عبد الناصر ونصر الله.. قصة الصعود والهبوط

عبد الناصر ونصر الله.. قصة الصعود والهبوط

[caption id="attachment_55246488" align="aligncenter" width="620"]صور حسن نصر الله وجمال عبد الناصر كانت تملأ الميادين قبل أن يتورط حزب الله في الاقتتال الطائفي في سوريا صور حسن نصر الله وجمال عبد الناصر كانت تملأ الميادين قبل أن يتورط حزب الله في الاقتتال الطائفي في سوريا[/caption]



أعتقد أنه من غير الموضوعي، المقارنة بين جمال عبد الناصر وحسن نصر الله، بل ويمكن القول إنه من غير المنطقي كذلك، فنحن حيال رجلين، كل واحد منهما يمثل شيئا مختلفا، ذلك أن جمال عبد الناصر كان رئيسا لأكبر دولة في الشرق الأوسط هي مصر، وكان طارحا نفسه زعيما للأمة العربية، وحاول مد زعامته إلى المستوى العالمي، حين أسس وصديقاه نهرو وتيتو مجموعة عدم الانحياز. أما حسن نصر الله فهو في أفضل الأحوال قائد ميليشيا هي الأكبر والأقوى في لبنان، ولقد فرض عليه حجم ما يمثل وما يقود أن يكون تابعا لقوى أكبر منه بكثير، ومهما حاول التمايز بالشعار والسلوك والخطاب، إلا أن لحظة حتمية لا بد وأن تأتي، كي يتخلى عن كل شيء خاص به، لمصلحة الاندماج المطلق في أجندات من هم أقوى منه.



القضية الفلسطينية





ولدت ظاهرة جمال عبد الناصر على نحو ابتدائي، في حرب فلسطين، حين كان الضابط الشاب يقود ثلة من الرجال وقعت تحت الحصار في منطقة الفالوجة، فصار أمثولة للعسكرية العربية آنذاك ولقد عظَّم من شأن ناصر وصموده، تميزه الصارخ عن قيادته السياسية، التي اتهمت بطعن عسكرها في الظهر من خلال ما عرف بقضية السلاح الفاسد.
وفي تربة هذه الواقعة، ذات الدلالات القوية، نبتت بذور ثورة الثالث والعشرين من يوليو، التي كرست الضابط الشاب جمال عبد الناصر فيما بعد زعيما تاريخيا لمصر. وصار بوسعه عرض نفسه كزعيم للأمة العربية.

ما إن أطل ناصر بقامته الفارهة، وأكتافه العريضة، ونظراته العميقة، وواجه الجمهور المصري والعربي وراح يلقي خطبه الطويلة والنارية، حتى أضحى مشروع زعيم عظيم يستحق الرهان عليه، وتعليق كل الآمال الممكنة والمستحيلة على قيادته.
ولقد أدى ناصر وزملاؤه قادة ثورة يوليو، دور القيادة الشابة الثورية والحيوية، فكانوا نقيضا جذابا لمن سبقهم من القادة النمطيين مرتدي الطرابيش التركية الحمراء، ومعتنقي التقاليد الملكية ذات الحدود الصارمة والمظهر الطبقي الذي عنوانه القصور والسرايات والحياة المترفة والباذخة.



سحر الظاهرة الثورية





فكان سحر الظاهرة الثورية الشابة مع سحر شخصية ناصر وغزارة الكاريزما المميزة له، مع كثرة الإنجازات المحببة للجمهور، مثل التصدي للعدوان الثلاثي (1956) وبناء السد العالي، والتأميم وغيرها من المشاريع الكبرى، كان ذلك كله يصب في مجرى نمو ظاهرة شعبوية خطرة تقترب من عبادة الفرد، ولا تنظر بموضوعية وواقعية لما يفعل وإلى أين سيصل بكل هذا الزخم.
ولقد تكرست هذه الظاهرة الشعبوية ذات السمة العاطفية حين انجرف إليها كبار المثقفين والفنانين، وصاروا جزءا منها، أو روادا في مسيرتها. كان من يبدي رأيا مخالفا أو دعوة لمناقشة موضوعية للظاهرة لا يجد لنفسه مكانا في قاطرة الثقافة والصحافة والفن.. إن لم يكن قد وجد نفسه في السجن، ولأن مصر هي القائد المعنوي والثوري في الزمن الناصري، فقد اتسع نطاق تابعي ناصر والمروجين لظاهرته خارج مصر فأضحى مالك قلوب وعقول ورهانات الكثيرين من العرب في كل مكان.



