متضررون من الحجر والإغلاقات العامة لـ«المجلة»: انتظار المجهول يدمّرنا نفسيًا

خططوا ورسموا مستقبلهم لسنوات...

«المجلة» تلتقي عددًا من متضرّري الحجر الصحي العالمي، وتنقل لكم همومهم

متضررون من الحجر والإغلاقات العامة لـ«المجلة»: انتظار المجهول يدمّرنا نفسيًا

* اختصاصية نفسية: من الضروري عدم وضع خطط للمستقبل البعيد، والتركيز على الوقت الحالي، لأن فشل المخططات قد يسبب الإحباط
* من الضروري عدم البحث عن مذنب في هذه المرحلة، والتركيز على معرفة سبل وممارسات للرضا عن الذات والاستماع إلى الاحتياجات الداخلية
* عالقون في المطارات.. وطلاب تضرر مستقبلهم التعليمي.. وشباب أجلوا زفافهم.. وأسر مزقها الفيروس.. وتساؤلات بلا رد عن نهاية الأزمة
* سيدة سورية: بالنسبة لشخص عاش تجربة الحرب في سوريا، لا أعتقد أن أزمة كهذه قد تؤذيه نفسيًا، لكن المؤذي هو الوحدة

لندن: شركات أفلست، اقتصادات انهارت، أحداث رياضية كلّفت المليارات... أُجّلت، وحكومات أعلنت عجزًا وديونًا لا سداد لها... في زحمة هذه الانهيارات الضخمة، هناك من يقبع بين جدران منزله، وحيدًا ربما إلا من أزماته التي تبدو صغيرة للناظرين، لكنها ضخمة في عيني صاحبها ومؤلمة.
بعيدًا عن اكتئاب العزلة، وهموم الوحدة، والثقل النفسي للحجر المنزلي الإلزامي، تغيرات جوهرية إلزامية في حياة الكثيرين، أثقلت أكتافهم وقلبت طاولة مخطّطاتهم لسنين قادمة، وربما للأبد. الأزمة التي خلقها انتشار فيروس كورونا المستجد تسببت بمصائب كبيرة، وبين خطط للهجرة ودراسة لسنوات في سبيل السفر لتحصيل علمي أفضل، وسيل المقابلات والأوراق الحكومية والمعاملات الرسمية للسفر والزواج، يجد البعض أنفسَهم عالقين أسفل جدران منازلهم أو منازل مستعارة، ليس بيدهم حيلة، سوى انتظار الغد الأفضل، والذي لا يبدو قريبًا على أفضل تقدير.
«المجلة» التقت عددًا من متضرّري الحجر الصحي العالمي، ونقلت لكم همومهم.
 
سحر، مقيمة مع زوجها في تركيا، تقول: «تنظيم الوقت كان أسهل قبل الحجر المنزلي، العمل كان ضمن ساعات محدّدة، الأمر الذي كان يسمح لي بتخصيص وقت لنفسي، أما الآن بتُّ أعمل من المنزل لساعات أطول بجهد ذهني أكبر، وإنجاز دون المستوى تحت ضغط كبير».
وعن الأثر الأكبر لإغلاق الحدود السورية تقول: «ذهبت في زيارة إلى سوريا مطلع مارس (آذار)، وأنا اليوم عالقة في الداخل السوري، وزوجي وحيد في تركيا، ولا يبدو واضح لي تاريخ السفر مجددًا، أما الأمر الأكثر خطورة فهو احتمال انقضاء الفترة المطلوبة لتجديد إقامتي التركية، الأمر الذي أرهقني نفسيًا بشدة»، تتابع: «خطتنا كانت السفر إلى أوروبا لأجل دراسة زوجي، وقد تقدّم زوجي بالفعل بطلب للحصول على منحة دراسية، وحصل على قبول مبدئي وتأهل للمقابلة الشخصية، لكن تم تأجيل كافة المقابلات بسبب جائحة فيروس كورونا. خطط حياتنا كلها كانت مرتبطة بالسفر لأجل الدراسة، والآن لا ندري إذا كان منحُ الموافقات الجامعية سيتوقف». 
وكان من المقرر أن تسافر سحر في عدة تدريبات في أوروبا، لكنّها أٌلغيت أيضًا لذات السبب.
وعن حالتها النفسية تقول: «في البداية كنت أتجنب أي سؤال عن إنجازاتي خلال فترة العزل، لأن ذلك شكل ضغطًا نفسيًا كبيرًا علي، فتنظيم وقتي في البداية شكّل تحديًا كبيرًا، إلى جانب قلقي الدائم من احتمال حملي للفيروس. أما الآن فأشعر ببعض التحسن، واستطعتُ ترتيب أولوياتي بعض الشيء».

