هل يتفكك "الاتحاد البريطاني"؟

يتجه تدريجيا نحو الابتعاد عن نموذج الحكم المركزي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
لافتة معلّقة على قاعة القرية في بيدينغتون بمقاطعة أوكسفوردشاير شمال غربي لندن، بالتزامن مع تصويت رمزي لسكانها على الانفصال عن المملكة المتحدة، 15 سبتمبر 2026

هل يتفكك "الاتحاد البريطاني"؟

كان التصويت على الانفصال مفاجأة باغتت الجميع في وستمنستر. ففي سبتمبر/أيلول، أجرت قرية بيدينغتون في أوكسفوردشاير استفتاء لإعلان الاستقلال عن المملكة المتحدة. بالطبع، لم يحمل التصويت أي صفة قانونية، وكان مجرد بادرة رمزية من سكان القرية البالغ عددهم 350 نسمة (صوّت 285 منهم لصالح الانفصال)، احتجاجا على خطط لإيواء أكثر من ألف طالب لجوء من الذكور في قاعدة عسكرية قريبة. وعلى الرغم من أن الحكومة البريطانية استخفت بهذه الخطوة واعتبرتها استعراضا سياسيا، فإنها تزامنت مع نقاش أكثر جدية، حول الانفصال، عُقد قبل أيام في كارديف، حيث استضاف رئيس وزراء ويلز المنتخب حديثا وزعيم "حزب بلاي كمري" القومي الويلزي، رون أب إيورورث، اجتماعا ضم أحزابا سياسية "سلتية" أخرى لمناقشة الاستقلال عن المملكة المتحدة.

وقّع كل من زعيم "الحزب الوطني الاسكتلندي" والوزير الأول لاسكتلندا، جون سويني، ونائبة رئيس "حزب شين فين"، ورئيسة وزراء أيرلندا الشمالية، ميشيل أونيل، ورئيسة "حزب شين فين" وزعيمة المعارضة في أيرلندا، ماري لو ماكدونالد، مذكرة تفاهم مع أب إيورورث، يدعون فيها الحكومة البريطانية إلى "الاستعداد والتخطيط وتسهيل التغيير الدستوري"، على أمل أن يؤدي ذلك في النهاية إلى حق تقرير المصير. جاء ذلك بعد أيام من تصريح دونالد ترمب المثير للجدل خلال زيارته لدبلن، حيث قال إنه "يحب" أن يرى أيرلندا موحدة. ومع أن رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بيرنهام، قد لا يعتريه القلق على المدى القريب إزاء أي من هذه الانفصالات المحتملة، وخصوصا بيدينغتون، فهو يرى فيها تأكيدا على أن هواجس تفكك المملكة المتحدة لا تزال حية ولم تختفِ قط.

أ.ف.ب
رون أب إيورورث من حزب "بلايد كيمرو" الويلزي، وزعيم الحزب الوطني الاسكتلندي، وماري لو ماكدونالد وميشيل أونيل من حزب "شين فين" الأيرلندي، خلال اجتماع للمطالبة باستفتاءات على تقرير المصير في مناطقهم، ويلز، 14 سبتمبر 2026

بيد أن الواقع يعكس صورة أكثر تعقيدا؛ فعلى الرغم من رغبة الأحزاب السياسية "السلتية" في تقديم جبهة موحدة، فإن "دولها" الثلاث تجد نفسها في مواقف سياسية مختلفة تماما تجاه لندن، الأمر الذي يلقي بظلاله على مدى واقعية مغادرة أي منها أو جميعها المملكة المتحدة مستقبلا.

القضية الأيرلندية الجديدة

لعل التهديد الأكبر لاستمرار الوحدة بين بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية يأتي من وراء البحر الأيرلندي. وعلى عكس ويلز واسكتلندا، تمتلك أيرلندا الشمالية آلية قانونية قائمة لإنهاء الحكم من لندن. فاتفاقية الجمعة العظيمة لعام 1998، التي أنهت إلى حد كبير "الاضطرابات" التي استمرت ردحا طويلا من الزمن، تنص على أن أيرلندا الشمالية ستظل جزءا من المملكة المتحدة إلى أن يصوت أغلبية سكان المقاطعة بخلاف ذلك.

