[/caption]
ملف "المجلة" ينقسم إلى قسمين: الأول يكتبه الصحفي البريطاني المتخصص بالشأن السوري والصديق لآل الأسد باتريك سيل ومقابلة مع تالكوت سيلي الدبلوماسي الأميركي المتقاعد والذي كان مبعوثا للولايات المتحدة لدى دمشق.
باتريك سل سيكتب كتابا ضخما عن (حافظ الأسد)، من منظور تقريظي، حيث أن الكتاب رغم أنه لم يعمم علنا في المكتبات السورية، لكنه كان مسموحا تداوله ولعل هذه الروح التقريظية نجدها ساطعة من خلال مشاركة سيل بملف "المجلة" تحتعنوان (الأسد مايسترو القوى المتنافرة) حيث من خلال هذا المدخل سيتناولعلاقة الأخوين (حافظ ورفعت).
المنظور التقريظي يتجلى في مقاله بملف "المجلة"، وذلك منذ بداية قراءته لسيرة الأسد الأب، حيث التطرق لإعجاب هنري كيسنجر بذكائه، عندما يقدم له صورة زاهية في مذكراته ، ويسوق لنا بعض التفاصيل المتعلقة بتفاوض فك الارتباط في الجولان لعام 1974، مسلطا الأضواء على الجوانب الخفية من أسلوب الأسد، من حيث اعتماده مترجما واحدا، ومن ثم الزام مساعديه بمعرفة المناقشات الي كانت تدور بينه وبين كيسنجر.
خصوصوية
إن الفكرة الرئيسة التي تشكل إشكالية مقال سيل، وهي براعة الأسد في الحفاظ على التوازنات بوصفه (مايسترو القوى المتنافرة) فيسوق شكل إدارته لأهم مراكز السلطة والنفوذ البالغين بين 20 و30، ثم يعرض لنا لفترة مرضه ونقاهته، فغاب المايسترو، مما أدى إلى أن تطفو على السطح مشكلة الخلافة، حتى بلغت حد المواجهة بين سرايا الدفاع التابعة لرفعت ووحدات اللواء الثالث، لكن المايسترو سيتدخل بعد بلئه من مرضه لإنهاء النزاع من دون إراقة دماء.
وهنا يتوقف سيل عند بيت القصيد الذي سيميز خصوصية بناء التسلطية الأسدية عسكريا وسياسيا، وهو أن بناء سرايا الدفاع قام من أجل أن تكون ثقلا موازنا ومقابلا للجيش، رغم أنها – نظريا - جزء من القوات المسلحة، إلا ان رفعت جعلها جيشا داخل الجيش، من حيث المعدات والتدريب الخاص، وهذه أول إشارة يقدمها مقال "المجلة" للكشف عن الخصوصية الأسدية في إدارة الحكم، بما يميز حكمه ودوامه الطويل، حيث (السرايا) ستكون عاملا رئيسيا في الحفاظ على نظام حكم الأسد، وذلك لأن الجيش كان قبل الأسد هو العامل الرئيس لتغيير الحكومات في العهود السابقة.
هذه الإضاءة هامة جدا للقارئ في تلك الفترة ولنا الآن، ونحن نراقب النتائج الكارثية للحرس الجمهوري الوريث البنيوي لسرايا الدفاع للجيش السوري كقوة حاسمة في حماية النظام، وهي مهمة للقارئ العربي غير السوري الذي يعيش داخل الأحداث... حيث أن هذا المعطى سيشكك بكل المعطيات التي تعزو للرئيس كفاءات قيادية مميزة، وذكاء ودهاء خاص يصل إلى حد وصفه بالعبقرية لدى بعض الباحثين الذين يبدون حياديين كسيل، عبقرية أتاحت له أن يكون المايسترو بين القوى المتنافرة...
في حين أن فكرة تشكيل جيش خاص بتسليح وتدريب خاص، ويمكن الإضافة - على ما سكت عنه سيل - عنصر القاعدة الاجتماعية لنظام الأسد، المتمثل بالمنبت السوسيولوجي العصبوي الطائفي الخاص داخل الجيش العام، كل هذه العناصر تؤطر سر الديمومة الأسدية وتطلعها للحكم (إلى الأبد)، هذا السر بدأ بتشكيل سرايا الدفاع ورئيسها شقيق الرئيس رفعت بالأمس، وماهر الأسد اليوم لكن بتسميات جديدة، حيث غدت سرايا دفاع رفعت، هي الحرس الجمهوري لماهر التي يحتكم إليها ويعتمد عليها في الحفاظ على الديمومة الأسدية إلى الأبد من قبل الابن الوريث اليوم، وقد أتت الأحداث الجرائمية المتوحشة والمروعة في دمويتها الهستيرية التي تبلغ حد الذبح في غرف النوم لتبرهن على راهنية كشف مقال "المجلة".
