معمر القذافي[/caption]
في إطار محاولة فهم سلوك الدكتاتور، فإن أول شيء يجب إدراكه هو أن الدكتاتورية، كشكل من أشكال الحكم، هرمية: أي أنها تصبح أضيق كلما ارتقينا مع النظام صعودا. حيث يعتمد كل دكتاتور على أقل عدد ممكن من الناس من خلال اعتماده على مجموعة محدودة من الأصدقاء. ويفسر لنا عالما السياسة بروس بوينو دي مسكيتا، وألاستير سميث في كتابهما «دليل الدكتاتور» كيف يمثل ذلك تكتيكا ذكيا لبقاء الدكتاتور. وباستعارة مصطلحات العالمين، فإن كل دكتاتور يعتمد على دائرة صغيرة من «الأساسيين» - الأشخاص الذين يحتاج إلى تأييدهم للاستمرار في حكمه. وخارج تلك الدائرة هناك مجموعة أكبر من «المؤثرين» - الأشخاص الذين ربما يكون لهم رأي في كيفية إدارة الدولة أو دور في تنفيذ سياساتها. وكل من هو خارج هاتين الدائرتين - معظم السكان - «متطابقين» ليس لهم رأي على الإطلاق.
[blockquote]الاستخبارات الأميركية: القذافي شخصية مضطربة يعاني من عقدة نقص خطيرة وغير مستقر عاطفيا يتأرجح بين الابتهاج والاكتئاب
[/blockquote]
ووفقا لمسكيتا وسميث، فإن الدكتاتور الناجح هو الذي يتمكن من الحفاظ الدقيق على ولاء دائرة «الأساسيين»، حتى إن كان على حساب مصلحة جميع من هم خارج تلك الدائرة. فمن دون دعم مؤيديه الأساسيين، يصبح أمام الدكتاتور خيارات محدودة إذا ما واجه حكمه تحديا رئيسيا: فمن المرجح أن ينتهي به الحال منفيا، سجينا، أو جثة، كما أثبت التاريخ الحديث.
ويفسر ذلك الاعتماد جانبا كبيرا من المسلك الذي انتهجه كل من مبارك، والقذافي، وبن علي، ومعاصروهم: شخصنة حكمهم، وقصر كافة السلطات على المركز بغض النظر عن مدى العجز أو الانهيار الذي سيلحق بآلية الدولة. فقد كشفت الحوارات التي أجريت مع كبار الأعضاء السابقين في القوات المسلحة العراقية ونظام صدام وتحليل الوثائق التي تم الحصول عليها في غزو 2003 أن صدام حسين كان يعتمد على عدد محدود من الأشخاص وأنه كان يفضل اتخاذ القرارات المهمة بنفسه من دون اللجوء إلى معطيات أو نصائح أي أحد آخر. وهذا هو الدرس الأول المستفاد من كتاب مسكيتا وسميث: يجب أن يبقى عدد «الأساسيين» محدودا حتى لا ينزلق مقود السلطة من أيدي الدكتاتور.
الجيش: مسألة عائلية
أليست أفضل طريقة تضمن بها ولاء مجموعة صغيرة ورئيسية من المؤيدين الذين تحتاجهم للبقاء في السلطة هي ملء تلك الدائرة بأفراد أسرتك؟ مما لا شك فيه أن الجيش يلعب دورا رئيسيا في الدكتاتورية: كما أن العديد من الطغاة أتوا من خلفية عسكرية ويعتمد جميعهم تقريبا على الجيش للبقاء في السلطة بعد الوصول إليها. ولحماية أنفسهم من أن يقعوا ضحايا لقواتهم المسلحة فإنهم يكدسون المناصب العليا بأولادهم وأولاد إخوتهم وأولاد عمومتهم وأنسبائهم.
