«داعش» يكشف عن وجوه بعض قياداته ويعلن أسماءهم

«داعش» يكشف عن وجوه بعض قياداته ويعلن أسماءهم

[caption id="attachment_55253840" align="alignnone" width="1002"]عناصر داعش التي كشف عنها التنظيم الإرهابي عناصر داعش التي كشف عنها التنظيم الإرهابي[/caption]

في خطوة نادرة الحدوث، وفي محاولة يبدو أنها تسعى للمّ شمل مقاتليه، الذين يتعرضون للحصار والانشقاقات في كل من مصر وليبيا، كشف تنظيم داعش عن صور عدد من قياداته وأسمائهم خلال أقل من أسبوع، وهم يوجّهون، بوجوه سافرة، رسائل طمأنة إلى باقي عناصر التنظيم، بعد أن كان «داعش» يحرص، منذ نشأته قبل سنوات، على ظهور مثل هؤلاء القادة وهم ملثمون ويغطون وجوههم.

تنتمي أحدث دفعة من القيادات الداعشية التي أسفرت عن وجهها، لجنسيات مختلفة، من بينهم مصريون وليبيون وسوريون وتونسيون وأفارقة. وقال أحمد بان، الباحث في «مركز النيل للدراسات الاستراتيجية»، والمتخصص في الحركات الإسلامية: «إن المتغير الجديد الذي دفع تنظيم داعش إلى الكشف عن بعض قياداته وعناصره بصورهم وأسمائهم، هي محاولة من التنظيم للإيحاء بأن لديه حاضنة شعبية كبيرة، وأن لديه قواعد واسعة لبث الطمأنينة بين مقاتليه الذين فقدوا مواقعهم، وبخاصة في العراق والشام».

ضربات موجعة


وتعرض التنظيم لضربات موجعة من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، كما حقق الجيش المصري تقدما كبيرا على فرع التنظيم في سيناء، إضافة إلى سحق الجيش الليبي معظم قواعد التنظيم في درنة وبنغازي. وخلال الشهر الماضي، رد التنظيم بنشر صور وكلمات متحدية لثمانية من القادة، على الأقل، دون أن يغطوا وجوههم، وأقرّ بعضهم بتنفيذ عمليات إعدام وبتر للأطراف، بحق مواطنين قال: إن «محكمة الحسبة» التابعة للتنظيم أدانتهم.
معظم الشخصيات التي أعلنت عن نفسها يبدو أنها تقيم في مدينة سرت، التي تعد قاعدة للتنظيم في ليبيا منذ الصيف الماضي. وهذا النوع من القيادات ركزت هجومها على كل من الجيش الليبي وعلى القيادات التي تدير ميليشيات في غرب البلاد، وتسعى إلى وقف تمدد «داعش» في غرب سرت، كما هاجمت السلطات المصرية، بينما توعد الدواعش الأفارقة بـ«غزو روما»، انطلاقا من ليبيا، حتى لو كان ذلك على أيدي أبنائهم.
وقال الباحث أحمد بان، لـ«المجلة»: «إن (داعش)، بهذه الخطوة، يريد أن يقول إنه يحظى بالأمان وقادر على السيطرة، التي تمكنه من إعلان فروع في أماكن جديدة، لتأسيس بؤر مستحدثة قد تنتقل لها عناصر التنظيم، وبخاصة أن الفترة الأخيرة شهدت نزوح عدد كبير من قيادات التنظيم من سوريا والعراق إلى ليبيا».
وأضاف: «إن تنظيم داعش فقد سيطرته الرئيسية في سوريا والعراق، وبدأ يواجه حالة انحصار شديد، وأصبح لديه الاستعداد لتقبل فكرة مغادرة تلك الأراضي إلى أماكن أخرى، وتشكيل بؤر جيدة في بعض المواقع».. «ظهور مثل هذه الشخصيات في بعض الأماكن وسفورها بهذا الشكل، هو محاولة للإيحاء بأن التنظيم يتوفر على حاضنة شعبية كبيرة، وأن لديه قواعد واسعة في هذه الأماكن، وبالتالي يسعى لترسيخ فكرة أنه لا يخشى من كشف وجوه بعض عناصره وبعض قياداته».