 

285 مواطنًا تركيًا يتوجهون إلى مهجع للحجر الصحي لمدة 14 يومًا بعد وصولهم إلى مطار إسطنبول عائدين من ألمانيا بتاريخ 21 أبريل (غيتي)


 
مصطفى، مقيم في الأردن، بدأ بالتخطيط للهجرة منذ سنوات، وانتظر ردًا من السفارة بفارغ الصبر، وقد تم بالفعل تحديد موعد سفره وزوجته قبل أيام من إعلان كوفيد-19 كجائحة، وعليه تقدم باستقالته من العمل، ورتّب أموره للسفر، لكن خططه كلها توقفت فجأة. يحكي مصطفى ما حدث معه: «انتظرنا الردّ بخصوص الهجرة لمدة 3 سنوات، بقيت حياتنا معلّقة بانتظار موعد السفر، لكنها اليوم توقفت تمامًا، فبعد أن جاءنا الرد بخصوص موعد السفر، تقدمت باستقالتي من عملي، وأخطرت مالك المنزل الذي أقيم فيه حاليًا بتسليمه، وحزمت حقائبي مستعدًا للسفر، لكن السفر ألغي قبل أيام قليلة من موعده. كنت أخطط لبدء حياة جديدة في مكان آخر، واليوم حياتي متوقفة لا جديد سوى انتظار السفر»، وأضاف أن ما يقلقه حاليًا هو احتمال تأخر السفر فترة طويلة، أو خسارتهم لفرصة الهجرة وإلغاء السفر نهائيًا، الأمر الذي أرهقه نفسيًا وجعله يرفض أي إنجاز خلال فترة الحجر المنزلي الاحترازي. وأضاف ضاحكًا: «إذا كانت نهاية العالم، فلتكن، علينا أن نستسلم للأمر الواقع».
 
نجلاء، انتقلت إلى بريطانيا منذ فترة قصيرة بهدف الدراسة، وبسبب الإغلاق العام هناك، والتحول إلى الدراسة عن بعد سلّمت غرفتها في السكن الجامعي، تقول: «باعتباري انتقلت للسكن مع عائلة، فمن السهل تنظيم وقتي بناءً على وقت الأطفال، أحاول أن أتعلم الطبخ وصنع الحلويات، لاعتقادي بأن النظام الصحي الغذائي المتوازن من أساسيات المرحلة لدعم مناعة الجسم والحفاظ على الوزن، ألجأ إلى الرسم والقراءة والموسيقى، وأكتب مذكراتي أحيانًا في محاولة للتأمل في هذه المرحلة والتجربة الجديدة، ولتجنب الروتين، كما أسعى جاهدة لمتابعة دراستي عن بعد، وأتجنب متابعة الأخبار قدر المستطاع».
أما عن الأثر الأكبر للإغلاق العام، فتحكي نجلاء: «خسرتُ التجربة الأكاديمية المميزة التي سافرتُ لأجلها، وخلال أيام قليلة سافر جميع من حولي، بالتزامن مع بدء تعوّدي على المدينة الجديدة والأشخاص الجدد والجامعة. فجأة تغير كل شيء، وهذا يعيد إلى ذاكرتي الكثير من المواقف المشابهة في سوريا. وما جعل الأمر أكثر سوءًا هو تأخر الجامعة بالإعلان عن القرارات الجديدة، الأمر الذي لم يسمح لي باتخاذ قرار السفر في وقت مبكّر، حتى أغلقت المطارات وانتهى بي الأمر عالقة هنا وحيدة، وأسرتي في مكان آخر، ولا أعلم متى أستطيع العودة». 
وتستطرد: «بالنسبة لشخص عاش تجربة الحرب، لا أعتقد أن أزمة كهذه قد تؤذيه نفسيًا، لكن ذلك كان سيكون صحيحًا لو كنت في الداخل السوري، لأنها ستكون أزمة عابرة ككل الأزمات السابقة واللاحقة، لكن المؤذي نفسيًا لي هو أنني وحيدة هنا، وأعيش هذه المشاكل وحدي، فالفراغ الاجتماعي والنفسي الذي وضعتني فيه أزمة كورونا ليس سهلاً أبدًا».
 
رؤى، طبيبة انتقلت مؤخرًا إلى ألمانيا في محاولة لتعديل شهادتها بعد محاولات ومعاملات طويلة باءت بالفشل في فرنسا، تحكي تجربتها: «الحجر المنزلي تجربة جديدة، ولكن مع كل تجربة جديدة نكتشف أن لدينا مرونة عالية للتأقلم مع أصعب التغيرات، وكأي تجربة جديدة، البداية كانت صعبة للغاية، لكن الوضع أصبح روتينيًا الآن. المشكلة تكمن في عدم وضوح المستقبل، يعني لو أننا نعلم أن الأمر سينتهي بعد أربعة أشهر مثلاً، لكان الأمر أسهل بالفعل، أما الذهاب إلى المجهول فهو ما يجعل الوضع مرعبا».
وعن التحدي الأكبر في ظل أزمة فيروس كورونا المستجد: «كان من المقرر أن أخضع لامتحان مصيري لتعديل شهادتي الشهر الماضي، بدأت الدراسة له قبل عام، وبحثتُ طويلاً عن حضانة مناسبة لابني لأستطيع التفرغ للدراسة، لكن تم إلغاء الامتحان! بالإضافة إلى أنني عادة وفي هذا الوقت من العام أسافر لزيارة أسرتي، وهذه هي المرة الأولى التي يمرّ فيها عامٌ دون أن أقابلهم، وقد لا أستطيع السفر إليهم في أي وقت قريب، لأن احتمالات فتح المطارات في الدولتين وعودة الحياة إلى طبيعتها بعيدة جدًا حاليًا، الأمر الذي أرهقني نفسيًا بالفعل، فأنا شخص منظم بطبعي، وأسعى دائمًا لوضع خطط مستقبلية وترتيبها، لكن خططي لهذا العام باءت بالفشل».
 
