سوفوس هلّه لـ"المجلة": يجب أن نعيد الأدب البابلي إلى العراق

يحلم بمشروع ترجمة عربي بعنوان "مكتبة بابل"

سوفوس هلّه لـ"المجلة": يجب أن نعيد الأدب البابلي إلى العراق

يبرز اسم سوفوس هلّه كواحد من أكثر الباحثين تأثيرا في إحياء الأدب الرافدي القديم وتقريبه من القارئ العادي. فقد جعل الباحث والمترجم والكاتب الدانماركي، المتخصص في الأدب البابلي والسومري، مهمته الأساس إخراج النصوص المسمارية الأكدية والسومرية من الرفوف الأثرية إلى أيدي القراء في كل مكان.

يشغل هلّه منصب باحث مشارك في جامعة برينستون العريقة، بعدما أرسى قواعد مسيرته العلمية بحصوله على الماجستير في الآشوريات من جامعة كوبنهاغن، ثم الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة آرهوس. وجمع في تكوينه العلمي بين دقة الاختصاصي في اللغات القديمة وحساسية الناقد الأدبي، وهو مزيج نادر أثمر أعمالا حظيت بتقدير واسع، وأهلته للحصول على جائزة الباحث الأوروبي الشاب لعام 2020. ولعل أبرز ما يعرف به هله هو اهتمامه العميق بشخصية إنخيدوانا، أقدم مؤلفة معروفة بالاسم في تاريخ البشرية. فقد كرس جزءا كبيرا من أبحاثه لإعادة قراءة شعرها وإبراز مكانتها المعقدة في عالم السلطة والدين والإمبراطورية ببلاد الرافدين، وترجم أشعارها إلى الدانماركية قبل أن يصدر عام 2023 كتابه ”الأعمال الشعرية الكاملة لإنخيدوانا: أول كاتبة في العالم“، وهو ترجمة شاملة لقصائدها إلى الإنكليزية مرفقة بدراسة وافية أعادت وضعها في سياقها التاريخي والسياسي. كما ارتبط اسم سوفوس هلة بملحمة جلجامش، التي ترجمها مرتين: الأولى إلى الدانماركية بالتعاون مع والده، الشاعر مورتن سوندرغارد، والثانية إلى الإنكليزية عام 2021 ضمن كتابه "جلجامش: ترجمة جديدة للملحمة القديمة".

أحدث كتبه الأكاديمية حمل عنوان "إنسان: تأملات بابلية في العمل"، وتناول فيه قصيدة "أتراحاسيس" البابلية، التي وصفها بأنها تحفة منسية في الفكر السياسي. في ما يأتي حوار "المجلة" معه حول ترجمته لأشعار إنخيدوانا وملحمة جلجامش وأبحاثه الأخرى.

كيف تعرفت إلى إنخيدوانا للمرة الأولى، وما الذي أثار اهتمامك بها؟

سمعت للمرة الأولى عن إنخيدوانا خلال مقرر تمهيدي في الأدب السومري. وشعرت بالدهشة فورا عندما علمت أن أول مؤلفة وقعت اسمها على نص أدبي كانت امرأة، وأنها كتبت ترانيم لإنانا، إلهة التغيير والتناقض.

بينما يروي هوميروس الحرب من منظور الأبطال والمحاربين، فالحرب عند إنخيدوانا ليست تجربة بطولية يخوضها المقاتلون، بل حدث يستهدف الناس ويتركهم في موضع الخضوع والأسر

 كانت إنخيدوانا بالنسبة إلي لحظة إدراك مبكرة ومهمة، إذ أدركت من خلالها أن ثمة كما هائلا من النصوص الرائعة المكتوبة بالخط المسماري، وهي نصوص تكاد تكون مجهولة تماما خارج الأوساط الأكاديمية، ومنذ ذلك الحين، كرست عملي لإتاحة هذه الكنوز لشريحة أوسع من القراء.

غلاف "إنخيدوانا"

مكانة إنخيدوانا

تكشف ترجمتك أيضا عن موقع إنخيدوانا داخل منظومة الإمبراطورية والحرب والسلطة السياسية. كيف يغير إدراك هذا الجانب من حياتها ودورها الطريقة التي نفهم بها إرثها الأدبي؟

سيكون من السهل أن نرى في إنخيدوانا مجرد أيقونة نسوية، لكن قصتها أكثر تعقيدا من ذلك. فقد أسس والدها سرجون أول إمبراطورية معروفة، واحتفت إنخيدوانا بقدرة الإلهة إنانا على القضاء على كل من يختار التمرد. لكن ذلك زاد اهتمامي بها بدل أن يقلله. لا توجد شخصية بسيطة في تاريخ الأدب: فالعديد من أشهر مؤلفي الأدب العالمي هم شخصيات معقدة سياسيا. انطلاقا من هذا يمكننا أن نحتفي ببعض جوانب شخصية إنخيدوانا بينما ننتقد جوانب أخرى.