ولشهور عدة كان يظهر في سرت رجل ليبي غامض من تنظيم داعش، يشرف على عمليات تنفيذ أحكام الإعدام في ساحات المدينة، إلا أن التنظيم كشف عن وجهه وكنيته أخيرا. ووفقا لما بثه «داعش»، وحصلت «المجلة» على نسخة منه، فقد تبين أن هذه الشخصية تلقب باسم عبد الإله الأنصاري، وظهر في ملابس ليبية تقليدية؛ أي ثوب وصدرية، وله لحية طويلة وشعر منسدل من تحت عمامة بُنية اللون.
وأجرى عملية التسجيل والبث مركز تابع لـ«داعش» يسمى «المركز الإعلامي لولاية طرابلس»، بينما جرى التسجيل والبث لعدد آخر ممن كشف «داعش» عن وجوههم، عبر مراكز تابعة للتنظيم في ليبيا، لكن هناك مركزا واحدا على الأقل تولى التسجيل والبث من مكان ما خارج ليبيا، اسمه «مركز الجزيرة».
ومن المعروف أن سرت أصبحت محاصرة من ناحيتي الشرق والغرب بقوات الجيش الوطني بقيادة الفريق أول خليفة حفتر، ومحاصرة من الغرب بقوات تابعة للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، مع تزايد اللغط في الدول الغربية عن إمكانية توجيه ضربات للتنظيم مماثلة لتلك التي تنفذها في العراق وسوريا.
ولوحظ أن عبد الإله ركَّز معظم حديثه على تبرير الإجراءات التي قام بها التنظيم في سرت، وبخاصة فيما يتعلق بالمحكمة الشرعية التي أصدرت أحكاما بالقتل ضد الكثير من أبناء المدينة في الشهور الماضية.

ضعف العناصر


كما ظهر عبد الإله وهو يتلو حكما على جندي سابق كان في كتيبة عسكرية في منطقة أوباري في جنوب ليبيا، وقضت عليه محكمة «داعش» بأن «يُقتل ردة». وجرى إطلاق النار على رأس الجندي من الخلف في مكان عام وسط حضور من سكان المدينة، كما قام بتلاوة أحكام بقطع أيدي عدد من المواطنين.
ومن بين القيادات التي ظهرت بوجهها رجل يحمل كنية قريبة من الكنية السابقة؛ إذ قدمه التنظيم بلقب «عبد الله الأنصاري» الذي بدا أنه من المسؤولين الكبار في المحكمة الشرعية في سرت، وتضمن حديثه اعترافات تفصيلية عن عمليات قتل وتنكيل نفذها التنظيم ضد أهالي المدينة، بمن فيهم من قال إنهم سحرة، بينهم نساء. وتضم محكمة «داعش» في سرت ما يطلق عليه التنظيم «قضاء المظالم» و«قضاء المعاملات المالية»، و«قضاء الشؤون الأسرية»، وكذلك «قضاء الحدود والجنايات» و«قضاء الصلح».
عاصم المصراتي، من قيادات «داعش» أيضا، حيث ظهر هو الآخر لأول مرة على الملأ بوجهه، وهو يجلس خلف حاسوب. وقام التنظيم بتعريفه على أنه من مسؤولي مكتب التوقيف في «المحكمة الشرعية» في ولاية طرابلس، وهو يتولى العمل في سرت. وأخذ لدقائق عدة يسوق المبررات عن عمل ما أسماه «الشرطة الإسلامية» في المدينة.
وقدم «داعش» شخصيات أفريقية يقول إنها بايعته، من بينهم رجل يلقب بـ«طلحة النيجيري». وظهر مرتديا زيا عسكريا ويحمل طفلة على ذراعه، ويتحدث العربية والإنجليزية. كما أظهر التنظيم رجلا آخر يلقب باسم «وقاص الصومالي»، في ملابس عسكرية وعلى رأسه غطرة، وفي يده بندقية كلاشنيكوف، ويتحدث العربية والإنجليزية أيضا، وقال وهو يحمل طفلا: «سيكون أولادي من فاتحي روما».
وأوضح الباحث أحمد بان، أن تنظيم داعش كان يحاول في الفترة الأخيرة الاتجاه صوب جنوب الصحراء في أفريقيا، لعمل تواصل مع خطوط إمداده، أو خزانه الرئيسي في شمال مالي ومع حركة بوكو حرام (موالية لـ«داعش»)، وغيرها من التنظيمات المحليات الأخرى التي بايعت التنظيم في فترات سابقة.. «يبدو أن هذه التنظيمات يشجع بعضها بعضا، وتستعد للالتحام فيما بينها بصفتها قوى رئيسية في هذه المناطق؛ بغرض السيطرة على ليبيا في الفترة المقبلة».

