القاهرة إلى جانب الرياض دفاعياً... من تهديدات الحوثي إلى أمن البحر الأحمرhttps://www.majalla.com/node/333664/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AC%D8%A7%D9%86%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6-%D8%AF%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D9%8B-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D9%87%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%B1
القاهرة إلى جانب الرياض دفاعياً... من تهديدات الحوثي إلى أمن البحر الأحمر
تضامن مع المملكة
(أ.ف.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يرأس اجتماعاً لمجلس الدفاع الوطني في قصر الاتحادية بالقاهرة، لمناقشة طلب الرئيس بالتفويض لتقديم دعم عسكري للسعودية، في 18 أكتوبر2026
القاهرة إلى جانب الرياض دفاعياً... من تهديدات الحوثي إلى أمن البحر الأحمر
تتجه مصر إلى تقديم دعم عسكري دفاعي إلى السعودية إذا طلبته الرياض، في خطوة أثارت تكهنات لدى المحللين العسكريين بشأن طبيعة المساعدة المرتقبة ومدى ملاءمتها لاحتياجات المملكة الدفاعية. وأعلن مجلس الدفاع الوطني المصري، أعلى هيئة معنية باتخاذ قرارات الأمن القومي والدفاع، خلال اجتماعه في 18 أكتوبر/تشرين الأول، تقديم "كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة" للمملكة للدفاع عن أمنها واستقرارها وصون مقدراتها وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية.
ووصف المجلس الشعبين المصري والسعودي بأنهما "قلب" الأمة العربية، مشددا على الترابط الوثيق بين أمن البلدين. وفي بيان صدر عقب الاجتماع الذي رأسه الرئيس عبد الفتاح السيسي، أكد المجلس دعم مصر الثابت للمملكة العربية السعودية الشقيقة وتضامنها الكامل معها، استنادا إلى العلاقات التاريخية الراسخة والروابط الوثيقة التي تجمع البلدين.
جاء قرار المجلس بعد يوم واحد من طلب السيسي تفويضا من البرلمان لإرسال هذا الدعم الدفاعي. وكان الرئيس المصري قد أعرب، خلال حفل تخريج دفعة جديدة من ضباط الجيش في الأكاديمية العسكرية المصرية في 17 أكتوبر، عن امتنانه لدول الخليج التي ساندت مصر عقب ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 التي أنهت حكم جماعة "الإخوان المسلمين".
وقال السيسي: "لا أستطيع أن أتصور كيف كان سيكون حال مصر لولا دعم هذه الدول". ثم أكد: "لن تسمح مصر بالمساس بأمن السعودية واستقرارها"، مضيفاً: "أرجو من البرلمان المصري أن ينعقد في جلسة طارئة حتى يعطينا هذا التفويض ، إذا طُلب منا ذلك".
وشدد على أنه لا يتحدث عن "شن حرب أو هجوم على أحد" ، بل عن "الدفاع فقط".
وأشار في هذا السياق إلى اختصاص البرلمان الدستوري بالموافقة على إرسال قوات أو دعم عسكري خارج حدود البلاد. وتشترط المادة 152 من الدستور أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، الذي أرجأ التصويت إلى الاثنين 26 أكتوبر بعد نقاشات مطوّلة.
فتح طلب السيسي الباب أمام التكهنات بشأن طبيعة الدعم الدفاعي الذي تعتزم القاهرة تقديمه إلى الرياض. ويُفترض أن تكون للرياض الكلمة الفصل في تحديد طبيعة هذا الدعم لتعزيز قدرات المملكة الدفاعية، إذ ربط السيسي أي تحرك بطلب سعودي رسمي.
ولا يستبعد خبراء عسكريون في القاهرة أن يشمل الدعم منظومات دفاع جوي وطائرات. وبحسب تقديراتهم، فإن هذه التعزيزات ستدعم السعودية للتصدي للأهداف الجوية التي تخترق مجالها الجوي، سواء أتت من اليمن أو من جهات أخرى.
شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على أن مصر لن تسمح بالمساس بأمن المملكة العربية السعودية واستقرارها
أبعد من الالتزامات التعاقدية
ترتبط مصر والسعودية، شأنهما شأن سائر الدول العربية الموقعة عليها، بمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية الموقعة عام 1950. وفى 27 أكتوبر عام 1955، تم توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين.