ففي ليبيا، كان القذافي يعتمد على أولاده وأقاربه في إدارة الخدمات الأمنية التي كانت تساعد على استمراره في السلطة. فكان ابنه خميس قائد تشكيل عسكري (فرقة خميس) يلعب دورا رئيسيا في الأمن الداخلي. فيما كان ابنه الآخر الساعدي قائدا للقوات العسكرية الخاصة. كما أن أفراد قبيلة القذافي كانوا يديرون العديد من الوحدات الرئيسية لتعزيز ولائهم. وفي اليمن، كان ما تم مع صالح غير متوقع، حيث تم إجباره على التنحي على نحو سلمي إلى حد ما. وكانت أسرته أسرة عسكرية خالصة، وهو ما يمكن أن يكون ملائما لجنرال سابق استحوذ على السلطة عبر انقلاب عسكري. فكان ابنه أحمد يدير الحرس الجمهوري فيما كان أبناء إخوته، يحيى، وطارق، وعمار، يترأسون قوات الأمن المركزي شبه العسكرية، والحرس الرئاسي، ومنظمة الأمن القومي (الاستخبارات) على التوالي. كما كان الأخ غير الشقيق لصالح، محمد صالح الأحمر، يدير القوات الجوية.
والشيء نفسه ينطبق على أسرة الأسد في سوريا، فقد كان الوريث المفترض لحافظ الأسد هو ابنه الأكبر، باسل، وهو ضابط عسكري كان مسؤولا عن وحدة الأمن الرئاسي حتى وفاته في حادثة سيارة عام 1994. فيما كان أخوه، رفعت، مسؤولا عن قطاع واسع من الجيش (كان يدير الوحدات التي قضت على الانتفاضة في حماه عام 1982). وقد استمر ذلك حتى احتج رفعت على استمرار أخيه في الحكم عندما أصيب بالمرض في بداية الثمانينات مما أدى إلى نفيه. ويضطلع حاليا بذلك الدور، ابن حافظ وأخو الرئيس الحالي، ماهر الأسد، حيث يدير الحرس الجمهوري السوري والفرقة الرابعة مما يمنحه هيمنة قوية على قطاع واسع من القوات العسكرية السورية. وكضمانة إضافية، يترأس الاستخبارات السورية، آصف شوكت، زوج أخت الرئيس بشار والذي يعمل حاليا كنائب لوزير الدفاع.
وقد اتبع صدام حسين منهجا مشابها في حكم العراق قبل أن يتم خلعه، فقد جاء للسلطة بعد خلع الرئيس السابق، وابن عمه أحمد البكر. وعندما كان في السلطة، كان يحيط نفسه بأقاربه. فكان إخوته غير الأشقاء من كبار الأعضاء في قوات الأمن الداخلي، كما منح ابنه قصي، دورا بارزا في الآلة الأمنية، بالإضافة إلى علي حسن الماجد التكريتي المعروف بـ«علي الكيماوي»، أكبر أبناء عمومته وأحد أكثر السياسيين الذين كان يحسب لهم حساب. ومن ثم، فإن الدرس الثاني هو الحفاظ على مجموعة كبرى من «المختارين» الذين يختار منهم الدكتاتور دائرة «الأساسيين». وهو ما يمنح الدكتاتور سلطة على أتباعه ذوي النفوذ حيث يمكنه استبدالهم بسهولة نسبية، كما أنه يعزز سلطته بشكل عام على المجتمع: من خلال الاستراتيجية الأزلية، فرق تسد.
وفي حالة وجود انقسامات طائفية أو عرقية كبرى، يتم تفضيل دائرة محددة من الموالين كجزء من تلك الاستراتيجية بدلا من الوحدة الطائفية أو العرقية. ففي العراق، كانت النخبة الحاكمة تأتي من العرب السنة الذين كانوا يشكلون معظم سلاح الضباط في جيش صدام، كذلك المناصب العليا في حكومته رغم أنهم كانوا أقلية بالنسبة للبلد ككل. وداخل تلك المجموعة، كانت هناك مجموعة أصغر من المؤيدين من نفس طائفة وقبيلة صدام حسين. وبالطبع، كان صدام حسين نفسه سنيا.
والموقف أكثر حدة في سوريا، حيث يهيمن العلويون السوريون - الذين تنحدر منهم أسرة الأسد - على قطاعات واسعة من القوات المسلحة خاصة قيادتها، فمعظم الجنود المحترفين (مقابل المجندين تجنيدا إلزاميا) من العلويين كما أن الوحدات الرئيسية مثل الفرقة الرابعة جميعها من العلويين كذلك المناصب الرئيسية في الأجهزة الأمنية.
