ثمة خيط سياسي واجتماعي واضح يربط بين الجدل الذي أثارته التعديلات الأخيرة على المناهج التعليمية في سوريا، والهجوم الذي استهدف مقترح منح المرأة السورية حق نقل جنسيتها إلى أطفالها. قد تبدو القضيتان مختلفتين في الظاهر، الأولى تتعلق بما يتعلمه ملايين الأطفال في المدارس، والثانية بحقوق المرأة القانونية وعلاقتها بالدولة. لكنهما تلتقيان عند سؤال جوهري: أي سوريا يريد أصحاب القرار بناءها؟ دولة المواطنة المتساوية، أم دولة تعيد إنتاج التراتبيات الاجتماعية والفكرية القديمة، وتضع المرأة في مرتبة أدنى من الرجل؟
ما جرى في ملف المناهج لم يكن مجرد نقاش تربوي حول تحديث الكتب أو مراجعة إرث النظام السابق. فقد أثارت التغييرات التي ظهرت في عدد من الكتب المدرسية، من حذف صور نساء وفتيات صغيرات وأعمال فنية إلى تعديل صور أخرى وإزالة مضامين تتعلق بالمساواة والمواطنة، أسئلة جدية حول المعايير التي تحكم عملية إعادة صياغة الوعي لدى الجيل السوري الجديد.
والأخطر في هذه المسألة ليس تعديل صورة أو حذف رسم بحد ذاته، بل الفلسفة التي قد تقف خلف هذه الاختيارات، وما إذا كانت المدرسة ستصبح مساحة لتعليم الأطفال التفكير النقدي واحترام الاختلاف والتنوع، أم أداة لإعادة إنتاج تصورات اجتماعية وأيديولوجية أحادية.
أثارت التغييرات التي ظهرت في عدد من الكتب المدرسية، من حذف صور نساء وفتيات صغيرات وأعمال فنية إلى تعديل صور أخرى وإزالة مضامين تتعلق بالمساواة والمواطنة، أسئلة جدية حول المعايير التي تحكم عملية إعادة صياغة الوعي لدى الجيل السوري الجديد
وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الأسئلة تثير نقاشاً واسعاً، برز ملف آخر لا يقل دلالة. فقد أعادت تصريحات وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات حول مقترح منح الجنسية السورية لأطفال النساء السوريات المتزوجات من غير سوريين فتح نقاش قديم حول حق المرأة في المواطنة المتساوية. وبدلاً من أن يكون النقاش مناسبة لمراجعة قانون تمييزي يعود إلى عام 1969، انطلقت حملة اعتراضات استند قسم كبير منها إلى مخاوف ديموغرافية وأمنية، وإلى ربط حق الأطفال بجنسية أمهاتهم وبهوية آبائهم أو خلفياتهم.
المفارقة أن المرأة السورية التي يُفترض أنها شريكة في بناء الدولة الجديدة، لا تزال مضطرة إلى الدفاع عن أبسط حقوقها بوصفها مواطنة. فالرجل السوري يستطيع نقل جنسيته إلى أبنائه سواء ولدوا داخل البلاد أم خارجها، بينما لا تتمتع المرأة بالحق نفسه، باستثناء حالات قانونية محدودة. وكأن جنسيتها وحدها لا تكفي لتكون مصدراً لهوية أطفالها، وكأن مواطنتها تظل ناقصة ما لم تمر عبر الرجل.
لا يتعلق الأمر هنا بمنحة تقدمها السلطة للنساء، ولا بامتياز يمكن إخضاعه للمزاج السياسي أو الاعتبارات الاجتماعية. إنه مبدأ المساواة أمام القانون، المبدأ الذي نص عليه الإعلان الدستوي وأكد عليه الرئيس السوري أحمد الشرع في أكثر من مناسبة. وإذا كانت الدولة الجديدة جادة بأنها تريد القطع مع إرث الاستبداد والتمييز، فإن الإبقاء على هذا التفاوت التشريعي، أو إخضاع إصلاحه لحسابات سياسية وأمنية، يناقض جوهر أي مشروع جدي لبناء دولة المواطنة.
الأكثر إثارة للقلق هو طبيعة الهجوم على المقترح. فبدلاً من مناقشة النص القانوني ومعاييره وضماناته، اتجه جزء من الخطاب المعارض إلى تصوير المسألة باعتبارها تهديداً للتركيبة السكانية أو محاولة لمنح الجنسية لأبناء مقاتلين أجانب. وهي مخاوف يمكن مناقشة جوانبها القانونية والأمنية، لكن لا يجوز أن تتحول إلى اتهام جماعي، ولا أن تكون ذريعة لحرمان آلاف الأطفال من حق قانوني بسبب جنسية آبائهم أو أفعالهم.