هل يمكن لوضع إنخيدوانا في بداية التاريخ الأدبي أن يغير الطريقة التي نفهم بها تاريخ الأدب، ودور النساء فيه؟

هذا ما أتمناه، وإن كان من الصعب أن أحدد بدقة كيف سيبدو تاريخ أدبي يبدأ بإنخيدوانا. غير أن المرء يمكنه أن يقارن بين تصوير هوميروس للحرب - الذي كثيرا ما يعد نقطة بداية التاريخ الأدبي - وبين تصوير إنخيدوانا لها. فبينما يروي هوميروس الحرب من منظور الأبطال والمحاربين، تقدم إنخيدوانا صورة مغايرة تماما: الحرب عندها ليست تجربة بطولية يخوضها المقاتلون، بل حدث يستهدف الناس ويتركهم في موضع الخضوع والأسر، والجنود الوحيدون الذين نراهم في نصوصها هم أسرى يساقون مقيدين بالسلاسل أمام إنانا.

ترجمة جلجامش

ما الذي يميز ترجمتك لملحمة جلجامش عن العديد من الترجمات الأخرى المتاحة في الإنكليزية؟ وما الذي تقدمه ترجمتك للقراء مما لا يجدونه في ترجمات أخرى؟

يمكن تشبيه الترجمة بموشور زجاجي يحيل شعاعا أبيض من الضوء إلى طيف من ألوان قوس قزح، فتلك الألوان كلها كانت كامنة في الشعاع الأصلي. وعلى نحو مماثل، تكشف كل ترجمة لنص ما عن بعض جوانبه ودلالاته، لكنها لا تستطيع أن تنقل طيفه بأكمله. ولا يمكن المرء أن يستشعر مدى كثرة الألوان الموجودة في الأصل إلا من خلال قراءة ترجمات عدة. تلتقط الترجمات الأخرى لجلجامش المعنى الحرفي للنص، ونبرته القديمة، وما إلى ذلك، غير أنني حرصت في ترجمتي على إبراز الخصائص الشفاهية للنص: من جناس وإيقاع وقافية ناقصة أو مقيدة، وما شابه ذلك.

غلاف "جلجامش"

ترجمت ملحمة جلجامش أيضا إلى اللغة الدانماركية مع والدك، الشاعر مورتن سوندرغارد. كيف وزعتما العمل بينكما؟

والدي شاعر، وكانت الترجمة التي أنجزتها معه أول محاولة لي لتأليف كتاب، لذلك كنت لا أزال أتعلم الترجمة في ذلك الوقت. أعددت نسخة أولية من الترجمة حافظت فيها على قربها من معنى الأصل، وأشرت إلى التأويلات المختلفة الممكنة للسطر، ثم عملنا معا على صوغ نسخة شعرية منه.

وصفت الترجمة بأنها انتقال من "صيغة الجمع إلى المفرد"، ومن الشظايا إلى كتاب واحد كامل. هل يخاطر إنشاء نص موحد بجعل الأصل يبدو أكثر اكتمالا مما هو عليه في الواقع؟

أعتقد أن الترجمة تنتقل من صيغة الجمع إلى المفرد، ثم تعود من جديد إلى صيغة الجمع. ذلك أن النص الأصلي لملحمة جلجامش يتسم بقدر كبير من التنوع الذي لا أستطيع نقله: فهو موجود في العديد من المخطوطات، ولكل سطر معان متعددة، وخضع للعديد من التغييرات على مر الزمن، وكان الأصل أقرب إلى سلسلة من الحلقات منه إلى نص واحد. وهذا ليس سوى بعض التعدد الذي يتعين على كتابي أن يبسطه.

