لم يكن الأردن يوماً مجرد دولة صغيرة تحاول حماية استقرارها وسط إقليم مضطرب. فالمملكة الهاشمية تقف عند تقاطع جغرافي وسياسي شديد الحساسية، بين فلسطين وسوريا والعراق والسعودية، وتدفع ثمن هذا الموقع أعباءً أمنية واقتصادية ثقيلة. لكن ما يضاعف حساسيتها هو الدور الذي اختارته: دولة تحمي حدودها ومؤسساتها، وترفض أن تتحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وتتمسك بحل الدولتين وبدورها التاريخي في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
لا يمكن فهم التحديات التي تواجه عمّان بمعزل عن محيطها. فهي تواجه في آن واحد تطرفاً جهادياً يرى في الدولة الوطنية عدواً لمشروعه، ومشروعاً إيرانياً سعى سنوات إلى اختراق الأردن عبر سوريا في عهد نظام الأسد، ولا يزال يحاول توسيع نفوذه بالسلاح والميليشيات والتهريب.
قد لا ينسّق الطرفان، وهما يختلفان في الأدوات والأهداف، لكنهما يلتقيان عند نتيجة واحدة: إضعاف الدولة الأردنية وسلب قرارها المستقل.
وتفجيرات عمّان خير شاهد. ففي التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 2005، ضربت ثلاثة تفجيرات انتحارية فنادق في العاصمة وأوقعت نحو 60 قتيلاً وأكثر من 100 جريح، وتبنّاها تنظيم "القاعدة في العراق". وفي مارس/آذار 2016، حمّلت المحكمة الفيدرالية الأميركية في واشنطن، في حكم غيابي أصدرته القاضية بيريل هاول، الحكومة السورية ومخابراتها العسكرية المسؤولية عن دعم التنظيم الذي نفّذ التفجيرات، وقضت بتعويضات تقارب 347 مليون دولار لأسرتي ضحيتين أميركيتين رفعتا الدعوى. تنظيم متطرف يتبنّى، ونظام حكم يُدان، والهدف واحد: أمن الأردن.
ومنذ ذلك اليوم، توالت المحطات الدامية: هجمات على الأجهزة الأمنية والعسكرية، ومواجهات مع خلايا مسلحة، من هجوم البقعة وتفجير الركبان إلى مواجهات الكرك والفحيص والسلط. ثم جاء، يوم الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، الهجوم الذي استهدف مشيّعين داخل كنيسة في قرية حمّود بمحافظة الكرك، وأسفر عن مقتل ثمانية وإصابة العشرات. وفيما وصفت السلطات المنفذين بأنهم "مجموعة من المتطرفين"، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها حتى الآن. تغيّرت الجهات والظروف، وبقيت الحقيقة ثابتة: استقرار الأردن ليس تفصيلاً هامشياً عند التنظيمات المتطرفة، بل هدف تحاول ضربه مباشرة.
سقط نظام الأسد، لكن المحور الذي كان يتحرك في فلكه لم يسقط معه. فإيران، التي بنت على مدى عقود شبكة من الحلفاء والتشكيلات المسلحة في عدد من الدول العربية لا تزال تمثل تحدياً أمنياً وسياسياً للأردن
سقط نظام الأسد، لكن المحور الذي كان يتحرك في فلكه لم يسقط معه. فإيران، التي بنت على مدى عقود شبكة من الحلفاء والتشكيلات المسلحة في عدد من الدول العربية، لا تزال تمثل تحدياً أمنياً وسياسياً للأردن، حين يتحول نفوذها الإقليمي إلى تهريب للسلاح والمخدرات، وتجنيد للعناصر المحلية، وإنشاء شبكات تعمل خارج سلطة الدولة.
وللتذكير، كان الملك عبدالله الثاني من أوائل من حذّروا علناً من المشروع التوسعي الإيراني، في عام 2004.
وقد أعلنت السلطات الأردنية في السنوات الأخيرة إحباط عمليات تهريب سلاح ومحاولات اختراق مرتبطة بشبكات موالية لإيران، وأبدت قلقها من استخدام أراضيها ممراً للسلاح إلى الضفة الغربية. وليس الخلاف بين عمّان وطهران خلافاً سياسياً عابراً، بل رفضٌ لتحويل الأردن إلى ممر لعمليات لا يقررها الأردنيون، على غرار ما جرى في لبنان.
يبقى أي تحليل لموقع الأردن ناقصاً ما لم توضع القضية الفلسطينية في صميمه. فالأردن ليس جاراً لفلسطين فحسب، بل تربطه بها صلات تاريخية وديموغرافية مباشرة، ويستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، ويرتبط أمنه الوطني بمصير الضفة الغربية والقدس. والوصاية الهاشمية على المقدسات تمنحه دوراً سياسياً ودينياً لا ينفصل عن التوازنات المحيطة بالمدينة المقدسة.
ومن هنا، فإن أي تسوية تُفرض متجاوزةً حق الفلسطينيين في تقرير المصير، أو أي محاولة لتصفية قضيتهم بالتهجير، أو لفرض واقع جديد في القدس، لا تمس الفلسطينيين وحدهم، بل تضرب المصالح الحيوية للأردن مباشرة.
ولذلك أعلنت عمّان مراراً رفضها تهجير الفلسطينيين، وتمسكها بدولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 عاصمتها القدس الشرقية. وليس هذا شعاراً سياسياً ولا التزاماً دبلوماسياً، بل حساب أمن وطني، لأن أي تغيير قسري في الواقع الديموغرافي والسياسي غرب النهر ستصل ارتداداته إلى المملكة.
وهنا المفارقة: الأردن مطالب بالدفاع عن الحقوق الفلسطينية، ومطالب في الوقت نفسه بمنع تحويل أرضه إلى ساحة مواجهة مسلحة تُتخذ ذريعة لزعزعة استقراره أو فرض وقائع جديدة عليه. وبين هذين الالتزامين تتحرك الدبلوماسية الأردنية على حبل مشدود.
فالمعركة الحقيقية هي معركة بقاء الدولة قادرة على حماية مجتمعها، وصون سيادتها، والدفاع عن القضية الفلسطينية من دون أن تسمح بتحويلها إلى أداة لتدمير الدول التي يُفترض أن تقف إلى جانبها.