المفارقة أن المرأة السورية التي يُفترض أنها شريكة في بناء الدولة الجديدة، لا تزال مضطرة إلى الدفاع عن أبسط حقوقها بوصفها مواطنة
فإذا كان هناك أب ارتكب جريمة، فهناك قانون يحاسبه. أما الطفل فلا يرث المسؤولية الجنائية عن والده، ولا ينبغي أن يتحول إلى ضحية دائمة لهوية لم يخترها. ومن حق الدولة أن تضع إجراءات واضحة للتحقق من الوثائق والزيجات والطلبات، لكن ليس من حقها تحويل الاستثناءات إلى قاعدة، أو استخدام المخاوف الأمنية لتكريس التمييز بين المواطنين والمواطنات.
هنا تحديداً تلتقي قضية الجنسية مع قضية المناهج. ففي الأولى، يجري النقاش حول ما إذا كانت المرأة تملك حقاً متساوياً في نقل جنسيتها، وفي الثانية، حول الصورة التي ينبغي أن تظهر بها المرأة في الكتب، وما إذا كان حضورها ومشاركتها ومكانتها في المجتمع أموراً طبيعية أم مسائل قابلة للحذف والتعديل وفق رؤية أيديولوجية معينة.
ليس من الضروري أن يكون هناك قرار مركزي واحد يربط بين الملفين حتى نرى دلالتهما السياسية. فالمؤشرات المتزامنة تكفي لطرح تساؤلات جدية حول موقع حقوق النساء في التصور الذي يحكم عملية بناء سوريا الجديدة. هل نحن أمام دولة تريد تحرير المجتمع من التمييز، أم أمام سلطة تتحدث عن التغيير السياسي بينما تترك المجال لإعادة إنتاج التمييز بوصفه قاعدة لتنظيم الحياة العامة؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا بعد عقود من الاستبداد ليس فقط فشلها في بناء مؤسسات جديدة، بل أن تستبدل منظومة الإقصاء القديمة بمنظومة أخرى، تستخدم لغة مختلفة لكنها تحتفظ بالذهنية ذاتها: تحديد من يحق له أن يتكلم، ومن يحق له أن يقرر، ومن يستحق حقوقاً كاملة، ومن ينبغي أن يكتفي بما يُمنح له.
لا يمكن بناء دولة حديثة بمناهج تخشى الاختلاف، ولا بقوانين تمنح الرجل حقوقاً تحجبها عن المرأة، ولا بخطاب يختزل المواطنة في الانتماء الاجتماعي أو الديني أو العائلي. سوريا لا تحتاج إلى ثورة سياسية فقط، بل إلى ثورة في مفهوم المواطنة نفسه. والمواطنة لا تتجزأ: لا يمكن أن نطالب الطفل باحترام الآخر فيما نحذف الآخر من كتابه، ولا أن نعلمه المساواة فيما يرى أن أمه أقل قدرة من أبيه على منحه هويته الوطنية.
السؤال الذي ينبغي أن يواجه السلطة اليوم ليس ما إذا كانت هذه التعديلات أو تلك المقترحات ستثير غضب المحافظين، بل ما إذا كانت تملك الشجاعة السياسية للدفاع عن دولة الحقوق المتساوية، حتى عندما تتعارض هذه الحقوق مع مزاج سائد.
في العام 1949 نالت المرأة السورية حقها بالتصويت، لتكون بذلك أول امرأة عربية تنال هذا الحق. اليوم، بعد نحو 80 عاماً، تعود سوريا لمناقشة البديهيات؛ سوريا بعد انتصار الثورة تحذف صور النساء من الكتب!
لم أكن يوماً من الناشطات النسويات، ولم أنشط يوماً خلال الثورة بقضايا المرأة وحقوقها، كنت أظن- واهمةً- أن الثورة حين تنتصر فانتصارها سيطال جميع السوريين، رجالاً ونساءً.
لكن الثورة التي لا تنعكس على حياة النساء وحقوقهن، ولا تحمي حقهن في المواطنة الكاملة، ولا تضمن لأطفالهن المساواة أمام القانون، لم تنجز بعد أهم وعودها. فلا معنى لسوريا جديدة إذا كان المطلوب من المرأة أن تكون شريكة في التضحيات والواجبات، ومواطنة من الدرجة الثانية عند الحقوق.