حيث هذه الراهنية تتمثل في كشف سر استمرارية المدرسة الأسدية العصبوية الطائفية الغريزية والبدائية، وهي سر تكوين جيش (أسدي) خاص، بدأ بسرايا دفاع رفعت، ويستمر اليوم بالحرس الجمهوري لماهر، وهما يشتركان بمآثر متشابهة، حيث العم مارس النهج الأسدي من خلال ما أنجزه من بطولات ضد شعبه في تدمير (حماة)، واليوم يسجل ابن الأخ الأسدي الصغير المسيرة الأسدية للأب والعم ببطولاته ضد شعبه في تدمير (حمص)..
هناك لفتة هامة مبكرة في نص مقال "المجلة "، وهي اللفتة القائلة بأن إعادة توزيع المهام بعد خروج الأسد من مرضه وبعد الهزة التي تعرض لها نظامه من خلال الصراع بين أخيه رفعت ومجموعة القوى العسكرية والحزبية الأخرى، والتي حسمت بترفيع رفعت إلى نائب للرئيس، التي هدفت من جهة إلى تجريده من فعاليته العسكرية، لكنها من جهة ثانية حافظت على دوره الفعال في حماية النظام، وضرورته الاستراتيجية لأخيه، حيث أن علاقته بشقيقه تكمن (في قلب نظام السلطة في سورية... حيث هذه العلاقة ليست موضوعا يجرؤ على التطرق إليه أولئك الذين هم خارج النظام)، إذ أن هذه العلاقة تدخل في أخص الخصوصيات الداخلية (االعائلية/ الباطنية) التي ميزت وستميز الأسدية، حيث رفعت يلعب دائما دور (القناع/ الماسك) لما يخارج باطن (الأخ الكبير)، فعندما يقوم الأول بمفاوضة أمريكا في أوائل السبعينات، كان الثاني رفعت (القناع) يحافظ على (قناة الاتصال) الخلفية مع موسكو، التي منحته الدكتوراه (الفخرية - الخلبية)، حيث سيتزود نظام الفساد الأسدي بخبرات جديدة في بناء النظام الشمولي الذي يستند إلى مبدأ (الولاءات لا الكفاءات)، حيث سيتعرض رجال النظام السوري إلى جائحة عقدة (الدكتوراه) إذ غدت شهادة مبتذلة، مادام قد حصل عليها (رفعت مؤسس التشبيح) الذي أعطى نتائجه الدموية الباهرة اليوم على يد ابناء الأخ الأسديين الصغار بعد أن أصبحت صيغة (التشبيح) مفردة عالمية يعود فضل اكتشافها إلى (القناع التشبيحي الأسدي رفعت)، هذا القناع سيستخدم بشكل لاحق لدور آخر، إذ سيتحول إلى قناة اتصال خلفية مع أمريكا، وذلك بعد توقيع معاهدة الصداقة مع موسكو سنة 1980..
[caption id="attachment_55233346" align="alignright" width="300" caption="الأسدان حافظ ورفعت.. تبادل أدوار"]
[/caption]
دولة الرعب
إذا كان الأسد الأصغر(رفعت) مع سرايا الدفاع قد مثل قاعدة الإرتكازا في مثلث القوة الداخلية الحاسمة في بنية النظام الأسدي: كقوة عسكرية داخل الجيش من جهة، وكقوة سياسية عائلية (أسدية) كملاط دامج داخل الطائفة من جهة ثانية، حيث ستؤسس لاحقا للنظام الوراثي الذي سيهمش الأخ لصالح الأبناء، مع التأكيد على اللحمة العائلية كقاعدة صلبة للنظام بما فيها رفعت الذي عوض عن شراكته العسكرية والسياسية بمليارات الدولارات التي أنهكت الموازنة السورية فاستعين بليبيا.
