مأزق إسرائيل الانتخابي

مأزق إسرائيل الانتخابي

أيا يكن من يخرج منتصرا من الانتخابات العامة الإسرائيلية التي أفضت نتائجها إلى مأزق سياسي، فمن المستبعد للغاية أن يحدث رئيس الوزراء المقبل تغييرا جوهريا في نهج إسرائيل تجاه الشرق الأوسط عموما.

مني رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بانتكاسة كبيرة في الانتخابات التي جرت هذا الأسبوع، بعدما أخفق معسكره اليميني في الحصول على الأغلبية اللازمة للحكم في الكنيست المؤلف من 120 مقعدا. غير أن تاريخ نتنياهو السياسي، الذي أمضى في رئاسة الوزراء فترة أطول من أي رئيس حكومة إسرائيلي آخر، يحذر من التسرع في استبعاد قدرته على انتزاع ولاية جديدة.

بعد فرز أكثر من 90 في المئة من الأصوات، ظل حزب "الليكود" الذي يتزعمه نتنياهو أكبر الأحزاب تمثيلا في الكنيست، بحصوله على 26 مقعدا، مقابل 32 مقعدا في انتخابات عام 2022، أي بخسارة ستة مقاعد. أما حزب "يشار" المعارض، الذي يقوده غادي آيزنكوت، أبرز منافسي نتنياهو على رئاسة الحكومة، فقد حصل حتى الآن على 21 مقعدا.

مع بدء المفاوضات لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، سيتوقف الحسم على قدرة أي من الحزبين على تشكيل ائتلاف يحظى بأغلبية برلمانية تمكنه من الحكم. وقد أعلن كل من نتنياهو وآيزنكوت أنه سيسعى إلى تشكيل ائتلاف حكومي.

شكلت نتيجة الانتخابات انتكاسة كبيرة للمعسكر اليميني الذي ساند حكومة نتنياهو السابقة. فإلى جانب "الليكود"، ضم الائتلاف حزبين يمثلان اليهود المتشددين دينيا، وحزبين من اليمين المتطرف متحالفين مع حركة المستوطنين في الضفة الغربية. وخسر الائتلاف الأغلبية التي نالها في انتخابات عام 2022، إذ تراجع رصيده من 64 مقعدا إلى 53 مقعدا فقط في انتخابات هذا الأسبوع، في تحول كبير في موازين القوى السياسية.

في المقابل، ارتفع مجموع مقاعد أحزاب المعارضة من 56 مقعدا في الانتخابات السابقة إلى 67 مقعدا في الانتخابات الحالية، ما يمنحها، على الورق على الأقل، أغلبية تمكنها من الحكم. لكن هذه الأحزاب، بخلاف المعسكر اليميني، لم تتفق بعد على استراتيجية موحدة لتشكيل ائتلاف حكومي.

قد يكون للأداء القوي للأحزاب التي يقودها عرب أثر حاسم في تشكيل الحكومة المقبلة، إذ تتجه إلى الفوز بعدد غير مسبوق يبلغ 19 مقعدا. وقد تصبح هذه الأحزاب بيضة القبان في مفاوضات تشكيل الحكومة، رغم تعهد جميع الأحزاب اليهودية، باستثناء حزب واحد، بعدم التعاون معها.

بعد تأكيد النتائج النهائية، سيجري الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مشاورات مع جميع الكتل السياسية، قبل أن يكلف الزعيم الذي يراه الأقدر على تشكيل الحكومة بهذه المهمة، في عملية قد تستغرق أسابيع.

بعد تأكيد النتائج النهائية، سيجري الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مشاورات مع جميع الكتل السياسية، قبل أن يكلف الزعيم الذي يراه الأقدر على تشكيل الحكومة

خلال هذه الفترة، سيبقى نتنياهو، البالغ من العمر 77 عاما، في السلطة، وسط تكهنات بشأن احتمال استئناف إسرائيل والولايات المتحدة عملياتهما العسكرية ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة الأسبوع المقبل.

