قوبل نبأ القبض على علي كيالي، المعروف أيضا باسم "معراج أورال" باحتفالات في بانياس ومناطق سورية أخرى، عقب الإعلان عن اعتقاله في 15 أكتوبر/تشرين الأول. ويُتهم كيالي، القائد السابق لإحدى الميليشيات الموالية لنظام الأسد، بالتورط في مجازر عام 2013 في البيضا وبانياس، التي تُعدّ من أكثر الفظائع دموية خلال الصراع السوري. وبالنسبة إلى عائلات الضحايا، التي انتظرت أكثر من 13 عاما لتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين، فإن احتمال مثوله أمام القضاء يبعث على الأمل.
غير أن ملابسات اعتقاله قد تُحوّل هذا النجاح إلى عبء. فقد أشارت تقارير إلى أن كيالي اعتُقل في لبنان من دون علم السلطات اللبنانية. وإذا تأكدت هذه الأنباء، فقد تُلحق العملية ضررا بجهود دمشق الرامية إلى إعادة بناء علاقاتها مع جيرانها، وإثبات التزامها بسيادة القانون واحترام السيادة الوطنية.
ذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن جهاز المخابرات العامة ألقى القبض على كيالي أثناء محاولته الفرار عبر الحدود، ولكن تقارير لاحقة، نشرتها وكالة الصحافة الفرنسية وصحيفة "الشرق الأوسط" ووسائل إعلام أخرى، شككت في هذه الرواية، مشيرة إلى أن اعتقاله جرى داخل الأراضي اللبنانية.
ستكون نتائج التحقيق حاسمة في كشف ملابسات ما جرى. وحتى تتضح الحقائق، تثير الروايات المتضاربة تساؤلات جدية بشأن جوانب أساسية من الرواية السورية الرسمية
وقال مصدر أمني سوري لوكالة الصحافة الفرنسية إن العملية نُفّذت بالتنسيق مع السلطات اللبنانية، ولكن مصدرا أمنيا لبنانيا نفى علم السلطات اللبنانية المسبق بها، واتهم الاستخبارات السورية والتركية بالضلوع في تنفيذها. وذكرت صحيفة "الشرق الأوسط" أن كيالي اختُطف من منطقة المنصورية في المتن بجبل لبنان، ونُقل سرا إلى سوريا. وعلى الرغم من تضارب الروايات بشأن كيفية تنفيذ العملية والمسار الذي سلكته عملية نقله عبر الحدود، أفادت كل من وكالة الصحافة الفرنسية وصحيفة "الشرق الأوسط" بأن النيابة العامة اللبنانية أمرت الأجهزة الأمنية بالتحقيق في ملابسات القضية وتحديد المسؤولين عن العملية.
وستكون نتائج التحقيق حاسمة في كشف ملابسات ما جرى. وحتى تتضح الحقائق، تثير الروايات المتضاربة تساؤلات جدية بشأن جوانب أساسية من الرواية السورية الرسمية.
تحقيق العدالة في ظل سيادة القانون
بالتأكيد، تستدعي خطورة الاتهامات الموجهة إلى كيالي إجراء تحقيق شامل في دوره المحتمل في تلك الجرائم. فقد وثقت منظمة "هيومان رايتس ووتش" إعدام ما لا يقل عن 248 شخصا في البيضا وبانياس، بينهم نساء وأطفال، قُتل كثيرون منهم بعد توقف القتال. وقد يسهم التحقيق في الدور المنسوب إلى كيالي في كشف حقائق طال انتظارها من جانب عائلات الضحايا، ويمهد، إذا توافرت الأدلة الكافية، لمحاسبته على ما يُنسب إليه من جرائم.
لكن المسألة الأساسية تتمثل في مدى قانونية عملية اعتقاله. فإذا صحت التقارير التي تفيد بأنه اعتُقل داخل الأراضي اللبنانية في عملية سرية ومن دون موافقة السلطات اللبنانية، فإن تداعيات القضية ستتجاوز مصير كيالي لتطال مسائل أوسع تتعلق باحترام سيادة الدول والالتزام بالقانون.
ومنذ تولّيها السلطة، أكدت السلطات الانتقالية في سوريا مرارا التزامها بسيادة القانون واحترام سيادة الدول المجاورة وتجنب النزاعات الإقليمية. وشكّلت إعادة بناء العلاقات مع دول الجوار أولوية رئيسة في سياستها الخارجية، إذ تعهّد المسؤولون السوريون بإقامة علاقات مع لبنان تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار.