الفساد والخلان
كما أننا يمكننا العثور على إجابة للسؤال لماذا يتسامح الطغاة مع الفساد (بخلاف مجرد الطمع) إذا كان يولد ذلك القدر الهائل من غضب الشعوب، ويسيء إلى سمعتهم بالخارج. ويمكن العثور على الإجابة في القاعدة الثالثة والرابعة والخامسة لدى ماسكيتا وسميث والتي تقضي بالهيمنة على تدفق المال، ادفع إلى مؤيديك الرئيسيين ما يكفي لاستمرار ولائهم (وليس أكثر من ذلك)، ولا تستخدم أبدا المال الذي يمكن أن يذهب لمؤيديك في تحسين الأحوال المعيشية للشعب بصفة عامة. ويقول العالمان إن تلك الخطوات ضرورية للحفاظ على قاعدة للسلطة بين «الأساسيين». فبالإضافة إلى الحفاظ على ولاء الخلان، فإنها تضمن أن الطاغية يستطيع دائما العثور على أشخاص جدد يستطيعون القيام بالمهام القذرة إذا ما أصبح «التخلص» من مؤيديه ضروريا.
[blockquote]
الاستخبارات الأميركية: صدام: نرجسي حقود تدفعه فانتازيا السلطة والمجد وكان غير قادر على الاعتذار وقاسيا ومصابا بالبارانويا
[/blockquote]
تعد إحدى السبل الفعالة لتوزيع الامتيازات هي الفساد الرسمي. فإذا ما كان المؤيدون ذوو النفوذ (في بعض الأحيان المؤيدات) لديهم ترخيص بالسرقة يمكنهم تعزيز أوضاعهم دون الحاجة إلى أن يشتري الدكتاتور ولاءهم مباشرة. فيقول ماسكيتا وسميث: «إن الموارد التي يتم إنفاقها لإنقاذ حياة الناس لا يمكن إنفاقها على الخلان». كما يستطيع الدكتاتور التعامل مع الغدر من خلال محاكمة أتباعه غير المخلصين بتهم الفساد وإحلال آخرين محلهم. كما أنه مصدر ممتاز للموارد غير الخاضعة للمحاسبة والتي لا يمكن تتبعها وهي تمنح الحاكم قدرا أعلى من حرية التصرف.
وبالتالي يقول ماسكيتا وسميث إن الفساد يعمل عادة كاستراتيجية للبقاء السياسي للدكتاتور. فبينما يجب على قائد دولة ديمقراطية أن يوفر المنافع العامة لكي يحظى برضا أكبر عدد ممكن من الجمهور (أو على الأقل عدد أكبر قليلا من خصومه في الانتخابات القادمة)، يستطيع الدكتاتور أن يكافئ أتباعه الأساسيين ببذخ - والذين ترتبط مصالحهم تماما بمصالح مانحهم - من خلال السماح لهم بالضغط على السكان دون أن يتحمل هو أي تكلفة.
وكان ذلك جليا تماما في العديد من البلدان التي شهدت ثورات الربيع العربي، حيث كان السواد الأعظم من الناس يعيش في فقر مدقع أو يشهد تراجعا شديدا لمستوى معيشته، فيما كانت النخبة الثرية ذات الصلات الواسعة تستفيد تماما من علاقتها بالسلطة. وكانت تونس على وجه الخصوص غير محظوظة في ذلك الإطار، فقد كشفت البرقيات الدبلوماسية الأميركية «ويكيليكس» عن الفساد المتغلغل لأسرة الرئيس بن علي خاصة زوجته وأقاربها. ففي عام 2008، كتب السفير الأميركي روبرت جوديك: «سواء كان نقدا، خدمات، أراضي، عقارات أو حتى يخوتا، يقال إن أسرة الرئيس بن علي كانت تبدي رغبة في الحصول عليها، ويقال إنها كانت تحصل على ما تريد.
