لماذا تقلق دول الخليج من التقارب الإيراني الأمريكي؟!

لماذا تقلق دول الخليج من التقارب الإيراني الأمريكي؟!

[caption id="attachment_55250381" align="aligncenter" width="620"]الرئيس الإيراني روحاني مع وزير خارجيته الرئيس الإيراني روحاني مع وزير خارجيته[/caption]

في ظل التحرك الأمريكي تجاه إيران، لمعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها الملف النووي، تتجاوز الهواجس الخليجية أي اتفاق حول هذا الملف، بل إنها تشدّد على تغيير السلوك السياسي الإيراني في المنطقة، وبالذات تدخّلها في النقاط الملتهبة وشبه الملتهبة، نقاط مثل سوريا ولبنان والعراق واليمن، والأكثر أهمية بالنسبة لدول التعاون هو التدخّل في الشؤون البحرينية.

وحسب العديد من المراقبين، فإن التقارب جاء وسط حالة من انعدام الثقة بين الطرفين الإيراني - الخليجي، وكذلك بين الطرفين الأمريكي - الخليجي على خلفية الحرب في سورية. بجملة أخرى، تم فتح المجال للتفاهم مع حليف دمشق (طهران) على حساب تراجع دعم الحل العسكري الذي كان محل اهتمام الخليجيين بشأن سوريا.

إذاً، يرتكز الهاجس الخليجي على ما يتجاوز الملف النووي إلى التوجس من الإضرار بالمصالح الخليجية، أو الإضرار بالمصالح العربية المؤثرة على المصالح الخليجية. وينبني هذا التوجس على إمكانية ظهور "مباحثات سرية" بين واشنطن وطهران قد تفضي إلى تنازلات أمريكية على حساب تلك المصالح، على أن يكون قصب السبق في ذلك هو للمصالح الأمريكية/الإسرائيلية.



زخم جديد لصورة الشرق الأوسط الجديد





لكن، ماذا عمّا أوردته صحيفة "هآرتس" من أن ملامح تحسن العلاقات بين واشنطن وطهران قد تؤدي بالضرورة الى تقارب خليجي إسرائيلي، وتأكيدها بأن الدول الخليجية تخشى من تضعيف الدور العربي في المنطقة؟ فالسياسة الدولية لا تعرف إلا لغة المصالح. لكن، كيف سيكون شكل هذه اللغة دون وجود بوادر حل للقضية الفلسطينية؟ إن ذلك سيبدو مدخلا لإعطاء زخم جديد لصورة الشرق الأوسط الجديد، غير مبنيّ فحسب على ما يسمى بـ"ثورات الربيع"، بل على علاقات إقليمية جديدة تلعب إسرائيل خلالها دورا بارزا.

يشير المراقبون، في هذا الإطار، إلى أن مسألة التقارب، والتي سترفع في نهاية المطاف العقوبات والقيود على النظام الإيراني، ستمنح طهران هامش مناورة إضافية لمواصلة السير في سياستها التنافسية. غير أن تخوفا خليجيا كهذا يمكن تحييده - غربيا، وأمريكيا - عن طريق سيناريو العلاقات الإقليمية الجديدة، أو من خلال سيناريو التفاهمات المبنية على الإتفاق النووي.



جر طهران نحو مزيد من التنازلات





بجملة أخرى، يبدو الساسة الأمريكان بمعية نظرائهم الأوروبيين وبتأييد من بعض الأطراف الخليجية، خاصة عُمان والإمارات العربية المتحدة، يدركون بأن التنازلات النووية الإيرانية ستمهّد الطريق لـ"جر" رجل طهران إلى مزيد من التنازلات فيما يخص الأوراق القوية التي تمتلكها في سياستها الخارجية، عن طريق طرح محفزات استراتيجية تتعلق بدعم اقتصادها المزري، وعن طريق تقوية روابطها الجوارية السياسية/الاقتصادية. بيد أن تحقيق ذلك لابد أن يسير جنبا إلى جنب معالجة ورقتين أساسيتين تمثلان قوة استراتيجية لطهران، هما النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وحلحلة الأوضاع في سورية. أما فيما يتعلق بالنفوذ الإيراني في لبنان والعراق واليمن والبحرين، فإنه سيتأثر بمعالجة الورقتين الأساسيتين.

