بعد الهزيمة الكارثية التي مني بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في انتخابات التجديد النصفي، لم يعد أمامه من خيار يذكر سوى التركيز خلال العامين المتبقيين من ولايته على أجندته المثيرة للجدل في السياسة الخارجية.
خسر الجمهوريون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، ما جعل ترمب فعليا رئيسا مكبل اليدين على الصعيد الداخلي.
فبموجب الدستور الأميركي، يملك الكونغرس سلطة التشريع والتحكم في الإنفاق العام، الأمر الذي يجعل المضي في سياسات ترمب الاقتصادية والسياسية شبه مستحيل من دون دعم الديمقراطيين.
كل الدلائل تشير إلى أن الديمقراطيين يعتزمون قضاء العامين المتبقيين من ولاية ترمب في فتح تحقيقات بشأن سلوكه، ولا سيما اتهامات الفساد الموجهة إليه. وفي هذه الظروف، يرجح أن تصبح أولويته الداخلية الرئيسة الدفاع عن نفسه في مواجهة احتمال الشروع في إجراءات لعزله.
مع تضاؤل قدرته على التحرك في الداخل، لن يبقى أمام ترمب سوى تركيز جهوده على القضايا الدولية، حيث يتمتع بهامش أوسع بكثير من حرية التصرف، بفضل الصلاحيات التي يحتفظ بها بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وبذلك، سيظل قادرا على أداء دور رئيس في الصراعات الدائرة في إيران وغزة وأوكرانيا، وهو دور قد تكون له، ولا سيما في الشرق الأوسط، تداعيات بعيدة المدى على أمن المنطقة واستقرارها.
أما العقبات التي قد يواجهها ترمب من الديمقراطيين في تحركاته على الساحة الدولية، فستقتصر على الأرجح على الحالات التي تتطلب موافقة الكونغرس. فأي محاولة جديدة من إدارته لتخفيف العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا، في إطار مساعيه إلى تحسين علاقاته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ستواجه معارضة شديدة من الديمقراطيين في الكونغرس، الذين يملكون صلاحية منع أي تعديل للسياسة الأميركية الحالية بشأن العقوبات على روسيا.
معظم الديمقراطيين لا يشاطرون ترمب ثقته بأن موسكو جادة في التفاوض على تسوية سلمية للحرب في أوكرانيا.
لم يتأخر الكرملين في محاولة استغلال ما يراه الروس تراجعا في مكانة ترمب السياسية بعد انتخابات التجديد النصفي، إذ تسعى موسكو إلى توظيف الصعوبات الداخلية التي يواجهها الرئيس الأميركي للضغط من أجل اتفاق سلام يخدم مصالحها.
وفي تعليقه على هزيمة ترمب في الانتخابات، أعرب المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف عن أمله في أن يواصل الرئيس الأميركي جهوده للمساعدة في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب في أوكرانيا.
من المتوقع أن يتوجه المبعوث الخاص للبيت الأبيض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر ترمب، إلى أبوظبي الأسبوع المقبل للتوسط في جولة جديدة من مفاوضات السلام بين الوفدين الروسي والأوكراني.
وقد أثار استعداد ترمب للتواصل مع بوتين قلقا عميقا لدى حلفاء واشنطن الأوروبيين، الذين يخشون أن يؤدي ذلك إلى اتفاق يكافئ روسيا على عدوانها بعد الغزو الشامل الذي شنه بوتين على أوكرانيا عام 2022، وأن تكون لمثل هذا الاتفاق تداعيات بعيدة المدى على مستقبل الأمن الأوروبي.
تسود توترات أيضا في العلاقات بين ضفتي الأطلسي بسبب طريقة تعامل ترمب مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي يتعرض لضغوط شديدة من إدارة ترمب لتوقيع اتفاق سلام يقضي بالتنازل نهائيا لموسكو عن أراض أوكرانية استولت عليها القوات الروسية.