من جهة، يعد هذا ضمانا لمناصري الوحدة. ففي عام 2022، نجح الحزب الجمهوري "شين فين" بحصد معظم مقاعد برلمان أيرلندا الشمالية المتعثر سياسيا للمرة الأولى، إلا أن أحدث استطلاعات الرأي توضح أن نسبة المؤيدين للوحدة الفورية مع جمهورية أيرلندا، رغم هذا الفوز، لا تتعدى 35.8 في المئة من السكان.

في استفتاء عام 2014، صوّت 55 في المئة من الاسكتلنديين ضد الاستقلال، مقابل 45 في المئة أيدوه. لكن استطلاعات الرأي منذ ذلك الحين تشير إلى احتمال حدوث تحول في مواقف الناخبين

بيد أن ما يثير قلق الوحدويين في لندن وأيرلندا الشمالية، الذين يؤيدون بقاء أيرلندا الشمالية جزءا من المملكة المتحدة، هو اتجاه مسار الانفصال. ففي عام 2013، أظهر استطلاع للرأي أن 17 في المئة فقط يؤيدون الوحدة مع جمهورية أيرلندا، في حين أراد 65 في المئة البقاء جزءا من المملكة المتحدة. أما الآن فقد تضاعف هذا العدد أكثر من مرتين.

ويتجلى هذا التحول بوضوح كبير بين فئة الناخبين الشباب. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "لوسيد" عام 2025 أن 50 في المئة ممن تقل أعمارهم عن 35 عاما، والذين نشأ معظمهم بعد الصراع في بيئة اتسمت بمزيد من التسامح والاندماج بين المجتمعات البروتستانتية والكاثوليكية، يؤيدون تلك الوحدة، بينما يعارضها 44 في المئة. وتشير الأبحاث إلى أن ازدهار جمهورية أيرلندا نسبيا مقارنة بأيرلندا الشمالية في السنوات الأخيرة، وبقاءها في الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قد جعل الانفصال عن المملكة المتحدة أكثر جاذبية للشباب، حتى أولئك الذين ربما لم يكونوا تاريخيا من ذوي الميول الجمهورية.

وبينما يميل أونيل وماكدونالد وحتى ترمب إلى تسريع وتيرة التوحيد، تشير استطلاعات الرأي إلى أن الزخم المؤيد لهذا المسار مرشح للنمو مع الوقت، ما لم يطرأ تغيير اقتصادي أو سياسي جذري يرجح كفة جاذبية لندن على دبلن بنظر الناخبين في أيرلندا الشمالية. وباستثناء إلغاء اتفاقية الجمعة العظيمة، لن تجد لندن أي وسيلة لمنع هذا السيناريو إذا تحقق.

أ.ف.ب
صورة جوية لقاعدة عسكرية سابقة اقترحت الحكومة البريطانية إيواء نحو 1,200 طالب لجوء فيها، في بيستر قرب قرية بيدينغتون في أوكسفوردشاير شمال غربي لندن، في 15 سبتمبر 2026

ومع ذلك، ثمة تساؤلات حول ما إذا كانت لندن ستعترض على وحدة أيرلندا إذا اختارها مواطنو أيرلندا الشمالية في التصويت. ولا تعد هذه قضية بارزة بين عامة الناس، حيث أفاد 54 في المئة من البريطانيين (الأشخاص من إنكلترا واسكتلندا وويلز) في استطلاع رأي أجرته مؤسسة "يو جوف" (YouGov) عام 2020 أنهم "لن يكترثوا بأي حال من الأحوال" بخروج أيرلندا الشمالية من المملكة المتحدة، بينما قال 24 في المئة فقط إنهم "سيشعرون بالاستياء". وفي المقابل، ستكون أي مسألة تتعلق باستقلال اسكتلندا أو ويلز أكثر إثارة للجدل.