وحسب بعض المراقبين فإن الورقة الخليجية ورقة ثمينة للدبلوماسية الإيرانية وللرئيس المعتدل حسن روحاني من أجل التأكيد على حسن نواياه والوفاء بالتزاماته الدولية. وكان مجلس التعاون الخليجي عبر في قمته الأخيرة في الكويت عن ترحيبه بالاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى. لحق ذلك زيارة مفاجئة قام بها وزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد إلى طهران، دافع خلالها عن فكرة إقامة شراكة بين إيران ودول الخليج على الرغم من النزاع بين البلدين للسيطرة على الجزر الثلاث أبوموسى وطنب الصغرى والكبرى.
ثم برز بعد ذلك مؤشر ايراني لافت، لا فقط تجاه قبول طهران فتح صفحة جديدة في العلاقات مع بعض دول الخليج، إنما أيضا تجاه فتح باب سيناريو التنازلات والتفاهمات التي من شأنها أن تدفع لولادة إيران أخرى في المنطقة، بعبارة أخرى تجاه مصالح واشنطن وتل ابيب.

فقد زار وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف كلاً من الكويت، التي ترتبط بعلاقات ثنائية جيدة مع طهران مما قد يساعد ذلك في أن تلعب دورا تقريبيا بين إيران ودول الخليج، ثم عُمان، التي تتحدث بعض المعلومات عن استضافتها لقاءات أمريكية إيرانية ما ساهم ذلك في بلورة الاتفاق النووي، ثم الإمارات وقطر، اللتان ترتبطان بعلاقات سياسية واقتصادية متينة مع طهران. واستثنى ظريف زيارة المملكة العربية السعودية والبحرين لأسباب تتعلق بالأزمة الداخلية البحرينية وبتداعيات التدخل الإيراني في النزاع السوري.



[blockquote]الوضع الاقتصادي المزري لطهران سوف يجرها لمزيد من التنازلات الأخرى التي من شأنها أن تحسن من الأوضاع المعيشية المتردية[/blockquote]



وقال وزير الخارجية الإيراني إنه سيزور السعودية بهدف تحسين العلاقات بين طهران والرياض، مؤكدا أن تحسين العلاقات مع دول الخليج يعد من أولويات وزارة الخارجية الإيرانية. ولم يحدد ظريف موعدا لزيارة السعودية، واكتفى بالقول إنها ستتم في "فرصة مناسبة"، وأضاف أن علاقات الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع دول الخليج "تتحسن يوما بعد يوم وسأسعى جاهدا للرقي بهذه العلاقات إلى مستوى عال". ووصف مساعد وزارة الخارجية الإيرانية للشؤون العربية والأفريقية حسين أمير علاقات طهران مع دول الخليج بانها متنامية، موضحا أن زيارة ظريف إلي بعض دول الخليج "مؤشر لاهتمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بالتعاون الثنائي والجماعي الإقليمي".



رائحة براغماتية





ولم تكتف طهران بذلك ولم تقف هنا، بل باتت تطرق وبحذر باب الخطوط الحمراء في سياستها الخارجية، أي الباب الأمريكي والإسرائيلي. ففي فبراير أثناء المؤتمر الدولي للأمن بميونيخ، وصف ظريف المحرقة اليهودية (الهولوكوست) بـ"المأساة الوحشية التي يجب ألاّ تتكرر"، وهي حسب المراقبين بادرة لا فقط حيال الجالية اليهودية التي يقدّر عددها في إيران بثمانية آلاف، بل حيال الموقف الغربي المتشائم تجاه نظرة طهران السلبية لليهود بشكل عام. بل تطوّر الأمر عن ذلك وبدأت التصريحات الإيرانية حول ضرورة زوال دولة اسرائيل تختفي من الخطاب الحكومي. ومع المحادثة التاريخية بين روحاني وباراك اوباما في سبتمبر 2013 وتحسّن العلاقات، التقى ظريف نظيره الأمريكي جون كيري مرارا مذذاك وآخرها في ميونيخ. كما أكد ظريف للتلفزيون الروسي أن سفارة أمريكية يمكن أن تفتح يوما في طهران.

