مصر... حماية الحدود مع السودان ومواجهة اقتصاد الحرب

أصدر الجيش المصري في 12 أكتوبر بيانا شرح فيه ظروف الغارات الجوية التي استهدفت منقبين عن الذهب بالوسائل التقليدية في الصحراء الشرقية قرب الحدود مع السودان، مؤكدا دعم مؤسسات الدولة في الخرطوم

رويترز
رويترز
عامل في منجم للذهب يستخدم جهاز كشف في منطقة العبيدية بولاية نهر النيل، 30 يوليو 2013

مصر... حماية الحدود مع السودان ومواجهة اقتصاد الحرب

أصدر الجيش المصري بتاريخ 12 أكتوبر/تشرين الأول بيانا شرح فيه ظروف الغارات الجوية التي استهدفت منقبين عن الذهب بالوسائل التقليدية في الصحراء الشرقية المصرية، قرب الحدود مع السودان. وفي محاولة لتبديد الشائعات التي تحدثت عن تنفيذ الغارات خارج الأراضي المصرية، أكد الجيش أن حملته تجري داخل حدود الدولة المصرية.

وكانت هذه هي المرة الثانية خلال أقل من خمسة أشهر التي تستهدف فيها القوات المسلحة المصرية مناطق للتنقيب عن الذهب في الصحراء الشرقية قرب الحدود السودانية.

وكانت المنطقة الحدودية بين مصر والسودان قد شهدت تصاعدا ملحوظا في أنشطة التنقيب غير المشروع عن الذهب منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، في تطور يسلط الضوء، وفق محللين أمنيين في القاهرة، على التحديات الأمنية التي فرضتها هذه الحرب على مصر.

وقال اللواء المتقاعد في الجيش المصري محمد الغباري إن القوات المسلحة اضطرت خلال الأشهر الأخيرة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية على الحدود مع السودان. وأضاف في حديث إلى "المجلة" أن التعزيزات شملت حتى الآن زيادة أعداد حرس الحدود ونشر طائرات مسيرة لمراقبة المنطقة الحدودية ومنع أي تجاوزات.

وقبل اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا "قوات الدعم السريع"، كانت القوات المصرية والسودانية تسير دوريات مشتركة على امتداد الحدود بين البلدين، البالغ طولها 1273 كيلومترا.

أما اليوم، فقد بات الجيش المصري يتحمل عبء مراقبة الحدود، في حين أن تصاعد الأنشطة غير المشروعة في المنطقة، وفي مقدمتها التنقيب عن الذهب، يرتبط بعوامل تتجاوز الثغرات الأمنية وحدها.

واندلعت احتجاجات في مناطق من السودان في 12 أكتوبر/تشرين الأول، حين أطلق شاب يبلغ من العمر 23 عاما النار من سلاح رشاش على سائقي شاحنات مصريين في سوق شعبية جنوبي الخرطوم، فقتل اثنين منهم وأصاب ثالثا.

وينظم سودانيون أيضا حملات مقاطعة تستهدف الشاحنات التجارية المصرية، في خطوة قد تلحق بالسودان خلال الأيام المقبلة ضررا يفوق ما قد تتسبب به لمصر. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 326 مليون دولار في الربع الأول من العام الجاري، واستحوذت الصادرات المصرية على الحصة الأكبر منه.

ويجعل القرب الجغرافي مصر الشريك التجاري الأيسر للسودان، وقد طور البلدان نمطا من التجارة القائمة على المقايضة، يتيح تجاوز القيود المفروضة على التعامل بالعملات الدولية والعقوبات التي تطال بعض الشركات السودانية.

ويرى مراقبون سودانيون أن بعض هذه التوترات مرده إلى تصورات مغلوطة، فيما يعود بعضها الآخر إلى ممارسات فردية. ولكن حدة الغضب توحي كذلك بوجود أطراف تجد مصلحة في تأجيج الخلاف وتعميق الشرخ بين البلدين.

واستقبلت مصر حتى الآن مئات الآلاف من السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى الفرار من بلادهم. وتقدر الحكومة المصرية عدد الوافدين من السودان بنحو 1.5 مليون شخص، من دون احتساب مئات الآلاف الآخرين الذين عبروا الحدود من غير وثائق رسمية.

وتعد مصر أيضا من أبرز الداعمين لمؤسسات الدولة السودانية، فالقاهرة تقدم موقفها دعماً للدولة لا انحيازاً لطرف في حرب أهلية. وينبع هذا الدعم من قناعة القاهرة بأن أمن السودان واستقراره وثيقا الصلة بأمنها القومي. ويستند كذلك إلى سياسة مصرية راسخة تقوم على مساندة مؤسسات الدول وعلى رأسها الجيوش الوطنية في مواجهة الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة والميليشيات.

وتتجلى هذه السياسة في اختيار القاهرة شركاءها في البلدان التي تتصارع فيها الجيوش الوطنية والميليشيات على السيطرة، كما هي الحال في لبنان وليبيا واليمن.