اسكتلندا وويلز

صرح رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام أن إجراء استفتاء جديد على الاستقلال في اسكتلندا "غير وارد على الإطلاق". وقد أثار هذا التصريح خلافات مع الوزير الأول، سويني، الذي يصر على أن البرلمان الاسكتلندي في هوليرود لديه الحق في المطالبة بإجراء مثل هذا الاستفتاء، نظرا لأن الأحزاب المؤيدة له (الحزب الوطني الاسكتلندي وحزب الخضر الاسكتلندي) تشكل أغلبية في الانتخابات الاسكتلندية التي جرت في مايو/أيار.

وبالرغم من ذلك، أعلنت المحكمة العليا في المملكة المتحدة عام 2022 أن هوليرود لا يمكنها سن تشريع لإجراء استفتاء على الاستقلال دون موافقة لندن، ويعارض بيرنهام، إلى جانب الأحزاب البريطانية الرئيسة الأخرى في وستمنستر، إجراء أي استفتاء من هذا القبيل.

في ظل هذه العقبات الدستورية، تبدو فرص سويني في الوفاء بوعده بإجراء استفتاء على الاستقلال خلال السنوات الخمس المقبلة محدودة. وحتى إن تمكن من تجاوز هذه العقبات وإجراء الاستفتاء، فإن الفوز فيه قد يمثل تحديا أكبر.

ففي استفتاء عام 2014، صوّت 55 في المئة من الاسكتلنديين ضد الاستقلال، مقابل 45 في المئة أيدوه.

لكن استطلاعات الرأي منذ ذلك الحين تشير إلى احتمال حدوث تحول في مواقف الناخبين، ولا سيما في ظل الاستياء الذي أثاره خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، رغم تصويت أغلبية الاسكتلنديين لصالح البقاء فيه خلال استفتاء عام 2016. ومع ذلك، أظهرت استطلاعات رأي أجرتها مؤسسة "يوغوف"  (YouGov) في فبراير/شباط أن 42 في المئة فقط يؤيدون الاستقلال، مقابل 49 في المئة يعارضونه، فيما لم يحسم 10 في المئة موقفهم بعد.

رويترز
رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام أمام مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت بلندن متوجهاً إلى أول جلسة له في أسئلة رئيس الوزراء بمجلس العموم، في 2 سبتمبر 2026

وهذه الأرقام بعيدة عن التأييد الشعبي الواسع الذي يتحدث عنه سويني، وتكشف استمرار الانقسام في اسكتلندا بشأن الاستقلال. وفي ظل معارضة لندن الشديدة، يبدو إجراء الاستفتاء في المستقبل القريب أمرا مستبعدا، وحتى إن أُجري، فإن نتيجته لن تكون مضمونة لصالح الاستقلال.

المملكة المتحدة تتجه تدريجيا نحو الابتعاد عن نموذج الحكم المركزي الذي طبع جزءا كبيرا من تاريخها الحديث

ثمة غموض مماثل يكتنف وضع ويلز. فقد كان فوز حزب "بلاي كيمري" في انتخابات البرلمان الويلزي (سينيد) في مايو/أيار المرة الأولى التي يصبح فيها القوميون الويلزيون أكبر كتلة في البرلمان، ويتولى أحد قادتهم منصب الوزير الأول لويلز.

وبذلك، بات القوميون يتصدرون المشهد السياسي بوصفهم أكبر الأحزاب تمثيلا في البرلمانات الثلاثة المفوضة في المملكة المتحدة. لكن أب إيورورث بدا أكثر حذرا في ما يتعلق بمسألة الاستقلال، ربما سعيا إلى كسب مزيد من الأصوات. فعلى الرغم من الثقة التي حظيت بها مذكرة كارديف، تعهد بعدم السعي إلى إجراء استفتاء على الاستقلال خلال الولاية الأولى لحكومة "بلاي كيمري"، بما ينسجم مع سياسة الحزب المتبعة منذ سنوات.

