"إخوان" سابقون ينضمون إلى المعارضة في مصر

"إخوان" سابقون ينضمون إلى المعارضة في مصر

[caption id="attachment_55245563" align="aligncenter" width="620"]عبد المنعم أبو الفتوح أحد أشهر المنشقين عن جماعة الإخوان المسلمين عبد المنعم أبو الفتوح أحد أشهر المنشقين عن جماعة الإخوان المسلمين[/caption]



ذكر عبد المنعم أبو الفتوح بمكتبه في إحدى ضواحي القاهرة، والذي يتخذه مقرًا لحزب مصر القوية، «ينبغي على الدين أن يغير المجتمع بطريقة غير مباشرة من خلال الإلهام، وليس على نحو مباشر من خلال السياسة». ويستأنف حديثه قائلا: «أعارض الجماعات الإسلامية التي تُشكل أحزابها الخاصة، حيث من المؤكد أن ينشب صراع بين الدين والسياسة».

واتسم أبو الفتوح، الذي خسر الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي أجريت العام الماضي، بضبط النفس والذكاء عندما طلب منه التعليق على أداء الحكومة التي يسيطر عليها الإخوان في عامها الأول، في ظل تركه لجماعة الإخوان المسلمين منذ عامين. صرح أبو الفتوح الطبيب البالغ من العمر 61 عامًا قائلا: «لست أنا من يجب أن يقيم هذا الأداء، على الرغم من أننا ضد مفهوم الإسلام السياسي».
دائما ما تثير الرؤية الصادرة عن خلفية أخلاقية راقية كثيرا من الاهتمام، خاصة عندما يعاني خصوم الشخص من نتاج أفعالهم. قامت مجموعة بارزة من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بالخروج عن الجماعة، وأصبحوا في الوقت الحالي معارضين أحرارا، ومن بينهم ثروت الخرباوي، الذي يعمل محاميا، وألف العديد من الكتب حول الإخوان، وفوز الجناح المحافظ بها في الفترة التي سبقت اشتعال الثورة التي أدت إلى إسقاط الديكتاتور حسني مبارك عام 2011؛ ومحمد حبيب، النائب السابق للمرشد الأعلى للجماعة، الذي ذكر أنه قد تعرض للهزيمة من قبل متشددين عندما انحازوا إلى الرئيس السابق حسني مبارك في مقابل دعمهم لتوريث منصب الرئاسة؛ وإبراهيم الزعفراني، الطبيب الذي شارك، باعتباره سجينا سياسيا في نهاية التسعينيات، في مناظرات قوية حول السياسة وعلم اللاهوت مع معتقلين سابقين مثل أبو الفتوح ومنافسه خيرت الشاطر، الذي يُعتبر الرجل الأقوى في جماعة الإخوان المسلمين.

يؤكد الزعفراني، الذي أسس حزبه الخاص خلال العام الماضي، على ما يحذر منه أبو الفتوح بشأن خلط السياسة مع الدين. وحسبما ذكر الزعفراني في أحد اللقاءات التي أُجريت معه في العام الماضي، فإنه يرى أن «الحزب السياسي يختلف عن الحركة الدينية. فالقيم الدينية مطلقة، ولكن السياسة تقوم على المفاوضات والتسويات والخلافات. وبالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، فإنها تخلط بين الدين والسياسة مما يعرضها للمخاطر».

تزداد جرأة المنشقين عن الجماعة، مثل الزعفراني الذي يؤمن بأن جماعة الإخوان المسلمين أصبحت فاسدة نتيجة لتوليها السلطة وينبغي أن تعود مرة أخرى لمهمتها التقليدية المتمثلة في نشر الدعوة، مع الأخطاء المتوالية التي ترتكبها الحكومة التي يقودها الإخوان المسلمون.
عندما كان محمد الجبة أحد الكوادر الشابة في جماعة الإخوان المسلمين، كان يعمل على وضع المتاريس والحواجز خلال الثورة، وخاض معارك ضارية مع القوات الموالية للنظام في ميدان التحرير بالقاهرة. ولكنه انشق عن جماعة الإخوان المسلمين في العام الماضي، ويدرس في الوقت الحالي إمكانية ترشحه في البرلمان أثناء الانتخابات التشريعية التي من المقرر مبدئيا أن تعقد في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. يقول الجبة: «لقد أصبت بصدمة كبيرة عندما سمح قادة الإخوان المسلمين لمصالحهم الشخصية بأن تتضارب مع قيم الإسلام. وإذا كان هناك أي شيء حدث نتيجة لتوليها للسلطة، فهو أن جماعة الإخوان المسلمين ظهرت على حقيقتها».