ما يجعل القصيدة عملا كلاسيكيا مهما هو أنها تنجح، في نص قصير نسبيا، في جمع هذا العدد الهائل من الموضوعات ونسجها معا في كل متماسك، بدلا من أن تتمحور حول موضوع واحد

 تتيح الترجمة أيضا إمكان لقاء قراء جدد بالنص، وأن تكون لهم استجاباتهم الخاصة تجاهه، وربما أن يعيدوا روايته بطريقتهم الخاصة، مما يقودنا من المفرد عائدين إلى صيغة الجمع، كما في شكل الساعة الرملية.

تستكشف ملحمة جلجامش الصداقة والحب والحزن والسلطة والخوف من الموت. أي من هذه الموضوعات، في رأيك، يتحدث بقوة أكبر إلى قراء اليوم؟

أكثر ما يلفت نظري في التلقي الحديث لملحمة جلجامش هو الطريقة التي يستجيب بها أشخاص مختلفون لجوانب مختلفة من القصيدة. فبعضهم يركز على الحزن، وبعضهم الآخر على السعي إلى الخلود، بينما يركز غيرهم على التباين بين الطبيعة والثقافة، وهلم. أعتقد أن ما يجعل القصيدة عملا كلاسيكيا مهما هو أنها تنجح، في نص قصير نسبيا، في جمع هذا العدد الهائل من الموضوعات ونسجها معا في كل متماسك، بدلا من أن تتمحور حول موضوع واحد بعينه.

مكتبة الأدب البابلي

يفتتح مشروعكم حول ملحمة الخلق البابلية "إنوما إيليش" سلسلة "مكتبة الأدب البابلي". لماذا اخترت هذا النص تحديدا لإطلاق السلسلة؟

تمثل ملحمة الخلق البابلية نقطة تحول في تاريخ الثقافة البابلية لأنها كتبت في وقت كان الدين البابلي يتغير فيه. أما في الفترات السابقة، فكان المشهد الثقافي شديد التنوع: كان العالم محكوما بآلهة متعددة، في مقدمتهم الثلاثي إنليل وآنو وإيا. وحاولت ملحمة "إنوما إيليش" ترسيخ رؤية جديدة يتربع فيها الإله مردوخ على القمة، وتأتي جميع الآلهة الأخرى دونه. ووفقا لهذا اللاهوت، رفع مردوخ فوق سائر الآلهة، بالقدر نفسه الذي تسمو فيه الآلهة فوق البشر. حتى أن القصيدة توحي بأن الآلهة الأخرى ليست سوى وجوه أو تجليات لمردوخ. لم يحظ هذا التصور اللاهوتي الجديد بقبول الجميع، إذ واجه معارضة واسعة داخل الثقافة البابلية. غير أن هذا الجدل نفسه أسهم في جعل ملحمة الخلق "إنوما إيليش" نصا أكثر تأثيرا، إذ استجابت لها نصوص شعرية أخرى، من بينها "إرا".

غلاف "إنوما إيليش"

ذكرت أن ملحمة "إنوما إيليش" تصور الخلق بوصفه فعلا لغويا، إذ تتشكل الأشياء والكائنات وتكتسب أسماءها في آن واحد. ما الذي تكشفه هذه الصلة الوثيقة بين التسمية والهوية وتشكل العالم عن تصور البابليين لقوة اللغة وقدرتها على تشكيل الواقع؟

تحتل اللغة مكانة محورية في الثقافة البابلية، وتتجلى هذه المكانة في نصوص عديدة أبرزها ملحمة "إنوما إيليش". ويرجع ذلك، إلى حد ما، إلى أن الثقافة البابلية كانت ثنائية اللغة في جوهرها: ففي الفترات المبكرة، انتشرت اللغة الأكدية، وهي لغة قريبة من العربية، جنبا إلى جنب مع السومرية، وهي لغة لا تمت بصلة إلى أي لغة أخرى معروفة. وقد أفضى التفاعل بين اللغتين إلى أن يولي البابليون اللغة عناية خاصة منذ وقت مبكر. وترى "إنوما إيليش"، على وجه الخصوص، أن الخلق هو انتقال من السائل إلى الثابت: فكل شيء يبدأ بالماء، ثم تبدأ الأشكال في الظهور تدريجيا من البحار، ليصبح بالإمكان بعد ذلك تسميتها وتحديد وظائفها ضمن نظام العالم. وهكذا، تعبر اللغة، وفقا لـ"إنوما إيليش" عن بنية الكون.