[blockquote]• الظاهرة الشعبوية ذات السمة العاطفية لجمال عبد الناصر انجرف إليها كبار المثقفين والفنانين[/blockquote]




القومية والنكسة



[caption id="attachment_55246490" align="alignleft" width="253"]حسن نصر الله حسن نصر الله[/caption]

وإلى جانب الإعلام القوي والملح والفعال، كان الاستقطاب السياسي والإقليمي والدولي، يوفر للظاهرة الناصرية قوة وتكرسا في معادلة القوى والنفوذ.. ففي زمن الحرب الباردة وضع الاتحاد السوفياتي استثمارا مهما في مصر وأسهم بصورة فعالة في الترويج للظاهرة الناصرية، كظاهرة حليفة تأتي في المرتبة الثانية بعد الحلفاء الأصليين من النظم الشيوعية في أوروبا وما تيسر من دول العالم الأخرى..
كان النفوذ المعنوي لناصر يكبر ويتسع، وكان الإعلام القوي قد شد الجمهور العربي والمصري، بعيدا عن الخلل الداخلي الذي بدأ يظهر ويستفحل في نظام ثورة يوليو، بل ويروج لقرارات خطرة وخاطئة ويمعن في تبريرها، مثل التدخل المبالغ فيه في الكيانات العربية الأخرى تحت شعار التغيير والتنوير حتى إن إذاعة «صوت العرب» القوية والنشطة والمؤثرة تخصصت لهذا الأمر وأسهمت بصورة واضحة في شد الجماهير للخطاب الناصري، ولكن ضمن إيقاعات عاطفية يستحيل استثمارها في سياق منظم ومنتج من شأنه إحداث التغيير والتنوير المنشود، ولقد بدأت الإخفاقات تتوالى بينما المد المعنوي والعاطفي في أوجه، فكانت حرب اليمن التي لا مبرر لتوريط جيش مصر فيها وكانت الوحدة المرتجلة مع سوريا التي بينت استحالة نجاحها كونها وليدة شعارات وليس مؤسسات وحدوية تدريجية راسخة، ثم جاءت الكارثة الأعظم في تاريخ الأمة، وهي كارثة حرب حزيران 1967.



عاطفة وانكسار




لقد ظهر عبد الناصر إثر هزيمة عام 1967 بمظهر الزعيم القابل للخديعة والفشل رغم كل ما اقترن بصورته من رهانات عكسية.
لم ينجح عبد الناصر في إبعاد اللوم عنه جراء هزيمة حزيران، رغم تحميله المسؤولية المباشرة لأقرب الأقربين إليه وهو المشير عبد الحكيم عامر، وعدد من قادة القوات المسلحة، إذ ظهر سؤال كبير في مصر والعالم العربي والعالم، هل هكذا يفعل القادة التاريخيون، يسلمون أمور بلادهم ومقدرات جيوشهم لأناس لا يتمتعون بأي قدر من التأهيل؟، أضف إلى ذلك انفتاح شهية الإعلام المصري والعربي على إظهار الأخطاء والخطايا التي أدت إلى هزيمة حزيران ولكن بطريقة تحاول تبرئة الزعيم، بإدانة من حوله، إلا أن ذلك لم ينفع وسجل في التاريخ أن زعيما كبيرا سطع نجمه في سماء المنطقة والعالم قد انتهى إلى هزيمة.



[blockquote]• نصر الله ليس أكثر من قائد ميليشيا فرض عليه حجم ما يمثل وما يقود أن يكون تابعا لقوى أكبر منه بكثير[/blockquote]



حين مات عبد الناصر، حزن العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه وودعته مصر بما يليق بزعيم تاريخي، كانت الجنازة غير المسبوقة في تاريخ مصر قد جُمعت جماهيرها بدافع حب زعيم لم يسرق ولم يبذخ ولم يكذب وفي العالم العربي فهذه خصائص يكفي لأن تضع الفشل في المرتبة الثانية وأن تقرب للجمهور فكرة التبرير والغفران.
كان الانشداد العاطفي لعبد الناصر أقوى من كل الاعتبارات الأخرى التي تشكل علاقة الزعيم بالجمهور، وحين يحب الجمهور رجلا مثل عبد الناصر، فما أسرع أن يغفر له أفدح الإخفاقات ولعل ذلك هو كلمة السر في الفشل السياسي العربي على كل المستويات، وفي كل الأزمان.



نصر الله والقوى السياسية





توافق اللبنانيون بصورة موضوعية وإن مؤقتة على قبول قيادة حزب الله للمقاومة الوطنية الهادفة إلى تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي وعملائه من ذلك التشكيل البائس والفاشل المسمى {جيش لبنان الجنوبي}.
كان حزب الله الأكثر جدارة في الحصول على هكذا الموقع القيادي الهام بفعل كثافة حاضنته الشعبية في الجنوب {وهي من الشيعة} إضافة إلى تحالفه المتين مع العمق الجغرافي الأهم الذي تجسده سوريا، والعمق الاستراتيجي الفعال الذي تجسده إيران.