فمن الواضح أن نصف رجال الأعمال التونسيين يستطيعون ادعاء مصاهرتهم للرئيس بن علي ويقال إن العديد من تلك العلاقات كانت تؤتي ثمارها». ولم ينته الفساد عند ذلك فيقال إنه كان متفشيا على العديد من الأصعدة الرسمية التونسية. فقد تعرض محمد بوعزيزي بانتظام لانتهاكات الشرطة وكان الموظفون يطالبونه بدفع رشاوى حتى اليوم الذي أشعل فيه النيران في نفسه مشعلا موجات من الثورة هزت أرجاء العالم العربي في عام 2011.
ومن جهة أخرى، كما كان هناك غضب عارم تجاه المستوى الرسمي من الفساد في مصر، وتصاعد ذلك الغضب بعد واقعة مقتل خالد سعيد بعنف على أيدي الشرطة، نظرا - كما يقال - لأنه كان يمتلك دليلا على تورطه في تجارة المخدرات. كما تسببت زمرة رجال الأعمال الأثرياء التي كانت محيطة بجمال مبارك في إثارة الغضب الشعبي في عصر أصبح فيه معدل البطالة مرتفعا، كذلك الأسعار.
وفي ليبيا، كان مستوى معيشة السواد الأعظم من الناس يتراجع رغم الثروات البترولية للبلاد ورفع العقوبات التي كانت مفروضة على البلاد. كما حصلت أيضا أسرة القذافي وأفراد النخبة المحيطة به على ثروات طائلة في أعقاب إعادة دمج ليبيا فيما استمر الشعب الليبي في المعاناة اليومية. وبعيدا عن الفساد الرسمي المتفشي، كانت هناك شكاوى من تباين الاستثمارات الحكومية في مناطق مختلفة في ليبيا، حيث كان الشرق محروما من الامتيازات لصالح المناطق التي يقطنها الموالون وذوو الصلات بالقذافي.
وفي عراق صدام، قدمت عقوبات الأمم المتحدة فرصا غير مسبوقة للفساد، حيث أثرى التهريب النظام والزمرة المحيطة به فيما كان الشعب يتضور جوعا ومرضا وتسقط منه ضحايا نظرا لتعذر القدرة على الوصول للدواء.
في سوريا، هناك صورة مشابهة لمحاباة الأصدقاء. فابن عم الرئيس بشار الأسد، رامي مخلوف، يهيمن على قطاع الأعمال من خلال احتكاره للعديد من الصناعات. ومن الأمثلة على ذلك، شركة «سرياتيل» كبرى شركات الهواتف الجوالة في سوريا. وفي يونيو (حزيران) 2011، أعلن مخلوف أنه سوف يترك الشركة لكي يركز على العمل الخيري بعدما أصبح هدفا لغضب المتظاهرين. وليس هناك شك في أنه وأسرته ما زالا من المنتفعين الرئيسيين بوجودهم في النخبة المحيطة بالسلطة.
[blockquote]ادفع إلى مؤيديك الرئيسيين ما يكفي لاستمرار ولائهم وليس أكثر من ذلك، ولا تستخدم أبدا المال الذي يمكن أن يذهب لمؤيديك في تحسين الأحوال المعيشية للشعب بصفة عامة
[/blockquote]
ويحظى الطغاة بميزة هائلة إذا ما تركوا شعوبهم تتضور جوعا فيما يزداد مؤيدوهم والزمرة المحيطة بهم ثراء، حيث عادة ما يكون الأشخاص الذين يصارعون من أجل البقاء مشغولين بالمصاعب اليومية فيما يبذل المؤيدون جهودا أكبر للمساعدة على إبقاء عوام الناس في حالة متردية حتى يستطيعوا زيادة حصتهم في المغانم.