تقدم في "مكتبة الأدب البابلي"، بعضا من أقدم النصوص الشعرية في العالم إلى جمهور واسع. ما الذي تأمل أن تغيره هذه السلسلة في طريقة قراءتنا للأدب البابلي وفهمنا له؟

يمر الأدب البابلي اليوم بمرحلة مثيرة للغاية. ففي الوقت الذي يمر فيه معظم العالم بأوقات عصيبة، تشهد دراسة الأدب البابلي ازدهارا غير مسبوق. وهناك أسباب عدة لذلك، لكن أهمها، في رأيي، موقع "المكتبة البابلية الإلكترونية"، الذي أتاح للباحثين مجموعة جديدة تماما من الأدوات لدراسة النصوص، وجعل فهمها أكثر سهولة بكثير. في السابق، كان علينا أن نفك رموز النصوص ونستجليها، أما الآن، فأصبح في إمكاننا قراءتها بوصفها قصائد.

في ملحمة "إنوما إيليش" البابلية كل شيء يبدأ بالماء، ثم تبدأ الأشكال في الظهور تدريجيا من البحار، ليصبح بالإمكان بعد ذلك تسميتها وتحديد وظائفها ضمن نظام العالم

 وتهدف "مكتبة الأدب البابلي" إلى البناء على هذه التطورات ودفع دراسة هذه القصائد إلى آفاق أبعد، لا سيما من خلال إصدار سلسلة من الترجمات الإنكليزية الجديدة. ويحدوني أمل كبير في أن أتمكن، خلال السنوات المقبلة، من إنشاء نظير عربي لها، وأود أن أسميه "مكتبة بابل". ويتمثل هدفي في الاستعانة بمترجمين عرب والعمل معهم على إعداد ترجمات عربية لهذه القصائد، تكون شعرية وسهلة القراءة في آن واحد. وأعتقد أن ذلك ممكن بفضل مدى قرب الأكدية من العربية، ففي كثير من الحالات، يمكن نقل أبيات جميلة، بل وحتى بعض التوريات، بسهولة من إحدى اللغتين إلى الأخرى. وفي غضون ذلك، يستطيع القراء الوصول مجانا إلى الترجمات العربية المتاحة في "المكتبة البابلية الإلكترونية"، لكن ينبغي أن يدركوا أن هذه الترجمات لم تعد لتكون شعرية، وإنما تهدف فقط إلى نقل المعنى الدقيق للنص. كما أن بعض الأعمال الأكدية لا تزال قيد الوضع في الموقع الإلكتروني.

 AHMAD AL-RUBAYE / AFP
أطلال مدينة بابل القديمة في الموقع الأثري المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، بمحافظة بابل قرب مدينة الحلة، على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب العاصمة العراقية بغداد، 7 مارس 2022

لماذا الأساطير؟

ما الذي يدفع البشرية إلى العودة المتواصلة إلى الأساطير؟

أعتقد أن الأساطير هي قصص متجولة، فهي تعيش من طريق انتقالها من فم إلى فم ومن شكل إلى آخر. تعيش القصة في كتاب واحد، وقد تنتقل بعد ذلك، على سبيل المثل، إلى فيلم، لكن ذلك يشبه الانتقال من منزل إلى آخر.

 أما الأساطير فهي مثل البدو الرحل: إنها تتنقل دائما. فقد تروى الأسطورة في قصيدة، وفي مسرحية، وفي لوحة، وهلم. ولأنها تترحل دائما، عليها أن تستمر في التغير، وأن تتكيف مع وسيطها وسياقها الجديدين. وبذلك تظل الأساطير حية من طريق تحولاتها المتعاقبة، إذ يبرز كل سرد جديد وجه القصة الأنسب لزمانها ومكانها.

غلاف "الأساطير البابلية"

في كتابك "الأساطير البابلية: دليل إلى الآلهة والأساطير القديمة"، تقدم القصص القديمة عن الآلهة والأبطال والحب والفقدان والخلق والدمار إلى جمهور حديث. ماذا تكشف هذه الأساطير عن التجارب الإنسانية التي لا تزال تربط بيننا عبر آلاف السنين؟

هذا الكتاب عبارة عن نظرة عامة إلى الأساطير البابلية، ويتنقل ذهابا وإيابا بين القصص الأسطورية ومشاهد لأشخاص حقيقيين تفاعلوا مع هذه الأساطير.