ولقد استغل حزب الله كل العناصر المواتية لتثبيت دوره وتطوير وترسيخ ركائز وجوده ليس كمجرد قوة مقاومة يتراجع دورها ونفوذها حين تنسحب إسرائيل بل كقوة تهيئ نفسها لأداء دور أعمق وأقوى وأكثر تعقيدا في لبنان والمحيط العربي.
كانت القوى السياسية اللبنانية التي إن لم تكن ذات برامج طائفية إلا أنها بحكم الواقع تنتسب إلى الواقع الطائفي، تنظر بحذر وترقب لنمو ظاهرة حزب الله وتتخوف من تنامي الاستثمار الإيراني لهذا الحزب وتوظيفه في سياق التطلعات الإمبراطورية للدولة الفارسية التي ترى في فلسطين ولبنان ممرا نموذجيا وفعالا في لعبة استقطاب الجماهير، ما يوفر للنفوذ الإيراني عمقا كان مفتقدا منذ عقود.




[blockquote]• الإعلام القوي شد الجمهور العربي، بعيدا عن الخلل الداخلي الذي ظهر في نظام ثورة يوليو، وروج لقرارات خطرة وخاطئة وأمعن في تبريرها[/blockquote]



شعار المقاومة





كان حسن نصر الله.. الشاب الحيوي والمتكلم والواعي للدور وكيفية أدائه هو الأكثر قدرة على قيادة حزب الله بما يمثل لبنانيا وفلسطينيا وعربيا قبل أن تظهر الشيعية السياسية بصورتها المباشرة حاليا. كما كان الأكثر قدرة على توظيف كل العناصر الإيجابية المواتية بما يخفي البعد الفارسي والشيعي في الأمر، فالرجل عربي قح يظهر التزامه بالقضايا العربية قولا وعملا ويمسك بناصية المصطلح الأكثر جاذبية في عالمنا العربي {المقاومة» مقترنا بمصطلح أقل مصداقية إلا أن له من يسوقه ويشتريه وهو {الممانعة}.
لقد أدى رجال حزب الله دورا عسكريا مميزا وأدار الحزب بحنكة نصر الله المفاوضات الشاقة مع الإسرائيليين في مجال تبادل الجثث والأسرى، وكان ذلك أحد العوامل المثيرة للإعجاب وحتى الانبهار.



صور نصر الله ترفع في القاهرة!





لم يعد حزب الله بعد ذلك كله مجرد ميليشيا تؤدي دورا مقاوما فعالا، في نطاق تحرير المحتل من أرض لبنان، بل أصبح ومن خلال قائده الجذاب، أمثولة لكل العرب والمسلمين، وصرت تشاهد صور حسن نصر الله في القاهرة - مثلا - حيث نادرا ما ترتفع صور لغير الزعماء المصريين!

إلا أن نصر الله سواء كان يعرف أو لا يعرف راكم شعبية من النوع الذي يمكن تبديدها مع اضطراره للدخول في اختبارات حاسمة.
فلقد وصلت شعبية نصر الله إلى أعلى الذرى حين أدى دورا عسكريا وإعلاميا مميزا في حرب تموز عام 2007، ولقد أدار فصول هذه الحرب بتمكن إعلامي جذّاب، إلا أنه فيما بعد أضعف إنجازه بنفسه.
حين برد الجرح وظهر حجم الدمار الذي ألحقه الانتقام الإسرائيلي الوحشي وظهرت كذلك فداحة الترتيبات الدولية التي حصل عليها الإسرائيليون على جبهة الجنوب، تبين أن النصر الاستعراضي المبرر في حينه لن يحول دون ولادة تساؤل كبير، كيف كانت النتيجة بالضبط؟؟


[caption id="attachment_55246491" align="alignright" width="258"]جمال عبد الناصر جمال عبد الناصر[/caption]

[blockquote]• ظهر عبد الناصر إثر هزيمة عام 1967 بمظهر الزعيم القابل للخديعة والفشل رغم كل ما اقترن بصورته من رهانات عكسية[/blockquote]



وحين أعلن حسن نصر الله أنه لو كان يعرف أن الدمار سيكون بهذا الحجم لما أقدم أصلا على عملية اختطاف الجنود الإسرائيليين فقد تحول السؤال المحرج إلى حكاية شعبية، أن ما حدث جعل مكانة الرجل المحسومة في القلوب والرهانات تتعرض لمساءلة قاسية من نوع.. ترى كم ستكون خسائر الجولة التالية؟؟
في حرب تموز دمرت الضاحية الجنوبية وفي الحرب التي تليها تقول إسرائيل إنها ستدمر بيروت بأكملها.
في العالم الثالث وتحديدا في عالمنا العربي يتغذى الزعماء بصورة مبالغ فيها على إنجازات الماضي، فهي وحدها ما يوازن إخفاقات الحاضر.