لكن... في ظل مختلف تلك التصريحات والتطورات على الأرض، يَشتمُّ البعض من مسألة التقارب الإيراني الأمريكي ومن التغيير في السلوك السياسي لطهران، رائحة "البراغماتية". ما يعني أن ما يسمى بـ"الثوابت" الإيرانية في السياسة الخارجية سوف لن تتغير، إنما الأمر مجرد تغيير في التكتيكات. وتتخوف دول خليجية من هذا الرأي.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن محللين قولهم أن النظام في طهران يحافظ على "خطوطه الحمر": يريد حيازة التكنولوجيا النووية المدنية ويرفض الاعتراف باسرائيل ويدعم النظام السوري حليفه الإستراتيجي وصلته بحزب الله اللبناني الذي يحارب إسرائيل. وقال مهدي فضائلي المحلل القريب من المحافظين الإيرانيين إن "أسس السياسة الخارجية الإيرانية ثابتة". وأضاف "يمكن للحكومة أن تغيّر التكتيك والمقاربة". وقال علي رضا نارد من مركز راند الأمريكي للأبحاث إن لروحاني وظريف "رؤية مختلفة (في السياسة الخارجية) من تلك التي انتهجها المسؤولون السياسيون والعقائديون السابقون". وأضاف "لكن من غير الواضح ما إذا كان روحاني سيتمكن من إجراء التعديلات الأساسية في المسائل التي تقلق الولايات المتحدة" مثل الدعم الإيراني لحزب الله اللبناني ورفض طهران الاعتراف بإسرائيل. ورأى أفشين أُسْتُوار من مركز الدراسات الإستراتيجية الأمريكي أن للحكومة الإيرانية خطابين متباينين. وقال "عندما يرفض ظريف إنكار المحرقة فهذا موجّه للحكومات الأجنبية والرأي العام لديها. وعندما ينتقد إسرائيل والصهيونية عموما فلتهدئة المتشددين في النظام الإيراني". واضاف إن التغيير "في اللهجة أكثر مما هو بالمطلق حتى وإن كان هناك طلب أقوى للتعاون مع الغرب".

وقال دبلوماسي غربي معتمد في طهران للوكالة الفرنسية إن الحكومة الإيرانية "أخذت زمام المفاوضات النووية لكنها لا تتخذ قرارات بشأن الخطوط العريضة للسياسة النووية" التي يشرف عليها المرشد الأعلى. وأضاف أن "الحكومة لا تملك تفويضا واضحا" لسوريا وتؤكد أن ظريف لا يبحث أبدا النزاع السوري مع كيري. وتابع "إن الاعتراف بإسرائيل غير وارد لأن معاداة الصهيونية متأصلة في الجمهورية الاسلامية".



النهج السعودي إزاء إيران





وفي انعكاس للتخوف السعودي تجاه تطورات مشهد السياسة الخارجية الإيرانية، كتب الأمير تركي الفيصل، المدير العام السابق للمخابرات العامة في السعودية، مقالا نشرته صحيفة "الاقتصادية" السعودية في السادس من يناير الماضي بعنوان "هل تغيرت إيران منذ انتخاب روحاني رئيسا في يونيو 2013؟"، طرح خلاله تخوّفين باعتبار أنهما "يؤرقان المملكة العربية السعودية بشأن الجمهورية الإسلامية: سعيها إلى امتلاك الأسلحة النووية، وتدخلها في شؤون جيرانها (البحرين والعراق وسورية)".