سيكولوجيا الطغيان
لقد ناقشنا إلى حد كبير آليات الاستحواذ على السلطة والحفاظ عليها.. ماذا عن السلوك الغريب لبعض الطغاة؟ يمكننا أن نفهم لماذا يحاول الطغاة أن «يبقوا الأمور داخل نطاق الأسرة» وترك شعوبهم تحيا في الفقر واليأس فيما تحيا الزمرة المحيطة بهم في بذخ. مما لا شك فيه أن الوجود في القمة أمر طيب وأنك إذا ما وصلت للقمة ترغب في البقاء بها. ولكن ما الذي يفسر مغامرات صدام حسين الأدبية أو السلوكيات الشاذة للقذافي؟
كما قال إبراهام لنكولن ذات مرة: «يستطيع معظم الرجال تحمل المصاعب ولكن إذا أردت اختبار شخصية أحدهم حقا، أعطه السلطة».وتعد تلك العبارة كاشفة خاصة في تفسير طبيعة السلطة الدكتاتورية. فما الذي تفعله السلطة المطلقة بالشخصية؟ لا يسعنا إلا تقديم إشارات أو تخمينات فقط حول تلك الآثار. هل يتم تضخيم صفات كانت موجودة بالفعل، حيث إن القيود الطبيعية التي تفرض على الشخص من خلال الروابط الاجتماعية والأسرية تتراجع على يد جماعة من المتملقين والفرص غير النهائية لاستغلال السلطة؟ هل تحدد الصفات الذاتية التي ساعدت ذلك الشخص على أن يصبح دكتاتورا في الأساس كيفية تصرفه عندما يحصل على السلطة؟ أم أن الأمر يتعلق بمزيج من العناصر السابقة؟ أم أن الطغاة يتصرفون كما يمكن أن يتصرف أي شخص آخر في ذلك المنصب؟ ولماذا، على وجه التحديد، يكتسب بعض الطغاة عادات غريبة مثل تلك التي جسدها الممثل ساشا بارون كوهين على نحو كوميدي من خلال شخصية الجنرال علاء الدين في أحدث أفلامه «الدكتاتور»؟
فعلى سبيل المثال، ليس من الصعب أن تجد صورا للمتمردين المنتصرين أو القوات الأميركية وهم يلوحون بأسلحة مغطاة بالذهب تم الحصول عليها من منازل القذافي وصدام حسين وعائلاتهم، وهو السلوك الذي حاكاه الجنرال علاء الدين في فيلم «الدكتاتور» حيث كان يحصل كلما استطاع على مسدس «بريتا» مطلي بالذهب. كما كانت ملابس علاء الدين مستوحاة من الملابس الكوميدية للقذافي والتي كانت تمثل إحراجا حتى لقائد أكثر مجالس أميركا الجنوبية فاشية.
[caption id="attachment_55237234" align="alignleft" width="210"]
بشار الأسد[/caption]
لقد كان من المستحيلات أن يتم النظر بعمق في طريقة تفكير طغاة مثل القذافي أو صدام حسين، فيما كانوا أحياء ولكن عادة ما كان القناع ينزاح ويظهر شيء من خلفه. ولم تكن النتائج طيبة. والمفارقة أنه بعد وفاة الرجلين وخلع نظاميهما أصبح التنقيب في تكوينهما النفسي أكثر سهولة.
يبدو أنه عندما يصبح الدكتاتور هو المركز الوحيد للسلطة، تتركز المزيد والمزيد من مساعي الدولة على محاولة خدمة رؤيته وربما مزاعمه وعصابه، فيما يصبح هناك عدد أقل وأقل من أتباعه المستعدين لمعارضته. لقد كانت الحالة العقلية للقذافي هي الموضوع المفضل لعدد كبير من علماء النفس على مدار السنوات، وهناك مزاعم بأن بعض هؤلاء العلماء كانوا مكلفين من وكالة الاستخبارات المركزية. وفي عرض نفسي قدمته الاستخبارات الأميركية في السبعينات في أعقاب استحواذ القذافي على السلطة، تم وصفه بأنه «شخصية مضطربة على نحو استثنائي يعاني من عقدة نقص خطيرة».