[blockquote]قامت مجموعة بارزة من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بالخروج عن الجماعة، وأصبحوا في الوقت الحالي معارضين أحرارا[/blockquote]



وصرح الجبة، الذي يعد تلميذا لكل من حبيب وأبو الفتوح، بأن جماعة الإخوان المسلمين فقدت مصداقيتها بشكل نهائي وغير قابل للإصلاح بين المسلمين المتشددين، بالإضافة إلى المسلمين العلمانيين. ويشعر الجبة بالقلق من أن الانتخابات قد تؤدي إلى وقوع أحداث عنف وربما تؤدي إلى انقلاب عسكري، ولكنه يرى أن الإسلام المعتدل سوف يسود في النهاية. ويستأنف حديثه قائلا إن «جماعة الإخوان المسلمين بجميع أعضائها لا يمثلون سوى نسبة ضئيلة من سكان مصر، وها هم يفقدون شعبيتهم. والمصريون لا يثقون في أي شخص بعد الآن. سوف تكون هناك اشتباكات، ولكن النتيجة سوف تتمثل في نهاية جماعة الإخوان المسلمين كحركة سياسية».


[caption id="attachment_55245565" align="alignleft" width="300"]ثروت الخرباوي ثروت الخرباوي[/caption]

منذ فوزه بالانتخابات الرئاسية التي أجريت في شهر يونيو (حزيران) الماضي بفارق ضئيل، أثار الرئيس محمد مرسي، القيادي السابق بجماعة الإخوان، حفيظة المصريين من خلال محاولاته لجعل المناصب الحكومية الرئيسة حكرا على رفاقه السابقين (جدير بالذكر أن الرئيس مرسي استقال من جماعة الإخوان المسلمين قبل تنصيبه رئيسا، وذلك ليبدو في مظهر المستقل عن الجماعة، على الرغم من أن ذلك لم يحدث مطلقًا) وبعد أن رفض الرئيس مرسي تشكيل حكومة ائتلافية، أصبح يتحمل اللوم بمفرده بسبب فشل قيادته طوال ما يقرب من اثني عشر شهرًا مضت. يوشك الاقتصاد المصري على الإفلاس، بينما انخفض الاحتياطي الأجنبي ليصل إلى 13.5 مليار دولار أميركي، أي ثلث المستوى الذي بلغه قبيل الثورة، فيما هبطت قيمة الجنيه المصري. أما عن نسب التضخم والبطالة، فما زالت تشهد ارتفاعًا كبيرًا حتى في ظل تراجع النمو الاقتصادي بنسبة 2 في المائة فقط خلال العام الحالي، ليأتي دون تغيير مقارنة بالعام الماضي.

وفي ظل حاجة مصر الملحة للحصول على عملة صعبة، لم يتفق الرئيس مرسي وصندوق النقد الدولي حتى الآن على شروط حزمة إنقاذ مالية تبلغ قيمتها 4.8 مليار دولار أميركي. وخلال شهر ديسمبر (كانون الأول)، توقفت المفاوضات نتيجة لسحب الرئيس دعمه لتدابير التقشف التي يفرضها صندوق النقد الدولي، وذلك بعد أن رفضها قادة حزبه. ويعتقد بعض المراقبين في الوقت الحالي أنه قد فات الأوان على أن تحقق حزمة إنقاذ صندوق النقد الدولي أي تأثير.

وعلى جانب آخر، اتجهت حكومة مرسي نحو الحكومات الصديقة في ليبيا وقطر للحصول على منح وهبات تبلغ قيمتها عدة مليارات من الدولارات الأميركية التي تدعم البلاد ولكنها تثير القلق الشعبي حيال الثمن السياسي مقابل تلك الهبات. صرح وائل زيادة، رئيس قطاع بحوث الاستثمار بالمجموعة المالية «هيرميس» التي يقع مقرها في القاهرة، قائلا: «كنا نشعر بالقلق طوال العام الماضي حول ما إذا كان صندوق النقد الدولي سيصل إلى اتفاق مع الحكومة المصرية أم لا. ولكننا في الحقيقة حصلنا على تحويلات من ليبيا وقطر تبلغ قيمتها ضعف قيمة حزمة الإنقاذ الصادرة عن صندوق النقد الدولي، ولكنها لم تؤد إلى وقف التراجع الحاد في الاحتياطي. ولا يمكن تحمل المسار المالي الحالي».

وعلى الرغم من التزامها باقتصاديات السوق الحرة، فإن جماعة الإخوان المسلمين التي تسيطر على الحكم في مصر أثارت غضب رجال الأعمال والمستثمرين نتيجة لفرضها ما يطلقون عليه تنفيذا جزافيا، إن يكن ذا دوافع سياسية، لقانون الضرائب، ولا يعد التحقيق مع مجموعة شركات «أوراسكوم» التابعة لعائلة ساويرس، التي تمثل رأس المال المسيطر على البورصة المصرية، تحقيقا قضائيا بقدر ما يبدو مزعزعا لعائلة مسيحية قبطية بارزة وتحذيرا لإخوانهم الأقباط. وعلى الرغم من أنهم لا يمثلون سوى 15 في المائة فقط من نسبة السكان، فإن أقباط مصر يساهمون في تحقيق نسبة ضخمة من الناتج الاقتصادي. ويعد التحقيق مع مجموعة «أوراسكوم» سببا لهجرة العديد من الأسر المسيحية ذات الموارد الضخمة والمؤثرة في الاقتصاد المصري.