وعلى الرغم من ترحيب الوكالة الدولية للطاقة الذرية في آخر زيارة لإيران في فبراير بالتقدم الذي تحقق في شأن برنامجها النووي، لكنها أشارت إلى أن "مواضيع كثيرة" ما زالت تحتاج إلى توضيح حول احتمال وجود بعد عسكري، مؤكدة بأنها في بداية المرحلة الأولى لمعالجة الجانب العسكري. وكانت طهران تعهّدت للوكالة بأن تطبق بحلول 15 مايو القادم "سبعة تدابير عملية" لاضفاء مزيد من الشفافية على برنامجها النووي. وكان تقرير شديد اللهجة للوكالة أصدرته في نوفمبر 2011 وقدمت خلاله مجموعة من العناصر التي توضح أن إيران سعت إلى حيازة السلاح النووي قبل 2003. وقالت الوكالة إن "هذه التدابير السبعة هي المرحلة الثانية. وبعد 15 مايو (القادم) ستكون هناك تدابير جديدة".



[blockquote]يرفض الموقف السعودي بشكل قاطع النهج الإيراني القائم على محاولة امتلاك السلاح النووي، والتدخل في شؤون الدول العربية[/blockquote]



لكن الموقف السعودي، كما عبّر عنه مقال الأمير تركي الفيصل، يعكس خوف الرياض من عجز وكالة الطاقة الذرية عن معالجة النووي الإيراني العسكري. يقول الأمير تركي: "في مواجهة إيران المسلحة نوويا، لن تجد بلدان مجلس التعاون الخليجي، على سبيل المثال، بُداً من وزن خياراتها بعناية ودقة وربما الحصول على قوة ردع نووي". وأضاف "إن حيازة إيران الأسلحة النووية تفضي بالضرورة إلى مضاعفة التخوف الرئيس الثاني لدى المملكة العربية السعودية: سياسة الحكومة الإيرانية في زعزعة استقرار البلدان المجاورة". وحول العراق أكد بأنه أصبح "ملعبا للنفوذ الإيراني"، فيما قال بشأن تطورات الأوضاع في البحرين إن المسؤولين الإيرانيين "كثيراً ما يعلنون أن البحرين محافظة إيرانية. ودعمت المملكة المفاوضات السلمية مع المحتجين في الشوارع، كما قدمت للبلاد مساعدات اقتصادية كبيرة لتحسين الحياة هناك، لكننا لن نقبل أبداً استيلاء إيران عليها". وفيما يتعلق بسوريا قال بأنها "أشد قتامة، حيث بلغ الدعم الإيراني للرئيس بشار الأسد منذ بداية الحرب الأهلية في البلاد حد العمل الإجرامي الذي يستوجب محاكمة قادة إيران في المحكمة الجنائية الدولية".

إن الخشية السعودية من السياسات الإيرانية في المنطقة، هي خشية تتّفق حولها معظم دول الخليج، لكنها تختلف معها في كيفية معالجتها. فالرياض تسعى إلى "تغيير جذري" في السلوك الإيراني فيما يتعلق بالتخوّفين الأساسيين: السلاح النووي، والتدخل في شؤون الدول العربية. إذ ترى في هذا السلوك تهديد لأمنها ومنافسة لنفوذها في المنطقة، بعكس دول الخليج الأخرى التي تسعى إلى "التعايش" مع الجار الإيراني في ظل التخوفين. لذا، لاتبدو التصريحات الإيرانية، حتى تلك "العدائية" من بعض المسؤولين في طهران، هي التي تنشط الرياض للتحذير منها بقدر تخوّفها من التوافق الأمريكي الإيراني للاتفاق على جملة من القضايا والمسائل التي قد تسعى واشنطن وطهران لحلحلتها، على رأسها خطر الجماعات الدينية المتطرفة في العراق وسوريا ولبنان، ما يمهّد الطريق لمزيد من التوافقات والاتفاقات الأخرى في المستقبل والتي ستكون محصلتها تقوية النفوذ الإيراني على حساب النفوذ الخليجي.

font change