وقد قدم عالم النفس جيرولد بوست، الذي كان يعمل سابقا بالاستخبارات تقييما آخر خلال العام الماضي. فقد زعم أن القذافي كانت لديه «شخصية قابلة للانهيار» وهو ما يعني أنه كان غير مستقر عاطفيا يتأرجح بين الابتهاج والاكتئاب وهكذا، كما أنه كان معرضا للإصابة بالتفكير الضلالي عندما يتعرض للضغط. وربما يفسر ذلك سلوكه الغريب خلال الثورة على حكمه في عام 2011، مثل زعمه بأن معارضيه يتمردون لأنهم يتناولون القهوة الملوثة بالمخدرات المهلوسة وأنهم أعضاء في تنظيم القاعدة. ولكن الأصعب هو الأسباب التي كانت كامنة وراء تصريحاته الغريبة التي ألقى بها في ظروف أكثر هدوءا، مثل مطالبته الأمم المتحدة بإلغاء دولة سويسرا (ربما لأن ابنه هانيبال وزوجته قد تم إلقاء القبض عليهما هناك نظرا لضربهما خدامهما)، أو إلقاء اللوم على إسرائيل في مقتل الرئيس كيندي في حوار أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؟ كما كان لديه ولع غريب بوزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس مما دفعه لأن يأمر بإعداد فيلم يحتوي على اللقطات التي ظهرت بها تم تركيبها على موسيقى خاصة (الوردة السوداء في البيت الأبيض) واحتفاظه بألبومات صور لها في مقر إقامته.
وبالطبع لم تكن تلك هي المظاهر الوحيدة على اضطراب القذافي. فقد كانت إحدى الظواهر التي خلبت لب العديد من الصحافيين هي فريق حراسته من السيدات. وكانت هناك شائعات وتلميحات حول تلك الظاهرة الغريبة بأسلوب متوقع، رغم أن الحقيقة المتوقعة أيضا كانت أقل إبهارا وكانت بمثل سوء العديد من مناحي الحياة في ليبيا في ظل حكم القذافي.
وادعى البعض أن هناك تحرشا جنسيا من قبل بعض كبار المسؤولين في نظام القذافي. ولكننا إذا ما تأملنا الأمر فإن إحاطته نفسه بمجموعة من النساء اللاتي كن تحت هيمنته ومتفرغات لحمايته يحمل موقفه من المرأة إلى مساحة مختلفة عن التعالي والرعاية الأبوية إلى منطقة مزعجة تماما. ويمكن رصد أصداء ذلك في حادثة أخرى غريبة وقعت خلال زيارته لإيطاليا عندما كان معتادا على جمع مجموعات كبرى من السيدات الشابات حتى يستطيع محاضرتهم عن أفكاره حول الدين وحقوق المرأة. وذات مرة في 2009، دفع أجر انتقال مائتين شابة إلى مقر إقامته حيث ألقى عليهن محاضرة امتدت لساعتين حول دور المرأة في المجتمع ومزايا التحول إلى الإسلام ووزع عليهن نسخا من القرآن وكتابه الذي يلخص فلسفته السياسية (الكتاب الأخضر). وكان من الواضح أنه غير مدرك لمفارقة استئجاره للنساء من وكالة لكي يأتوا ويستمعوا لهم وهو ينصحهم حول الحقيقة التي وصفها شخصيا قائلا «(النساء) يستخدمن عادة مثل قطع الأثاث حيث يتم تغييرهن كما يريد الرجل. وذلك ظلم».
ويشير ذلك التوجه بوضوح لجوهر موقف القذافي من الآخرين. فلم يكن الآخرون سوى أشياء لصقل صورته عن ذاته كرجل يحمل رسالة وزعيم نافذ. وإذا لم نعرف سوى تلك الحقائق حول القذافي لكان سيبدو بالنسبة لنا مجرد مهرج غير مؤذٍ. ولكن وهم العظمة الذي كان يشعر به كلفه شعبه وآخرين كان يعتز بهم. فقد كلفه تدخله في الحرب الأهلية التشادية في أواخر السبعينيات والثمانينيات، على سبيل المثال، الآلاف من الأشخاص في كلا البلدين كذلك رعايته للجماعات المتمردة في جميع أنحاء العالم في محاولة هشة لتأسيس نفسه كمركز للسياسة العربية أو السياسة الأفريقية عندما فشلت الأولى (عند مرحلة ما بدأ يشير إلى نفسه بملك ملوك أفريقيا).