غير أن خبراء الاستراتيجية العسكرية في القاهرة يرون أن قرار مصر تقديم دعم عسكري دفاعي للسعودية يتجاوز مجرد التعبير عن الامتنان والوفاء بالالتزامات المنصوص عليها في اتفاقيات الدفاع المشترك. وفي هذا السياق، قال اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق في القوات المسلحة المصرية: "لا تستطيع مصر الانتظار حتى تبلغ التهديدات الأمنية مستوى أشد".
عرض جوي للقوات الجوية المصرية خلال الدورة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء في مدينة العلمين، مصر، 9 سبتمبر 2026
وأشار سالم، في حديث إلى "المجلة"، إلى الهجمات التي تشنها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران على البنية التحتية والمواقع الحساسة في المملكة ومنها منشآت الطاقة والمطارات، وفي مقدمتها مطار الملك خالد الدولي في الرياض.
كذلك شدد سالم على أن إرسال دعم عسكري دفاعي مصري إلى السعودية يحمل رسالة ردع إلى جماعة الحوثي. ومن شأن هذا الردع، بحسب سالم، أن يدفع أعداء السعودية إلى إعادة حساباتهم قبل الإقدام على تهديد أمنها.
يأتي القرار المصري بعد نحو شهر من زيارة ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 سبتمبر/أيلول ولقائه الرئيس السيسي لبحث التطورات الإقليمية.
تاريخيا، تتحفظ مصر عادة على إرسال قواتها إلى الخارج أو الانضمام إلى تحالفات عسكرية مع دول أخرى أو الدخول في نزاعات عسكرية خارج حدودها، وإن كانت قد شاركت في تحالف تحرير الكويت عام 1991، وانضمت عام 2015 إلى تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية. وعندما أعلنت السعودية وتركيا وباكستان "اتفاق مكة للدفاع المشترك" 7 أغسطس/آب، لم تنضم القاهرة إليه، رغم مشاركتها في سلسلة من المحادثات الرباعية التي سبقت توقيعه.
لكن ابتعاد القاهرة عن الالتزامات العسكرية الرسمية متعددة الأطراف لم يمنعها من مواصلة تقديم الدعم على المستوى الثنائي للدول العربية التي كانت في مقدمة الدول المستهدفة بالهجمات الإيرانية، عقب اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي. ففي 8 مايو/أيار، زار السيسي الإمارات للتعبير عن تضامن مصر معها في مواجهة الهجمات الإيرانية، وتفقد برفقة الشيخ محمد بن زايد مفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة هناك.
يرى خبراء أن التطورات الراهنة جعلت مصر لا تستطيع الانتظار حتى تبلغ التهديدات الأمنية مستوى أشد، وأن تشكيل قوة عربية موحدة يحقق الأمن الجماعي ويضع الدول العربية في موقع قوة عند التفاوض بشأن أي ترتيبات إقليمية
مواجهة واقع جديد
تفسر تجارب مصر التاريخية جانبا من تحفظها على الانخراط في صراعات عسكرية خارج حدودها. ويرى محللون سياسيون أن ذكريات التدخل العسكري المصري في اليمن بين عامي 1962 و1967 لا تزال حاضرة كلما طرحت مسألة إرسال قوات أو تعزيزات عسكرية إلى الخارج.
أما اليوم، فيرى محللون أن التطورات الميدانية جعلت القرار المصري أمرا لا مفر منه. فالهجمات الحوثية لم تعد تهدد المملكة وحدها، بل باتت تشكل خطرا على حرية الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما قد تكون له عواقب اقتصادية جسيمة على مصر، التي تكبدت بالفعل خسائر بمليارات الدولارات، يقدّرها وزير الخارجية المصري بنحو 11 مليار دولار من إيرادات قناة السويس منذ أواخر 2023، بسبب الاضطرابات التي تسبب بها الحوثيون في هذا الممر البحري الحيوي.
يتزامن التحرك المصري أيضا مع إعادة رسم ملامح الأمن الإقليمي، في وقت يرى فيه محللون أن الولايات المتحدة تتراجع عن دورها التقليدي بوصفها ضامنا لأمن المنطقة. وفي نظر محللين مصريين، قد تشكل الخطوة الجديدة نواة لتحرك عربي تتولى فيه الدول مسؤولية أمنها بنفسها.
سعوديون أمام مركبات مدرعة خفيفة من طراز "LAV-FSV" خلال عرض عسكري بمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ96 في الرياض، 22 سبتمبر 2026
وقال أيمن شبانة، أستاذ العلوم السياسية بكلية الدراسات الأفريقية العليا في جامعة القاهرة: "تكررت الدعوات إلى تشكيل قوة عربية موحدة أو وضع منظومة للأمن العربي الجماعي". وأضاف في حديث إلى "المجلة": "من مصلحة الدول العربية أن تتولى مسؤولية شؤونها الأمنية، ولا سيما أنها تملك الثروات البشرية والمادية اللازمة لتحقيق ذلك".