وأضاف: إن لجوء «داعش» لإماطة اللثام عن ملامح بعض قادته، يهدف إلى تشجيع المترددين لكي يقفوا معه.. «أتصور أن كشف الوجوه يأتي في إطار تعزيز هذه الصورة، أي لإقناع باقي المجموعات وتشجيعها على العمل مع التنظيم وإعلان مبايعته بالكامل، خصوصا في الجزائر والمغرب».
وعما إذا كان التنظيم أصبح لا يخشى من رصد قادته، ومن ثم القبض عليهم من جانب السلطات، قال الباحث: إن التنظيم «لن يشتبك مع القوات الليبية في معارك واسعة بعيدا عن فكرة الكر والفر، إلا بعد الاستعداد وتجميع المجموعات الأخرى التي أشرت إليها».
ومن جانبه، رجح مصدر أمني مختص بمتابعة أنشطة المتطرفين في منطقة الشرق الأوسط، أن يكون وراء كشف التنظيم عن وجوه بعض قادته، وبخاصة من المصريين والليبيين، ضعف عناصره وتشتتهم بسبب الضربات التي تلقاها من السلطات في كل من مصر وليبيا خلال الشهرين الماضيين.
وكشف «داعش» عن شخصية أخرى تلقب بـ«أبو عبد الله المصري»، وهو سافر الوجه، وذو لحية، وكان يقف في حديقة مرتديا ثوبا داكن اللون وغطاء رأس من الزي الشعبي الليبي، ويوجه رسالة تشجيع إلى باقي المتطرفين لتنفيذ عمليات تخريبية في مصر.
وبايع قطاع من تنظيم «أنصار بيت المقدس» «داعش» قبل نحو عامين، لكن يبدو من كلمات «أبو عبد الله» وقيادات أخرى، بينهم مصريون، ظهروا بوجوههم تباعا، تعكس حالة اليأس التي يمر بها المتطرفون في سيناء بسبب تضييق الجيش المصري الخناق على التنظيم، من جانب، ولفظ أهالي سيناء عناصر التنظيم بشكل متزايد، من جانب آخر. وقال: «هيا يا أسود الحق، توافدوا وشدوا وطأتكم». وحرَّض على قتل عناصر الجيش والإعلاميين والقضاء.

عملية شرم الشيخ


ويعتقد أن «أبو عبد الله»، يقيم في الوقت الراهن في مكان ما في الغرب الليبي، ورجحت مصادر أمنية في القاهرة أن يكون من قيادات «أنصار بيت المقدس» الهاربة من شبه جزيرة سيناء، قائلة إن الرجل الذي يعتقد أنه كان مسجونا في مصر بسبب أنشطته المتطرفة، مطلوب القبض عليه منذ عام 2013. وتوجه «المصري» بكلماته إلى المسلحين في سيناء، لحثهم على «الثبات».
ومن الشخصيات الأخرى التي كشفت عن وجهها لأول مرة، الملقب بـ«أبو عمر الأنصاري». وبدا أنه صغير السن، في أواخر العشرينيات تقريبا، ويرتدي نظارة طبية، وذو شعر طويل، ويضع غطاء من القماش على رأسه. وتحدث أبو عمر وهو يرتدي ملابس عسكرية ويتحزم بحزام من طلقات الرصاص، وعكست لهجته أنه مصري الجنسية أيضا، ما يؤشر إلى أن «داعش» سيناء يتعرض لهزائم قاسية.
وقال: أريد أن أرسل بعض الرسائل إلى أخوة التوحيد في سيناء، فأقول اثبتوا على ما أنتم عليه، وإنما النصر صبر ساعة. وأن الابتلاء سنة من سنن الله. وأضاف في نبرة بدت موجهة لمجموعة من اليائسين، قائلا: إن «المحن تأتي لتصقل معادن الرجال»، وأن «الرجل لا يُمكَّن حتى يُبتلى»، و«أنتم باب تحرير بيت المقدس». وذكَّر أبو عمر التنظيم في سيناء بالعملية التي قال إنه أسقط بها الطائرة الروسية التي كانت متجهة من شرم الشيخ إلى روسيا أواخر العام الماضي.

ومن الوجوه الداعشية التي خلعت غطاء الوجه، ظهر لأول مرة الشاب التونسي المكنى بـ«أبو أحمد»، وهو بدين وكثيف الشعر، وكان يرتدي ملابس سوداء. ووفقا للمصادر الأمينة، فإن هذا الشاب يقيم في ليبيا في الوقت الراهن، لكن لوحظ أنه وجّه خطابه إلى عدد من قبائل سيناء، بالاسم، وطلب منها أن تقف مع من أسماهم «المجاهدين».
أبو مسلم الشامي، قدم نفسه من دون لثام على الوجه، ويعتقد أنه سوري الجنسية ممن فروا من المعارك في «العراق والشام» إلى سرت، في الشهور الماضية. وتقول مصادر في المدينة الليبية: إن «هذا الاسم كان يتردد في أوساط القيادات الداعشية مؤخرا، لكن هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها بوجهه».
«الشامي» كان يرتدي ملابس عسكرية مموهة، ويبدو في الثلاثينات من العمر، وهو كثيف شعر الرأس واللحية. وتناولت كلمته التي وجهها إلى باقي عناصر التنظيم، التعامل مع ما أسماه «الكر والفر» بين التنظيم وخصومه، قائلا إنها من الأمور الطبيعية، وأنه «يوم لكم ويوم عليكم».
font change