كما كان صدام حسين نصف استعراضي ونصف سفاح. فقد كانت الاستخبارات الأميركية تعتقد أنه «نرجسي حقود» تدفعه فانتازيا السلطة والمجد وكان غير قادر على الاعتذار، قاسيا ومصابا بالبارانويا (جنون الارتياب). وعلى الرغم من أن تلك ليست سوى تكهنات، فمن الصعب أن نتخيل دكتاتورا مصابا بالبارانويا يفصح عن خباياه لمعالج نفساني، فإن بعض أفعاله في ظل ذلك التحليل تبدو منطقية. وبعيدا عن غزو إيران أولا ثم الكويت، فإنه أمر ببناء سلسلة من الصروح التذكارية الغريبة التي تفتقر إلى الذوق لتخليد «انتصاراته». وكانت أحد أشهر تلك الصروح هو قوس هائل في بغداد على شكل قبضتين تحملان سيفين متقاطعين لتخليد «انتصار» العراق في حرب الخليج الأولي 1980 - 88. وسميت «سيوف القادسية» والتي تم تصميمها في محاكاة لأسلحة صدام الخاصة. وفي تصرف يستحق تسجيله في فيلم الجنرال علاء الدين، يقال إن صدام حسين كان يمر تحت ذلك القوس في ذكرى يوم توليه المنصب معتليا حصانا أبيض.
وفي الوقت الذي كان فيه شعبه جائعا ومريضا، كان يشرف على بناء قصور فاخرة لنفسه ولأسرته. ووافق في مرحلة ما على بناء ما كان ليصبح أكبر مسجد في العالم. والذي أعلن عن الشروع في بنائه في منتصف التسعينيات فيما كان الاقتصاد العراقي منهارا تحت وطأة عقوبات الأمم المتحدة. وكان من المقرر بناء المسجد في منطقة المنصور في بغداد في وسط بحيرة صناعية، وكان سيتكون من ثمانية منارات وقبة بارتفاع 150 مترا. ووفقا لتقارير صحافية في ذلك الوقت، فإنه كان يستطيع استيعاب 100 ألف مصل وكان من المتوقع أن يتكلف نحو ربع مليار دولار. وبالطبع قرر صدام أنه سيحمل اسمه: مسجد صدام. وكان سيتم إنشاء جزر صناعية وطرق تشابه الدول العربية في البحيرة فيما تحمل إحداها شكل بصمة إبهامه. وكانت الرسالة واضحة: صدام كان في مركز العالم العربي وفي استطاعته إعادة تشكيله. بدأت عملية الإنشاء عام 1998 وكانت لم تنته بعد عندما قامت الولايات المتحدة بغزو العراق في 2003. اليوم، فإنه في أفضل الأحوال، تم الانتهاء من بناء نصفه وما زال هيكله يلوح فوق بغداد.
وقد امتد إحساس صدام الغريب بالطموح إلى آرائه حول الماضي السحيق للعراق. فقد ذهب إلى حد إعادة بناء مدينة بابليون القديمة ولكن من أحجار محفور عليها اسمه في محاكاة للملك نبوخذ نصر.
[blockquote]في حالة وجود انقسامات طائفية أو عرقية كبرى يتم تفضيل دائرة محددة من الموالين كجزء من تلك الاستراتيجية بدلا من الوحدة الطائفية أو العرقية
[/blockquote]
وبعيدا عن غزواته في العمارة، سعى صدام أيضا إلى غزو الجنس الأدبي: الرواية الملحمية، رغم أن هناك مزاعم حول مساعدة بعض الكتاب المجهولين له. وكانت أولى تلك الأعمال وأشهرها هي رواية «زبيبة والملك» وهي رواية رومانسية ساخنة تساء فيها معاملة فلاحة، زبيبة (التي تمثل العراق)، على يد زوجها الوحشي المتسلط (أميركا) ولكن الملك الطيب (خمن من هو؟) ينتقم لها فتقع في حبه. ثم صدرت له بعد ذلك ثلاث روايات - «القلعة الحصينة» و«الرجال والمدينة» و«اخرج منها يا ملعون» - والتي حظيت جميعها بمبيعات هائلة في العراق ومبيعات محدودة في غيرها. وفي إحدى المرات، أرسل صحافي يعمل في مجلة بريطانية ملخصا دون تحديد اسم المؤلف من رواية «زبيبة» لمؤلفين ومحررين مرموقين لكي يحصل على رأي موضوعي حول قيمتها الأدبية. ولم تكن التقييمات مشجعة. فقد قال أحد الكتاب إن عدد الأسئلة البلاغية وحدها تشير إلى أن المؤلف غير معني بقرائه، أو بمعنى آخر فإن الكتاب كان رحلة أنوية. وكانت للقذافي أيضا محاولات أدبية، ولكنه اقتصر على مجموعة من القصص القصيرة وصفها ناقد أدبي في «الغارديان» بأنها «تحمل لغة سريالية وتدفقا غريبا للوعي من الواضح أنه لم تجرى له أي تعديلات».