وبدلا من التركيز على مسألة الانفصال، أكد أن أولوياته ستكون الصحة والتعليم والاقتصاد. وليس ذلك مفاجئا في ظل محدودية التأييد الشعبي للاستقلال. فقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن نحو ثلث الناخبين فقط يؤيدونه. ويبدو أن طريق الاستقلال أكثر صعوبة أمام القوميين في ويلز منه في اسكتلندا وأيرلندا الشمالية؛ إذ يتعين عليهم أولا إقناع لندن بوجود تأييد شعبي حقيقي لإجراء استفتاء، ثم إقناع الناخبين الويلزيين بالتصويت لصالح الاستقلال إذا أُتيحت لهم هذه الفرصة.

التغييرات في إنكلترا

على الرغم من الثقة التي يبديها قادة الأحزاب السلتية في كارديف، فإن طريق الانفصال عن لندن لا يزال وعرا ومحفوفا بالتحديات، وقد يكون الحديث عن تفكك المملكة المتحدة سابقا لأوانه. وتختلف أيرلندا الشمالية عن اسكتلندا وويلز في جانبين مهمين: أولهما تنامي الميل نحو الوحدة الأيرلندية بين الأجيال الشابة، وثانيهما امتلاك أيرلندا آلية قانونية راسخة يمكن من خلالها إحداث مثل هذا التغيير الدستوري.

أما تصريح ترمب بأنه "من الأفضل أن يحدث التوحيد الآن"، فيبدو سابقا لأوانه، ولا سيما في ظل غياب حماس حقيقي من جانب دبلن للدفع في هذا الاتجاه.

ومع ذلك، قد تصبح قضية الوحدة الأيرلندية أكثر إلحاحا خلال العقد المقبل. أما القوميون في اسكتلندا وويلز، فيواجهون مجموعة مختلفة من العقبات؛ فكلاهما يصطدم بعوائق قانونية وسياسية كبيرة تحول دون مجرد إجراء استفتاء على الاستقلال، وسيكون عليهما بعد ذلك إقناع رأي عام لا يزال متشككا في جدوى الانفصال. لذلك، من المرجح أن لا يحرز أي منهما تقدما كبيرا في هذا المسار.

ومن المفارقات أن أحد العوامل التي جرى تجاهلها أو التقليل من شأنها قد يكمن في التغيرات التي تشهدها إنكلترا نفسها. فعلى الرغم من موقفه المتشكك في استقلال الأقاليم السلتية، تتمثل إحدى أبرز سياسات بيرنهام في إنكلترا في منح المناطق مزيدا من اللامركزية والاستقلالية. فهو يسعى إلى توسيع صلاحيات رؤساء البلديات الإقليميين في مجالات مثل الضرائب والنقل وغيرها، بهدف تعزيز النمو المحلي وتحسين مستوى الحكم.

رويترز
قصر وستمنستر في لندن، بريطانيا، 22 سبتمبر 2023

وربما يأمل بيرنهام أن يسهم ذلك في إضعاف بعض الحجج التي يستند إليها القوميون السلت، وأن تصبح اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية أكثر قدرة على ممارسة الحكم الذاتي ضمن المملكة المتحدة، ولكن من دون الانفصال عنها. ومن جهة أخرى، قد يكون لهذا التوجه أثر عكسي، إذ يمكن أن يدفع القوميين إلى المطالبة بمزيد من الصلاحيات في ظل اتساع نطاق اللامركزية والتمكين المحلي.

ومما لا شك فيه أن المملكة المتحدة تتجه تدريجيا نحو الابتعاد عن نموذج الحكم المركزي الذي طبع جزءا كبيرا من تاريخها الحديث. وحدها الأيام ستكشف مدى قدرة "الاتحاد" على استيعاب هذه التغيرات والحفاظ على تماسكه على المدى البعيد.

font change

مقالات ذات صلة