تعد مصر أيضا من أبرز الداعمين لمؤسسات الدولة السودانية، فالقاهرة تقدم موقفها دعماً للدولة لا انحيازاً لطرف في حرب أهلية

وجاءت غالبية المواقف المناهضة لمصر على وسائل التواصل الاجتماعي عقب الغارات من مؤيدين لـ"قوات الدعم السريع". كما شهدت مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور وأحد أبرز معاقل "قوات الدعم السريع"، معظم الاحتجاجات المناهضة لمصر حتى الآن.

شريان تمويل "قوات الدعم السريع"

ويمكن إدراك مدى الضرر الذي يلحق بـ"قوات الدعم السريع" جراء تشديد مصر إجراءاتها ضد التنقيب غير المشروع عن الذهب في المنطقة الحدودية.

فبحسب محللين سودانيين، يشكل التنقيب عن الذهب شريان التمويل الاقتصادي الأهم لهذه القوات شبه العسكرية، إذ يدر عليها ملايين الدولارات سنويا.

أ.ف.ب
تُظهر هذه اللقطة، المأخوذة من مواد مصورة بواسطة مستخدمين (UGC) تم الحصول عليها في 12 أكتوبر 2026، أشخاصاً يتفقدون موقع غارة جوية في منطقة التعدين بجبل العقيدات في السودان

وقال المحلل السياسي السوداني عثمان الميرغني إن هذه الميليشيا باتت تسيطر على معظم مناجم الذهب التي كانت تديرها الحكومة السودانية في مناطق مختلفة من البلاد قبل اندلاع الحرب الأهلية.

وأضاف في حديث إلى "المجلة": "تصدر القوات الذهب المستخرج من هذه المناجم لتمويل أنشطتها وعملياتها العسكرية ضد القوات المسلحة السودانية".

وأوضح أن معظم العاملين في التنقيب عن الذهب في السودان، بمن فيهم العاملون في المنطقة الحدودية مع مصر، يعملون بتكليف من "قوات الدعم السريع"، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وتشير تقارير دولية إلى ارتباط قائد "قوات الدعم السريع"، محمد حمدان دقلو، المعروف بـ "حميدتي"، بشركات ومصارف أجنبية تستخدم واجهات لأنشطة استخراج الذهب داخل السودان وتهريبه إلى خارج البلاد التي مزقتها الحرب.

تسهم حملة القاهرة على أنشطة التنقيب غير المشروع عن الذهب التي يمارسها سودانيون داخل أراضيها في تضييق الخناق على أحد مصادر التمويل المهمة لـ"قوات الدعم السريع"

تسعى "قوات الدعم السريع"، فيما يبدو، من خلال حملتها الدعائية المكثفة ضد القوات المسلحة السودانية ومصر، إلى ضرب عصفورين بحجر واحد: تأليب الرأي العام السوداني على خصمها اللدود في الداخل، أي الجيش والدولة، وتقويض التأييد الشعبي له، مع محاولة تأجيج مشاعر العداء تجاه مصر، الحليف الأقوى لمؤسسات الدولة في السودان.

وفي المقابل، تسهم حملة القاهرة على أنشطة التنقيب غير المشروع عن الذهب التي يمارسها سودانيون داخل أراضيها في تضييق الخناق على أحد مصادر التمويل المهمة لـ"قوات الدعم السريع".

ويرى محللون مصريون أن شبكة الجهات الداعمة لـ"قوات الدعم السريع" تكشف عن صلات واضحة بين الصراع في السودان وبؤر توتر إقليمية أخرى تنخرط فيها مصر.

أ.ف.ب
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه مع قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة، 18 ديسمبر 2025

فإلى جانب التقارير التي تحدثت عن لقاءات سرية بين شخصيات من "قوات الدعم السريع" ومسؤولين إسرائيليين، تتلقى هذه القوات، بحسب هؤلاء المحللين، دعما مباشرا من إثيوبيا، الخصم الإقليمي لمصر، التي تتنازع معها على شريانين حيويين، هما نهر النيل والبحر الأحمر.

وتعد إسرائيل أيضا من الداعمين الإقليميين لإثيوبيا. فعلى الرغم من أن معاهدة السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل عام 1979 أنهت المواجهات العسكرية المباشرة بين البلدين، فإنها لم تنه التنافس الجيوسياسي بينهما.

وفي تقدير محللين مصريين، ينظر إلى تقاطع المصالح بين أديس أبابا وتل أبيب على أنه مسعى منسق للضغط على مصر وبسط النفوذ قرب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، الذي يمتد شمالا حتى قناة السويس.

وفي هذا الإطار، تبدو محاولات "قوات الدعم السريع" لاستدراج مصر إلى مواجهة، وتأجيج التوتر على حدودها الجنوبية، وتشتيت جهودها واستنزاف مواردها العسكرية والمالية، جزءا من هذا الصراع الأوسع. ولا يستبعد محللون مصريون استمرار هذه المحاولات خلال الأيام المقبلة.

font change

مقالات ذات صلة