شكل الخيار الإنجليزي في تبني الخروج من الاتحاد الأوروبي إثر استفتاء"البريكست" في عام 2016، إنذارا مبكرا عن أحوال الاتحاد والقارة القديمة، وتحولاً أكد على تصدع العولمة النيوليبرالية. ومنذ تأكيد الفراق الصعب أواخر سنة 2020 تأرجحت التوقعات بين القلق والاطمئنان، بخصوص مستقبل بريطانيا. والآن بعد عشر سنوات على إجراء الاستفتاء، يتضح أن المملكة المتحدة لم تصبح "سنغافورة كبرى على ضفاف التايمز" بل إنها سرعان ما واجهت كابوس ما بعد الأحلام الوردية حول "بريطانيا كونية" في السياسة الخارجية، والنهوض الاقتصادي. والأدهى أن تدلل آخر استطلاعات الرأي على ندم البريطانيين، وتبين أن ثلاثة من كل عشرة أشخاص فقط، يؤيدون الآن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
هكذا ثبت على مر السنين، سقوط رهانات أنصار"البريكست" على أرض الواقع، في ظل انخفاض الناتج المحلي الإجمالي، وفقدان الوظائف، وتضاؤل الاستثمارات، وتراجع مكانة لندن الاقتصادية والسياسية، ولذا أخذ قسم من البريطانيين، يأمل في الانضمام مجدداً إلى الاتحاد الأوروبي. إلا أن هذا المسار غير سالك ومستبعد، وفقاً لقواعد الدخول في "الاتحاد"، ولعدم حماسة المفوضية الأوروبية، والكثير من الدول في قبول هذا الرجوع، بالإضافة للتعقيدات القانونية والعملية.
تطورت المواقف الأوروبية بالقياس لآثار الانسحاب، ومخاطر العدوى في المرحلة الأولى، وتركز الاهتمام لاحقاً على معالجة التداعيات، لجهة بناء إطار جديد للعلاقات بين لندن و"الاتحاد"، يضمن مصالح الطرفين، خاصة أن الكسوف السياسي لـ"الاتحاد" الذي بدأ مع خروج بريطانيا منه، وتفاقم مع صعود الترمبية والمتغيرات الدولية الأخرى، لم يحجب نجاحات الاتحاد الاقتصادية، وإرهاصات بناء كتلته العسكرية، واستمرار تهافت الدول للانتساب إليه.
انعكاسات الانسحاب على بريطانيا والاتحاد الأوروبي
يعتبر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أهم حدث جيوسياسي في أوروبا الغربية، منذ إعادة توحيد ألمانيا بعد سقوط جدار برلين في 1989، إذ لم يكن تصويت ناخبي المملكة المتحدة بنسبة 51.9 في المئة لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو/حزيران 2016، مجرد صدفة سياسية، بل إنه انبثق من تطورات تاريخية عميقة، وتجاوزت تبعاته العلاقة بين لندن والمفوضية الأوروبية.
ساد الحذر طويلاً بين إنجلترا-الجزيرة، وأوروبا-القارة، بالرغم من تحالفهما في الحروب المشتركة، وتشابك المصالح دون نسيان ثقل التاريخ بين الإمبراطورية الإنجليزية ومنافساتها الأوروبية. واللافت أن الجنرال شارل ديغول، الذي لجأ إلى لندن إبان الحرب العالمية الثانية، كان من أبرز معارضي انضمام المملكة المتحدة للمجموعة الأوروبية، ولم تفتح الأبواب للندن إلا مع خليفته جورج بومبيدو. أما البريطانيون فقد كان رمزهم التاريخيّ ونستون تشرشل حاسماً عندما قال: "كلما اضطررنا للاختيار بين أوروبا وما وراء الأطلسي، سنختار دائماً المدى المفتوح"، والقصد هو اختيار الأخ الأكبر الأميركي.
بيد أنه بعد مرور عشر سنوات، يتوجب علينا إعادة النظر في هذه اللحظة بالذات، التي لا تزال تُلقي بظلالها على الحياة السياسية البريطانية، والتي ينظر إليها سلبياً الكثير من دعاة أوروبا المؤسسية المتكاملة، ممن كانوا يخشون من تفشي العدوى والاقتداء بـ"البريكست" من دول أخرى أو عند معظم الشعبويين.
لقد قاد الجناح اليميني في "حزب المحافظين"، بالإضافة إلى نايجل فاراج، ودومينيك كامينغز، وشركائهما، حملة دعائية ركزت لسنوات على خسائر بريطانيا الاقتصادية من عضويتها في التكتل الأوروبي، وتجاهلت المكاسب الكبرى التي جنتها من جراء ذلك. لكن بعد عقد من الزمن، تبدو النتيجة عكسية، استناداً إلى أرقام الناتج المحلي الإجمالي للفرد في بريطانيا منذ "البريكست"، حيث سجل معدل نمو بنسبة 5.5 في المئة فقط، أي نحو ربع المعدل الذي كانت تسجله البلاد قبل الأزمة المالية العالمية في 2008. والملاحظ أيضاً أن نمو الاقتصاد البريطاني منذ عام 2016 جاء أبطأ من نمو اقتصادات مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، بينما كان قبل الاستفتاء ينمو بوتيرة أسرع من معظمها. ولا يبدو أن هناك لجما لهذا التراجع، لأن الخيارات المطروحة باتجاه عودة "مشروطة" أو "انتقائية" لن تعوض أكثر من نصف الخسائر الاقتصادية، التي تكبدتها بريطانيا نتيجة الانفصال عن "الاتحاد"، أكبر شريك تجاري لها.