أما في الشرق الأوسط، فتمثل طريقة تعامل ترمب مع الصراع الدائر مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي قضية أمنية أخرى بالغة الأهمية، قد تترتب عليها عواقب خطيرة على المنطقة، في وقت تتواصل فيه الجهود للاتفاق على إطار لتسوية سلمية دائمة بين طهران وواشنطن.
تدرك طهران بالتأكيد احتمال عودة ترمب إلى التصعيد العسكري. فقد أفادت تقارير بأن "المرشد الأعلى" الإيراني آية الله مجتبى خامنئي طلب من كبار قادته خلال عطلة نهاية الأسبوع الاستعداد للرد "من دون أي قيد جغرافي"
ووفقا لتقارير، تدرس الأغلبية الديمقراطية المقبلة في الكونغرس الضغط على ترمب عبر إقرار سلسلة من القرارات بشأن صلاحيات الرئيس في شن الحرب، سعيا إلى إنهاء الصراع في الشرق الأوسط.
أقر ترمب في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" بأن الحرب مع إيران أسهمت في هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، لكنه دافع عن قراره شن عمل عسكري ضد النظام الإيراني.
وردا على سؤال عن الأداء الكارثي للجمهوريين في الانتخابات، قال ترمب: "أعتقد أن إيران كانت جزءا من السبب". وكرر الفكرة في تصريح منفصل لصحيفة "وول ستريت جورنال"، قائلا: "كانت إيران جزءا من الأمر". لكنه واصل الدفاع عن قراره شن ضربات عسكرية على إيران، مؤكدا أنها كانت ضرورية لمنع طهران من تطوير سلاح نووي.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، تحدث الرئيس الأميركي عن إحراز تقدم في المحادثات الجارية مع إيران، قائلا: "يبدو أن الأمور تتقدم بصورة جيدة جدا".
وفي الوقت نفسه، ثمة مخاوف من أن واشنطن تخطط لجولة جديدة من الضربات ضد إيران، في وقت تسعى فيه إدارة ترمب إلى تكثيف الضغط على طهران أملا في تحقيق هدفها المعلن بتغيير النظام.
وقد شن الجيش الأميركي في وقت سابق من هذا الأسبوع ضربات على جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز، وصفها بأنها "دفاعية"، ما يشير إلى أن العمل العسكري لا يزال عنصرا أساسيا في نهج إدارة ترمب تجاه الصراع مع إيران.
ورغم تأكيد ترمب أنه لا يعتزم حاليا توجيه ضربات إلى إيران، تبقى المخاوف قائمة من احتمال أن يلجأ مجددا إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق إذا رأى أن مفاوضات السلام لا تحرز تقدما كافيا.
تدرك طهران بالتأكيد احتمال عودة ترمب إلى التصعيد العسكري. فقد أفادت تقارير بأن "المرشد الأعلى" الإيراني آية الله مجتبى خامنئي طلب من كبار قادته خلال عطلة نهاية الأسبوع الاستعداد للرد "من دون أي قيد جغرافي".
ووجه محسن رضائي، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، تحذيرا مماثلا في حديث إلى موقع "دروب سايت نيوز"، قائلا: "إذا كان السؤال هو ما إذا كانت إيران لا تزال قادرة على مواصلة عملياتها بالصواريخ والطائرات المسيرة، فالجواب نعم".
وأضاف: "في حال اندلاع حرب، قد تصبح الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي في مرمى النيران. وستكون لدينا خطة أوسع نطاقا".
ربما جعلت نتائج انتخابات التجديد النصفي ترمب رئيسا مكبل اليدين على الصعيد الداخلي، لكنها لم تسلبه القدرة على ممارسة نفوذ كبير في الساحة الدولية. ويبقى السؤال الآن: هل سيكون قوة إيجابية، أم رئيسا ينتهي به المطاف إلى جعل العالم أكثر اضطرابا؟