[caption id="attachment_55245566" align="alignleft" width="300"]كمال الهلباوي كمال الهلباوي[/caption]


وتذكر بسنت موسى، التي تدير شركة إعلامية تهتم بالقضايا المسيحية، أن «الإسلاميين أصبحوا هم رجال الأعمال الجدد، فهم يعتقدون أن بإمكانهم ملء الفراغ فقط».
وبعد أقل من عام من تولي الإخوان حكم البلاد، قدمت الجماعة والحركات الإسلامية الأخرى بمصر ذريعة لهؤلاء الذين حذروا من أن التشدد الديني لا يتفق مع مبادئ الديمقراطية، وأن ثقافة القيادة داخل الإخوان المسلمين - التي تتسم بالهرمية والاستبداد والغموض، لا تتلاءم مع الحكم الشعبي. ومع اقتراب موعد الانتخابات، لا تجد حكومة مرسي سوى القليل من الوقت الثمين للوفاء بوعودها. وما زالت جماعة الإخوان المسلمين تحتفظ بقدرتها على حشد أنصارها وتوجيههم نحو صناديق الاقتراع، مما قد يكفي لفوز الجماعة في جولة انتخابية أخرى. ولكن يشك البعض في أن مستقبل الديمقراطية في مصر سوف يشهد انحسار السياسة التوسعية الاحتكارية التي يطبقها الإخوان لصالح السياسة التوافقية التي يتبناها أبو الفتوح وزملاؤه في المنفى الاختياري.

يشير هذا الافتراض إلى مرور الثورة المصرية بانقلاب عسكري، يبدو أن عددا هائلا ومتنوعا من المصريين يترقبونه بحماس. يقول إبراهيم زهران، استشاري الطاقة وزعيم حزب سياسي ليبرالي: «سوف يأتي اليوم الذي ينهض فيه الشعب الفقير ضد الإخوان المسلمين. وسوف يأتي ذلك اليوم عندما يتدخل الجيش، وهذا هو الحل الأمثل».
بدوره كمال الهلباوي، البالغ من العمر 74 عامًا وهو أحد أقدم أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وقد قدم استقالته من الجماعة في العام الماضي، أقل تفاؤلا، حيث إنه يخشى حدوث انقلاب على الرغم من تصريحه بأن ذلك ليس أسوأ نتيجة محتملة لحكم مرسي. وقد أوضح قائلا: «السيناريو الأسوأ والأكثر احتمالا هو نشوب صراع طائفي ومتطرف. ثم تتدخل على أثره القوات العسكرية الأميركية لتسيطر على الإرهابيين في شبه جزيرة سيناء وغيرها من المناطق».

يتأسف الهلباوي، الذي انضم لجماعة الإخوان المسلمين منذ كان عمره 12 سنة، على ما وصفه بتحريف لميثاق الجماعة التي أُنشئت عام 1928، والتي تحولت من جماعة دعوية إلى آلة سياسية لا تلتفت كثيرا للمبادئ الليبرالية التي قامت من أجلها الثورة. «كان ينبغي على جماعة الإخوان المسلمين أن تكون أكاديمية لتطوير شخصية الشباب المصري، وإعدادهم مهنيا، بما في ذلك المشرعون. وكان لدى قادتها الموارد التي تمكن من ضمان مسار الديمقراطية وتحقيق مطالب الثورة، ولكنهم لم ينفذوا سوى الأولى. في الأيام الأولى من الثورة، تردد القادة في الانضمام إليها، وبعد نجاحها، أبوا أن يحافظوا عليها. ولهذا السبب قدمت استقالتي من الجماعة».



[blockquote]يتأسف الهلباوي، على ما وصفه بتحريف لميثاق جماعة الاخوان التي تحولت من جماعة دعوية إلى آلة سياسية[/blockquote]



أخرج الهلباوي مجلدا من خزانة كتبه وقدمه لأحد الزوار. كان هذا المجلد نسخة من الموازنة الأولى للرئيس مرسي، يحمل عنوان «أعظم دستور لأعظم شعب». وعلق الهلباوي، قائلا إن هذه المبالغة «ليست سوى دعاية للاستبداد. إنه أمر قد تتوقعه من برلين أو روما في منتصف القرن العشرين. ولكن ما تحتاجه مصر في الوقت الحالي هو ليبرالي إسلامي. نحتاج إلى ذلك من أجل الإسلام، لا سيما ما يتعلق بقضايا المرأة والحكم والبيئة والعولمة والفلسفة الغربية مما يمكن أن ينطبق علينا. هذا هو المستقبل».

font change