لكن محافظة الأسد المؤسس على رئيس الأركان حكمت الشهابي وكتلة العسكريين المؤيدة له مباشرة بالتوازي مع سرايا الدفاع، ومن ثم الحفاظ على محمد الخولي رئيس المخابرات الجوية وعلي دوبا رئيس المخابرات العسكرية، لتشكل القوتين (العسكرية والأمنية)، هيكل النظام هذا جعله يحافظ على المنظومة العسكرية - الأمنية بوصفها القوة الحاسمة للنظام، وذلك على حساب تهميش حزب البعث كونه القوة الوحيدة العابرة للطوائف في سوريا، مما يرسخ دولة الرعب بعد ما اعتبره النظام انتصارا ساحقا للنظام على الشعب بعد أحداث الثمانينات وتدمير حماة.
كان حزب البعث هو الحلقة الأضعف بالهرم التسلطي في دولة الرعب الأسدية التي تربع الأسد على قمة هرمها كإله فرعوني، وليجعل من حزب البعث بمثابة كهنة المعبد للتأليه والتعبد والتقديس والطقوس الإعلامية، وكان تعبير ذلك من خلال وضع الحلبي الزقاقي زهير مشارقة كنائب للرئيس، على طريقة كل الديكتاتوريين في العالم في اختيار شركائهم من وسط الأكثر قدرة على الطاعة والانصياع لصغر أحجامهم، حيث مشارقة هذا كان يقاتل في حزب البعث في مدينته حلب ليكون مديرا للتربية، فاستفاق كما يحدث في ليالي القدر نائبا لرئيس الجمهورية... وليس أية جمهورية، بل هي جمهورية الخوف الأسدية، جمهورية الفساد الممنهج والمنظم، والتي يستطيع فيها المسؤول بالتوكل على الصنم الأسدي أن يفعل ما يريد... فتحول هذا الرجل إلى طرفة بسبب تطامن أحلامه، وهي تعدد الزوجات، حتى أصبح شهيرا من خلال أمه التي حولها كخطابة لإبنها المسؤول الشهير بنائب رئيس الجمهوري.. .حيث سلطته - أي سلطة حزب البعث - لم تتجاوز هذه الحدود أبدا في دولة الرعب الأسدية... بعد أن قام مثلث الرعب (العسكري - المخابراتي - الأسدي) مثلث يتنضد في مصفوفة عصبوية طائفية... نرى آثارها اليوم على خراب العمران ليس بالمعنى الخلدوني المدني بل بمعنى خراب العمران بالمعنى الجنكيز خاني بعد أن بذلت الأسدية جهدها خلال أكثر من أربعين سنة على إنشائها بتطويع أموال سوريا لخراب سوريا.
هذه محصلة ما قدمه لنا ملف "المجلة" منذ حوالي ثلاثين سنة عن الأسدين، عن براعة معادلة الحكم الأسدي... وقد ختمت هذا الملف بمقابلة مع تالكوت سيلي الدبلوماسي الأميركي المتقاعد والذي كان مبعوثا للولايات المتحدة لدى دمشق والذي يعتبر أكثر الأميركيين خبرة بالأسد والمحيطين به... حيث يدعو سيلي إلى اتباع سياسة أميركية أكثر إيجابية نحو سوريا التي لا يعتبرها تابعا للاتحاد السوفيتي، متفقا بالرأي مع زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي الذي عبر عنه في مقابلة كانت قد نشرتها "المجلة" قبل أسبوع .. وهو الرأي الذي عبر عنه مقال باتريك سيل في هذا الملف من "المجلة" وهي حرص الأسد على توظيف شقيقه رفعت على لعب الدور الثاني المناقض: فإذا تقارب الأخ الأكبر مع أمريكا، وكّل أخاه بفتح (قناة اتصال) ثانية مع الاتحاد السوفياتي، وكذلك جرى العكس بعد معاهدة الصداقة سنة 1980 مع السوفييت، فقد كلف رفعت بفتح قناة خلفية مع أمريكا... ولعل هذه الآلية هي التي تفسر الفلسفة السياسية للأسدية القائمة على إعلان الصمود والتصدي من جهة، والتقارب والتواصل التوددي من جهة أخرى.. أو ما سميناه أخيرا (الممانعة مع الغرب والمماتعة مع إيران)، حيث الممانعة لغويا تستند لمعنى القول المأثور للإمام علي بن أبي طالب: يتمنعن وهن الراغبات!!!
التقرير الأصلي