ويرى شبانة أن تشكيل قوة عربية موحدة من شأنه تحقيق الأمن الجماعي، ومنح الدول العربية الاستقلالية التي تنشدها، وتعزيز قدرتها على الدفاع عن سيادتها ومواردها. وقال: "ستضع هذه القوة الدول العربية أيضا في موقع قوة عند التفاوض بشأن مكانتها الإقليمية أو أي ترتيبات إقليمية".
وأشار شبانة إلى أن إقامة إطار عربي جماعي كانت من بين أهداف جامعة الدول العربية على مر السنين، وأن التطورات الإقليمية المتلاحقة تزيد الحاجة إلى تحقيق هذا الهدف إلحاحا، ولا سيما في ظل التهديدات اليومية التي تواجه أمن الدول العربية.
وفي الحسابات الأمنية المصرية، تتفاقم تداعيات الهجمات الحوثية في البحر الأحمر والتهديدات التي تطال إيرادات قناة السويس، بفعل مساعي إثيوبيا للحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر. وفي ظل تشكك القاهرة في نوايا أديس أبابا، ترفض مصر، وفق موقفها المعلن، منح الدول غير الساحلية منفذاً سيادياً إلى البحر الأحمر، مع استمرار سماحها بالوصول التجاري إليه وفق ترتيبات وضوابط محددة.
ويأتي الدعم الدفاعي المصري للسعودية في وقت يُعاد فيه رسم خريطة التحالفات، وفقاً لمحللين مصريين، ويرى بعضهم أن المرحلة تفرض على القاهرة مراجعة موقعها من التكتلات والتحالفات الجديدة الآخذة في التشكل.
مسار دبلوماسي للخروج من الأزمة
لا يبدو أن الدعم العسكري هو التحرك الوحيد الذي تعتزم مصر القيام به خلال الفترة المقبلة. فمن المرجح أن تكثف القاهرة جهودها الدبلوماسية لاحتواء الصراع والحفاظ على أمن المملكة ووضع حد لتهديدات الحوثيين.
وفي بيانه الصادر في 18 أكتوبر، أكد مجلس الدفاع الوطني أن مصر ستواصل جهودها السياسية والدبلوماسية وتعمل على تكثيفها، بالتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية المعنية، سعيا إلى خفض التصعيد في أنحاء المنطقة وتسوية الصراعات بالوسائل السلمية.
وفي 17 أكتوبر، في اليوم الذي أعلن فيه السيسي استعداد مصر لتقديم الدعم، التقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره الإيراني عباس عراقجي في بغداد، لبحث سبل خفض التصعيد الإقليمي والعودة إلى الدبلوماسية.
وتعد إيران الداعم الرئيس لجماعة الحوثي، ويرى محللون أن الحملة على المملكة تخدم هدفا إيرانيا يتمثل في الضغط على سوق الطاقة العالمية عبر استهداف إحدى أهم الدول الموردة للنفط في العالم.
وخلال اللقاء الذي عقد على هامش الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، دعا عبد العاطي إلى وقف جميع الأعمال العدائية ضد السعودية، مدينا الهجمات على المملكة وواصفا إياها بأنها "غير مبررة".
أما الأزهر، أحد أبرز صروح التعليم الإسلامي السني، فقد دخل بدوره على خط الأزمة. فبعد أن أدان "بأشد العبارات" في 12 أكتوبر استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، دعا شيخ الأزهر في 18 أكتوبر إلى تشكيل لجنة وساطة عاجلة من حكماء الأمة لإنهاء صراعات المنطقة وحروبها.
وأشار شبانة إلى المكانة التي تحظى بها السعودية لدى مئات الملايين من المسلمين حول العالم، موضحا أن هذه المكانة، إلى جانب احتضان المملكة أقدس المواقع الإسلامية، تشكل جزءا من قوتها الناعمة.
وفي تأكيده أهمية المسار الدبلوماسي، قال: "لدي إيمان راسخ بقدرة الدبلوماسية على تقديم أفضل الحلول للصراعات". وأضاف: "لكن على من يتفاوض أن يفعل ذلك من موقع قوة، وهنا تبرز أهمية الدعم المصري للسعودية".