وينبغي أن تحكم هذه الالتزامات العمليات الأمنية بقدر ما توجّه العمل الدبلوماسي. وحتى إذا أخفق لبنان في منع أنصار نظام الأسد السابق، المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة، من اتخاذ أراضيه ملاذا آمنا، فإن ذلك لا يبرر تجاوز مؤسساته أو المساس بسيادته.
اعتقال كيالي يهدد مسار التقارب مع لبنان
يمثّل لبنان ساحة بالغة الحساسية لأي عملية من هذا النوع. فعلى الرغم من انتهاء الوجود العسكري والاستخباراتي السوري رسميا عام 2005، بعد عقود من الحضور المباشر، ظل نفوذ دمشق قائما عبر شبكات غير رسمية. وقد خلّفت تلك المرحلة إرثا ثقيلا من التدخل وانعدام الثقة، وهو ما تسعى السلطات الانتقالية السورية اليوم إلى تجاوزه.
قد تؤدي عملية احتجاز سرية إلى إحياء المخاوف من أن دمشق لا تزال تنظر إلى الأراضي اللبنانية بوصفها امتدادا لنطاقها الأمني الخاص. وقد يؤدي ترسّخ مثل هذه التصورات إلى تعقيد الجهود الرامية إلى بناء علاقة أكثر توازناً بين البلدين بصرف النظر عن حجم الاتهامات التي يواجهها كيالي داخل سوريا.
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في لبنان، حيث يُقال إن عشرات الشخصيات المرتبطة بنظام الأسد السابق يقيمون، ويواجه بعضهم اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة
وقد تمتد التداعيات إلى الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة لضحايا آخرين. فملاحقة المشتبه بهم خارج الحدود تتطلب تعاونا في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية والأدلة وشهادات الشهود، فضلا عن تسليم المطلوبين وفقاً للأصول القانونية. وإذا تأكدت التقارير التي تفيد بأن الأجهزة الأمنية السورية تجاوزت السلطات اللبنانية، فقد يتراجع استعداد لبنان ودول الجوار الأخرى للتعاون في مثل هذه القضايا مستقبلا. وبذلك، قد تؤدي عملية اعتقال بارزة يُحتفى بها اليوم، على نحو مفارق، إلى تعقيد الملاحقات القضائية في المستقبل.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في لبنان، حيث يُقال إن عشرات الشخصيات المرتبطة بنظام الأسد السابق يقيمون، ويواجه بعضهم اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة. ويتطلب ضمان تعاون السلطات اللبنانية في التحقيقات المتعلقة بهؤلاء، أو ترتيب تسليمهم إلى سوريا وفقاً للأصول القانونية، تواصلا مستمرا وتنسيقا وثيقا بين حكومتي البلدين.
ضوابط العمليات الأمنية خارج الحدود
إن تنفيذ عملية من دون تفويض من شأنه أن يُضعف موقف سوريا الرافض للتدخل الأجنبي؛ فاحترام السيادة الوطنية لا ينبغي أن يتوقف على هوية الشخص المستهدف. وإذا أصبحت شهرة أحد المشتبه بهم أو خطورة الاتهامات الموجهة إليه مبررا كافيا لتجاوز مؤسسات دولة أخرى، فقد تلجأ حكومات أخرى إلى المنطق نفسه لتبرير تنفيذ عمليات داخل الأراضي السورية.
بالنسبة إلى دولة تسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها الأمنية بعد عقود من الحكم الاستبدادي، لا تقل التداعيات الداخلية خطورة عن تلك الخارجية. فالسماح للأجهزة الأمنية بتنفيذ عمليات سرية خارج البلاد من دون تفويض قانوني واضح أو رقابة فعّالة قد يرسّخ نهجا يصعب احتواؤه بمرور الوقت.
ينبغي لدمشق أن تحقق في ملابسات اعتقال كيالي ونقله إلى سوريا، وأن تنشر نتائج التحقيق وتتعاون تعاونا كاملا مع التحقيق اللبناني، مع محاسبة كل من يثبت تورطه في أي تجاوزات. كذلك، يتعين أن تخضع العمليات المستقبلية للإجراءات القانونية المعتمدة، وأن تُنفَّذ بالتنسيق مع حكومات الدول المجاورة، في إطار آليات رقابة واضحة وفعّالة.
تعكس الاحتفالات التي رافقت القبض على كيالي مطلبا طالما جرى تجاهله، هو تحقيق العدالة. لكن محاسبة المسؤولين عن الفظائع المرتكبة في عهد الأسد لا ينبغي أن تقتصر على معاقبة الجناة، بل يجب أن تسهم أيضا في إرساء الضوابط القانونية التي افتقر إليها النظام السابق. فتحقيق العدالة لضحايا تلك الفظائع ينبغي أن يعزز سيادة القانون، لا أن يقوّضها.