حسناء، خريجة إدارة أعمال مقيمة في لبنان، كان عرسها وسفرها مقررًا مع نهاية العام الجاري، لكنّ كل شيء تأخر، وتقول: «توقفت معاملات الزواج والسفر بشكل كامل، الأوراق الواجب إنجازها كثيرة، وتحتاج وقتًا طويلاً، لم أعد أستطيع استكمال التخطيط للزفاف أو السفر، وتوقف الحياة بهذا الشكل يعني بالتأكيد تأخير زواجي إلى أجل لا أعرف له نهاية». 
وعن بداية الحجر الصحي الاحترازي تحكي: «في البداية كان الوضع مقبولاً، كنتُ أمارس الرياضة، وأقرا كثيرًا، وأسعى للحفاظ على معنوياتي عالية وإيجابية، لكن المدة طالت، والحجر منعني من مقابلة خطيبي لفترة طويلة، وأصيب خطيبي بالفيروس، ما أدخلني في دوامة من الحزن لأسابيع، تجاوزتُها لاحقًا بأن تجنّبت كافة الأخبار السلبية من أي نوع، وبدأت أبحثُ عن إيجابيات هذه المرحلة، ثم استطعت التركيز على مهام لطالما أجلتها بحجة الانشغال الدائم، وأنجزتُها بالفعل».
 
ياسمين، مقيمة في بريطانيا، خطّطت طويلاً لزفافها في مصر، وأنهت كافة التفاصيل والحجوزات المتعلقة بالحفل، وانتهى الأمر إلى الإلغاء، تحكي لـ«المجلة»: «بالنسبة لي، شكلت أزمة الفيروس انتكاسة مؤلمة، فقد اضطررت لإلغاء حفل زواجي في مصر بعد أشهر من التخطيط والتوتر والقلق. اتخذنا القرار بإلغاء الحفل حتى قبل إلغاء رحلات السفر من قبل الخارجية البريطانية وإغلاق الفنادق في مصر بتوجيهات حكومية، خشية أن يتعذر على ضيوفنا الحضور أو أن نضعهم ضمن دائرة الخطر، بالإضافة إلى أن فكرة الاستمرار في التخطيط لحفل زفاف قد لا يحدث، أمر مؤلم حقًا». 
وتتابع: «رغم أنه وقت صعب للغاية بالنسبة لي، إلا أنني أشعر بالأسف لأنني أعلم أن هنالك من يعاني من مشاكل أضخم، كالعاملين الذين يخاطرون بحياتهم لأجل سلامة الآخرين، والعائلات التي مزقها البعد وإغلاق المطارات لأشهر طويلة، والموظفين الذي خسروا وظائفهم.. أعتقد أن هذه الأزمات هي أسوأ تداعيات الفيروس».

 

الاختصاصية النفسية أمل جوبي لـ«المجلة»: من المهم الحفاظ على الروتين اليومي، وتجنب الأخبار السلبية


 
الحل مع الأثر النفسي السيئ للحجر
رغم أن الحجر الصحي والعزلة من الأساليب القديمة في التعامل مع الأمراض المعدية، إلا أن الفصل بين الأصدقاء والأقارب والمجتمع الأوسع يمكن أن تكون له آثار ضارة على الصحة النفسية والعقلية.
تقول الاختصاصية النفسية أمل جوبي، العاملة في منظمة تركية للاستشارات الصحية النفسية، إن هناك خطورة في عدم تقبل الأفراد لهذه الأزمة وإنكارهم لها، مشيرة إلى الدور الأساسي للظروف الاجتماعية والمادية والاستعداد النفسي في الحفاظ على الصحة النفسية. 
وأضافت: «قد تظهر على الأشخاص أعراض مثل القلق والخوف من المجهول واضطرابات النوم، واضطرابات الأكل، وعدم السيطرة على الانفعالات، وعندما يفقد الشخص القدرة على ضبط الذات ويشعر بالخلل، فإن ذلك يؤدي إلى تدهور في صحته النفسية».
ولفتت الاختصاصية جوبي على أهمية التعاطف وتقبل الذات، وعدم البحث عن مذنب في هذه المرحلة، والتركيز على البحث عن سبل وممارسات للرضا عن الذات والاستماع إلى الاحتياجات الداخلية. 
وأضافت: «من الضروري عدم وضع خطط للمستقبل البعيد، والتركيز على الوقت الحالي، لأن فشل المخططات قد يسبب الإحباط»، كما تطرّقت إلى أهمية الابتعاد عن الأخبار السلبية واستبدالها بمتابعة مستجدات انتشار الفيروس من مرجعيات موثوقة.
 
* تم استخدام أسماء مستعارة حفاظًا على الخصوصية.

font change