ظاهريا، تلك أفعال شخص مضطرب - شخص غير قادر على التفاعل مع الحقيقة - إلا أن صدام كان يتمسك بالسلطة بعناد كما كان القذافي. وهو شيء يجب أن يكون منغرسا في العقل: بغض النظر عن مدى غرابة أو عدم واقعية سلوك الدكتاتور، فإنها ما زالت تمثل خطرا. إن ولعهما ببناء صروح تذكارية لمجديهما وسلطتيهما كان يعمل لخدمة غرض بخلاف تغذية ذاتيهما، فهو يذكر الناس بمن كان متوليا لذلك المنصب. لقد أثبت القذافي أنه ماكر، وداهية وقاسٍ وحتى بارانويا صدام ساعدت على إخافة أتباعه.
وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن بشار خجول وأكثر اعتدالا: وكأنه من النظام القديم على غرار والده، حافظ، الذي كان يبدو من العديد من النواحي غير راغب في الحصول على السلطة. وربما إذا كانت سوريا تتمتع بالثروة البترولية لليبيا والعراق، لكانت القصة قد اختلفت. ولكن الشيء الذي لم يكن مختلفا هو عزمه على الحفاظ على السلطة أيا ما كانت التكلفة. وهناك أمثلة على السلوكيات الغريبة للطاغية: أصرت حكومته على الحفاظ على وهم السلطة والهيمنة، حيث أعلنت أن أعداءها هم «عصابات مسلحة» «وإرهابيون» وألقت باللوم عليهم في الاضطرابات التي تعاني منها سوريا. وقد شجع حافظ الأسد، والد بشار، تخليد شخصه، من خلال الانتشار الهائل لصوره في أنحاء سوريا كافة. وبعيدا عن الفترة الفاصلة في «ربيع دمشق»، فقد اتبع بشار خطوات أبيه في ذلك أيضا.
السقوط
يمكن استخلاص دروس عدة من كل ذلك. فكما يقول ماسكيتا وسميث في كتابهما، لا تتوقع أبدا أن يفعل الدكتاتور شيئا لكي يفيد شعبه إذا ما كان سيعرض إحكام قبضته على السلطة للخطر. وثانيا، لا تتوقع أن يتوقف الطاغية عن الفساد إلا إذا ارتأى أنه من مصلحته أن يفعل ذلك. ولا تتوقع أبدا أن يشارك السلطة مع أي أحد إلا إذا أجبر على ذلك.
وكما يقول لنكولن فإن السلطة المطلقة أيضا تمثل اختبارا للشخص الذي يمسك بمقاليدها. وهو اختبار يفشل فيه معظم الطغاة، وقد فشلوا خاصة في حالة صدام حسين والقذافي. ومع ذلك فإن الطغاة يستطيعون الفشل. فكما اتضح خلال العام الماضي، فإن حكام تونس، ومصر، وليبيا، واليمن قد تم خلعهم فيما ما زال بشار الأسد متشبثا في سوريا وسط صراع دموي للحياة أو الموت.
وربما يعني ذلك أن هناك قولا آخر صحيحا وهو أن الكبرياء يذهب قبل السقوط. ولكن مرة أخرى، وأخذا في الاعتبار المدة التي كان فيها هؤلاء الرجال قادرين على الاستمرار في السلطة، ربما لا.