تظل الأساطير حية من طريق تحولاتها المتعاقبة، إذ يبرز كل سرد جديد وجه القصة الأنسب لزمانها ومكانها

 فعلى سبيل المثل، يتناول الفصل الافتتاحي امرأة تدعى بيلسونو، وكانت واحدة من نساء كثيرات في مدينة سيبار، تزوجن إله الشمس شمش. ولذلك، لم يكن شمش بالنسبة إليها مجرد شخصية أسطورية بعيدة، بل كان زوجها. ومع ذلك، كانت بيلسونو تواجه أيضا صعوبات إنسانية حقيقية. ففي ذلك الوقت، كانت الكثير من النساء في مدينتها يستثمرن في العقارات، وكانت هناك دعوى قضائية معقدة بين أربع نساء في شأن ميراث بيلسونو. لذلك أعتقد أنها مثال جيد لما أعده من سمات التجربة الإنسانية آنذاك والآن.

كان البابليون مثلنا تماما من بعض النواحي: كان عليهم هم أيضا أن يتعاملوا مع الدراما العائلية والدعاوى القضائية والميراث والاستثمار، وما إلى ذلك. لكن من نواح أخرى، كانوا مختلفين عنا اختلافا كبيرا: فقد كان بإمكانهم أن يتزوجوا إله الشمس. وأعتقد أنه عند دراسة التاريخ، ينبغي دائما أن نأخذ في الاعتبار هذين الأمرين معا: أوجه الترابط وأوجه الاختلاف.

 Sabah ARAR / AFP
لوح جلجامش، وهو لوح طيني مسماري من بلاد ما بين النهرين يعود تاريخه إلى 3500 عام، معروض في وزارة الخارجية العراقية بالعاصمة بغداد، 7 ديسمبر 2021، بعد استعادته من الولايات المتحدة

العودة إلى العراق

العديد من الألواح التي تعمل عليها اليوم محفوظة في متاحف في لندن وبرلين وباريس، وقد أخرجت من العراق خلال الحقبة الاستعمارية. كيف تنظر إلى هذا التاريخ عندما تجلس لترجمة هذه النصوص؟

أعتقد أن من المهم، في دراسة الأدب البابلي، أن نضع في أذهاننا الجذور الإمبراطورية التي قام عليها تخصصنا. فهذا المجال لم يبدأ إلا مؤخرا في مواجهة ماضيه الاستعماري المدمر. وأحب أن أشير هنا إلى أن زوجتي، آية لبنية، تجري أبحاثا حول علماء الآثار الذين عملوا في العراق حتى في القرن التاسع عشر، والذين كانوا في الوقت نفسه يعملون لصالح جهاز المخابرات الإمبراطوري السري، وقد تعلمت منها الكثير حول هذا الموضوع.

من الضروري أن ندفع في اتجاه إعادة الأدب البابلي إلى العراق، حتى يتمكن العراقيون من تكوين فهم أعمق لتراثهم الثمين

 أعتقد أنه من الضروري أن ندفع في اتجاه إعادة الأدب البابلي إلى العراق، سواء في صورة ألواح مسمارية، أو في صورة ترجمات عربية أفضل، وكتابات تمهيدية تعرف بهذا الأدب الغني والرائع، حتى يتمكن العراقيون من تكوين فهم أعمق لتراثهم الثمين.

لو كان بإمكانك استعادة نص بابلي أو سومري نعرف أنه كان موجودا يوما ما، لكن لم يصلنا منه شيء، فأي نص كنت ستختار، ولماذا؟

لا يتعلق الأمر كثيرا برغبتي في استعادة نص محدد، بل باستعادة مقطع بعينه من نص. فالأدب المسماري محفوظ على ألواح من الطين، وهي مادة رائعة وأشد متانة بكثير من ورق البردي الذي استخدمه المصريون. ولهذا السبب وصل إلينا قدر كبير من الأدب البابلي. لكن الطين ينكسر بسهولة أيضا، ولذلك تعاني النصوص من فجوات كثيرة. فعلى سبيل المثل، لم نتمكن من استعادة سوى نحو ثلاثة أرباع قصيدة جلجامش. وهناك مقطع واحد أتمنى، على وجه الخصوص، أن نتمكن من استعادته: خاتمة اللوح الثاني من قصيدة "أتراحاسيس". "أتراحاسيس" هي قصيدتي البابلية المفضلة، أما المقطع المفقود منها فيصف كيف قررت الآلهة تدمير العالم بالطوفان. لم يبق منه سوى شذرات صغيرة، لكنها توحي بأنه كان مشهدا بالغ الإثارة. غير أننا لا نستطيع أن نقول عنه الكثير ما لم نعثر على شاهد نصي جديد.

font change

مقالات ذات صلة