساً في المنطقة.