الاستثمار الطائفي





لقد توقفت المقاومة اللبنانية نهائيا بعد تلك الحرب المدمرة إلا أن مصطلح أمجاد المقاومة ظل متداولا رغم الاتجاه الواضح إلى عكسه، في غمار هذا التساؤل المخيف صار ممكنا نزع الحصانة عن الشعار ما شجع على فتح ملفات كان الأمر الواقع قد حجبها لبعض الوقت ففتح على نطاق أوسع وأكثر جسارة ملف اغتيال رفيق الحريري، حيث الواقعة التي تمت قبل سنوات والتي هي الأكثر جاهزية للاستثمار الطائفي، كان الاتهام في البداية يتجه نحو سوريا التي أُمرت أميركيا بمغادرة لبنان على الفور، إلا أن الطريقة السورية في إثبات الوجود والنفوذ بعد الانسحاب العسكري كانت فظة وغزيرة الدم، فقد تضاءل إيقاع حزب الله المقاوم لمصلحة إيقاع جديد عنوانه {حزب الله الامتداد السوري العضوي في لبنان} أي إنه ومهما أوتي من حصافة وبلاغة لا يقدر على تجنب دفع جزء هام من الفاتورة السورية المصبوغة بالدم، والموصوفة بالقمع والتصفيات بما في ذلك تهمة الضلوع في اغتيال الحريري.

في 9 أيار (مايو) 2008 استيقظ سكان بيروت على اجتياح عسكري كثيف من جانب قوات حزب الله، وحوصر الزعماء الأساسيون من السنة وقادة القوى والأحزاب الأخرى ووقعوا تحت حصار تهديد جدي بالتصفية، وصعدت تشكيلات من حزب الله إلى الجبل حيث النفوذ الدرزي المحسوم، كان ذلك بسبب شعور من حزب الله بأن الدولة اللبنانية تجرأت على اتخاذ قرارات وإجراءات يفهم منها المساس بمصالح الحزب في مطار بيروت وعلى صعيد الاتصالات. ولقد بُرر الاجتياح الكثيف بالمصطلح الذي فقد مصداقيته العملية وهو {المقاومة}، أي إن كل ما يجري وسيجري في لبنان من أجل تعظيم النفوذ سيكون تحت بند حماية المقاومة ممن يمكن أن يطعنوها في الظهر، لم يكترث حزب الله ومن وراءه إلى أن صناديق الاقتراع الحرة والنزيهة والمراقبة جيدا كانت قد أظهرت أن الذين حوصروا في بيروت الغربية هم الأغلبية وأن الذين اجتاحوهم هم الأقلية حتى لو كانت الفوارق العددية ضئيلة.



السقوط في بئر سوريا





لقد اتهم حزب الله أكثر من نصف اللبنانيين بالعمالة وبالتالي فقد وضعه السابق المزدهر كمعبر لانتماء كل اللبنانيين لمقاومة الاحتلال ولم يعد رمزا يجمع عليه للمقاومة ولا شريكا متكافئا في الوطن.
كان كل ذلك قد حدث في فترة زمنية وجيزة، كان صعودا سريعا زاهرا ومدويا إلا أن الانحدار الذي تم بعده كان مروعا، ذلك حدث قبل الفصل الأخير والمأساوي الذي يختصر بعنوان واحد: الحرب الراهنة في سوريا جعلت حزب الله شريكا في مذبحة يقتل ويُقتل ويلحق الأذى بالشيعة أكثر من غيرهم، وفي كلتا الحالتين لم يعد بوسعه تبرير ذلك بحماية المقاومة..
أخيرا تجدر ملاحظة أن قطاعات واسعة من الشيعة نفضت يدها من حزب الله كركن قوة واعتزاز فانقسم القوم عليه وغالبيتهم يفضلون التعايش والتحاب والوئام مع أبناء دينهم وجلدتهم من السنة والعرب وهذه خلاصة قصة صعود وهبوط.



[blockquote]• تضاءل إيقاع حزب الله المقاوم لمصلحة إيقاع جديد عنوانه "حزب الله الامتداد السوري العضوي في لبنان"[/blockquote]

font change