كان التصويت على الانفصال مفاجأة باغتت الجميع في وستمنستر. ففي سبتمبر/أيلول، أجرت قرية بيدينغتون في أوكسفوردشاير استفتاء لإعلان الاستقلال عن المملكة المتحدة. بالطبع، لم يحمل التصويت أي صفة قانونية، وكان مجرد بادرة رمزية من سكان القرية البالغ عددهم 350 نسمة (صوّت 285 منهم لصالح الانفصال)، احتجاجا على خطط لإيواء أكثر من ألف طالب لجوء من الذكور في قاعدة عسكرية قريبة. وعلى الرغم من أن الحكومة البريطانية استخفت بهذه الخطوة واعتبرتها استعراضا سياسيا، فإنها تزامنت مع نقاش أكثر جدية، حول الانفصال، عُقد قبل أيام في كارديف، حيث استضاف رئيس وزراء ويلز المنتخب حديثا وزعيم "حزب بلاي كمري" القومي الويلزي، رون أب إيورورث، اجتماعا ضم أحزابا سياسية "سلتية" أخرى لمناقشة الاستقلال عن المملكة المتحدة.
وقّع كل من زعيم "الحزب الوطني الاسكتلندي" والوزير الأول لاسكتلندا، جون سويني، ونائبة رئيس "حزب شين فين"، ورئيسة وزراء أيرلندا الشمالية، ميشيل أونيل، ورئيسة "حزب شين فين" وزعيمة المعارضة في أيرلندا، ماري لو ماكدونالد، مذكرة تفاهم مع أب إيورورث، يدعون فيها الحكومة البريطانية إلى "الاستعداد والتخطيط وتسهيل التغيير الدستوري"، على أمل أن يؤدي ذلك في النهاية إلى حق تقرير المصير. جاء ذلك بعد أيام من تصريح دونالد ترمب المثير للجدل خلال زيارته لدبلن، حيث قال إنه "يحب" أن يرى أيرلندا موحدة. ومع أن رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بيرنهام، قد لا يعتريه القلق على المدى القريب إزاء أي من هذه الانفصالات المحتملة، وخصوصا بيدينغتون، فهو يرى فيها تأكيدا على أن هواجس تفكك المملكة المتحدة لا تزال حية ولم تختفِ قط.

بيد أن الواقع يعكس صورة أكثر تعقيدا؛ فعلى الرغم من رغبة الأحزاب السياسية "السلتية" في تقديم جبهة موحدة، فإن "دولها" الثلاث تجد نفسها في مواقف سياسية مختلفة تماما تجاه لندن، الأمر الذي يلقي بظلاله على مدى واقعية مغادرة أي منها أو جميعها المملكة المتحدة مستقبلا.
القضية الأيرلندية الجديدة
لعل التهديد الأكبر لاستمرار الوحدة بين بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية يأتي من وراء البحر الأيرلندي. وعلى عكس ويلز واسكتلندا، تمتلك أيرلندا الشمالية آلية قانونية قائمة لإنهاء الحكم من لندن. فاتفاقية الجمعة العظيمة لعام 1998، التي أنهت إلى حد كبير "الاضطرابات" التي استمرت ردحا طويلا من الزمن، تنص على أن أيرلندا الشمالية ستظل جزءا من المملكة المتحدة إلى أن يصوت أغلبية سكان المقاطعة بخلاف ذلك.
من جهة، يعد هذا ضمانا لمناصري الوحدة. ففي عام 2022، نجح الحزب الجمهوري "شين فين" بحصد معظم مقاعد برلمان أيرلندا الشمالية المتعثر سياسيا للمرة الأولى، إلا أن أحدث استطلاعات الرأي توضح أن نسبة المؤيدين للوحدة الفورية مع جمهورية أيرلندا، رغم هذا الفوز، لا تتعدى 35.8 في المئة من السكان.