كان من أبرز وعود نتنياهو الانتخابية تنفيذ تهديده بإسقاط النظام الإيراني. وهناك مؤشرات على استعداده لاستئناف العمليات العسكرية ضد طهران، حتى مع استمرار المفاوضات لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.

وبحسب تقارير إعلامية أميركية، تضع الولايات المتحدة وإسرائيل خططا لشن هجوم محتمل على إيران مطلع نوفمبر/تشرين الثاني. ونقلت شبكة "إن بي آر" الإذاعية الأميركية عن مسؤول مطلع على هذه الخطط أن نتنياهو كان يعتزم في البداية توجيه ضربة عسكرية إلى إيران في منتصف أكتوبر/تشرين الأول، قبل نحو أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر/تشرين الأول. لكن الضربات العسكرية ألغيت بعدما اعترض الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة على تنفيذها، في وقت كان يسعى فيه إلى تجنب انتكاسة سياسية كبيرة في انتخابات التجديد النصفي الأسبوع المقبل.

تأخذ إيران هذه التقارير على محمل الجد، إذ نقلت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن مصدر أمني قوله إن أي هجوم يستهدف مسؤولين إيرانيين أو بنى تحتية مدنية سيدفع طهران إلى الرد باستهداف المصالح الأميركية في المنطقة، فضلا عن البنى التحتية والأصول التابعة للدول المشاركة في الحرب.

ليس ثمة ما يشير إلى أن إسرائيل ستخفف من حدة نهجها التصادمي تجاه إيران، حتى لو نجح آيزنكوت في خلافة نتنياهو على رأس الحكومة


ليس ثمة ما يشير إلى أن إسرائيل ستخفف من حدة نهجها التصادمي تجاه إيران، حتى لو نجح آيزنكوت في خلافة نتنياهو على رأس الحكومة. فآيزنكوت، البالغ من العمر 66 عاما، سبق أن شغل منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وكان عضوا في مجلس الحرب الذي شكله نتنياهو مع بداية حرب غزة. ويعرف بمواقفه المتشددة في قضايا الأمن القومي، سواء تعلق الأمر بالعمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران أو "حماس" أو "حزب الله".

منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، أيد آيزنكوت عموما قرارات نتنياهو بشن عمليات عسكرية ضد حركة "حماس" في غزة و"حزب الله" في جنوب لبنان. ويتفق الرجلان أيضا على هدفين أساسيين في التعامل مع إيران، هما منعها من امتلاك سلاح نووي وإضعاف شبكة الوكلاء التابعة لطهران.

ازداد إصرار آيزنكوت على مواجهة خصوم إسرائيل الإقليميين بعد مقتل ابنه الأصغر غال، الذي كان يبلغ من العمر 25 عاما، خلال القتال في غزة في ديسمبر/كانون الأول 2023، بعد شهرين من اندلاع الحرب. كما قتل اثنان من أبناء إخوته وأخواته في المعارك.

وقد كتب آيزنكوت في صحيفة "يديعوت أحرونوت" في أبريل/نيسان 2026: "أقسمت عند قبر غال أن لا يذهب الثمن الذي دفعه هو ورفاقه، من عرفهم ومن لم يعرفهم، سدى".

أما الاختلاف الجوهري الوحيد بين آيزنكوت ونتنياهو في القضايا الأمنية، فهو أن آيزنكوت يرى أن السعي إلى تسوية النزاعات بالوسائل الدبلوماسية لا يقل أهمية عن اللجوء إلى الخيار العسكري، بينما يبدو أن نتنياهو يفضل الاعتماد على القوة العسكرية الساحقة لتحقيق أهدافه. ولم يحقق هذا النهج حتى الآن النتائج التي كانت إسرائيل ترجوها من صراعاتها الأخيرة مع إيران وفي غزة وجنوب لبنان.

رغم هذا الاختلاف، يحرص نتنياهو وآيزنكوت على تقديم نفسيهما بوصفهما قائدين في زمن الحرب، وهو ما لا يبشر بالخير لمستقبل السلام في الشرق الأوسط.

font change