شعار الحزب: صورة الكرة الأرضية إلى جانب قبضة تمسك ببندقية «إيه كيه 47».[/caption]
في يوليو (تموز) عام 2012، وصلت «المقاومة» إلى بلغاريا في صورة تفجير حافلة قتلت خمسة إسرائيليين، وسائق الحافلة، وأصابت آخرين. لم يكن هذا هو الهجوم الوحيد الناجح في الفترة الأخيرة. على مدار عقود، أجرى حزب الله عمليات في الخارج، اتسع نطاقها من هجمات بيروت المشينة إلى الكويت وإلى أوروبا ثم إلى أميركا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا. في مايو (أيار)، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تقريرها السنوي عن الإرهاب مشيرة إلى «عودة ملحوظة» لرعاية دولة إيران للإرهاب على مدار الأشهر الثمانية عشر الماضية من خلال الحرس الثوري الجمهوري وصلاتها مع حزب الله. يشير التقرير على وجه التحديد إلى أن «أنشطة إيران وحزب الله الإرهابية وصلت إلى مستوى ملحوظ منذ التسعينات، مع التخطيط لهجمات في جنوب شرقي آسيا وأوروبا وأفريقيا».
يملك حزب الله هويات متعددة. فهو ملتزم في آن واحد بأحكام رجال الدين الإيرانيين والدولة اللبنانية والمجتمع الشيعي في لبنان وتابعيه من الشيعة في الخارج. أحيانا ما تجذب هذه الهويات الحزب في اتجاهات مختلفة، مما يتسبب في قيامه بتصرفات متناقضة. نذكر على سبيل المثال سبب اتخاذه قرارا بالوقوف مع إيران إلى جانب نظام بشار الأسد في سوريا على الرغم من تعرضه لكثير من الضغوط في لبنان، وإدانة أربعة أعضاء من حزب الله بسبب اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري. وفجأة أصبحت «المقاومة» تقاتل السوريين بدلا من الإسرائيليين؛ لا تقاتل اليهود بل الرفاق المسلمين.
إن أنشطة الحزب المزعزعة للاستقرار في سوريا منذ اندلاع الثورة في عام 2011 هي التي «مزقت قناع الفضيلة الذي تخفي وراءه حزب الله»، على حد وصف صحافي لبناني، مما جعل الحزب يواجه تحديا وجوديا. وضع حزب الله ذاته، من خلال وقوفه إلى جانب نظام الأسد ومؤيديه العلويين وإيران بالإضافة إلى رفع السلاح ضد الثوار من السنة، في وسط صراع طائفي ليس له علاقة بسبب وجوده المزعوم: أي «مقاومة» الاحتلال الإسرائيلي. وكما قال كاتب لبناني شيعي ساخر بعد يوم من خطاب نصر الله الذي ألقاه في يوم القدس: «إما أن المقاتلين لم يجدوا فلسطين على الخريطة واعتقدوا أنها في سوريا، وإما أنه قيل لهم إن الطريق إلى القدس يمر عبر القصير وحمص»، وهي مناطق في سوريا قاتل فيها حزب الله إلى جانب قوات الأسد ضد الثوار السنة.
العميل
إن مضامين ذلك واضحة: لم يعد حزب الله اللبناني «مقاومة إسلامية» خالصة لقتال إسرائيل، ولكن ميليشيا طائفية وعميل إيراني ينفذ أوامر الأسد وخامنئي على حساب مسلمين آخرين. وهكذا ليس مفاجئا أن تأتي ضربات ضده من دوائر متطرفة أيضا. في يونيو (حزيران)، أصدرت كتائب عبد الله عزام، التابعة لتنظيم القاعدة في لبنان بيانا تتحدى فيه نصر الله ومقاتليه في حزب الله «بتصويب طلقة واحدة على فلسطين المحتلة، وأن يعلنوا مسؤوليتهم» عن ذلك. وأضاف البيان أنهم قد يطلقون النار على إسرائيل من لبنان أو سوريا، بعد أن رأوا حزب الله يطلق آلاف القذائف والطلقات النارية على السنة غير المسلحين ونسائهم وعجائزهم وأطفالهم، وهدموا منازلهم على رؤوسهم».
من الممكن أن يتوقع حزب الله استهزاء الجماعات السنية المتطرفة، ولكنه أيضا يواجه تحديات لم يكن يترقبها مطلقا منذ عدة أعوام. على سبيل المثال، قبل أن يلقي نصر الله خطابه في أغسطس (آب)، دعا الرئيس اللبناني ميشال سليمان لأول مرة على الإطلاق الدولة إلى تقويض قدرة حزب الله على العمل كميليشيا مستقلة خارج سيطرة الحكومة. عندما أرسل حزب الله مقاتليه إلى سوريا، اعتقد كثير من اللبنانيين أن حزب الله وضع مصالحه كجماعة قبل مصالح لبنان كدولة، وهو ما يقف ضد محاولات حزب الله الطويلة لتصوير ذاته كجماعة لبنانية أولا وقبل كل شيء. والآن بعد أن وصف حزب الله ذاته بطليعة القوات التي تقف مع المظلومين في مواجهة الظلم، ويحاول دائما التقليل من أهمية هويته الطائفية وتأييده لإيران، يجد الحزب أن هذه التأكيدات تتعرض للهجوم بسبب رفضه للالتزام بالموقف الرسمي للحكومة اللبنانية بعدم التدخل في سوريا. على النقيض من ذلك، يقوض دعم الحزب الاستباقي للنظام العلوي الوحشي ضد المعارضة السنية السورية السائدة صورة الحزب التي كونها عبر فترة طويلة كحركة «مقاومة» لبنانية.
[caption id="attachment_55248199" align="alignleft" width="226"]
حسن نصر الله[/caption]
يغامر حزب الله بدعمه لنظام الأسد، حتى بعد أن بدأت القنابل تسقط على الضاحية الجنوبية، التي سيطر عليها حزب الله في بيروت. كان نصر الله واضحا للغاية عندما قال: «إذا كنتم تعاقبون حزب الله على دوره في سوريا، أقول لكم، إذا أردنا الرد على تفجير الضاحية، سوف نضاعف أعداد المقاتلين في سوريا – إذا كانوا ألفا سنضاعفهم إلى ألفين، وإذا كانوا خمسة آلاف سنجعلهم عشرة آلاف». وبالفعل، يقف حزب الله ونصر الله شخصيا إلى جانب الأسد حتى النهاية. وأضاف نصر الله: «إذا استدعى الأمر يوما ما أن يذهب حزب الله وأنا معه إلى سوريا فسوف نفعل».
أين ذهبت المقاومة؟
في مرحلة ما، حاول نصر الله التغطية على حقيقة أن الشيعة اللبنانيين والسنة اللبنانيين أصبحوا يتصارعون الآن علنا في سوريا ويهددون بجلب النزاع الطائفي عبر الحدود إلى لبنان، بأن أشار إلى أن شيعة وسنة لبنان اتفقوا على ألا يتفقوا بشأن سوريا. وقال في خطاب له في مايو (أيار) الماضي: «نختلف بشأن سوريا؛ إذا كنا نقاتل في سوريا؛ دعونا نقاتل هناك. هل تريدون أن أكون أكثر صراحة؟ لنحيد لبنان عن القتال.. لماذا يجب أن نتقاتل في لبنان؟». ولكن لم يلق هذا الحديث قبولا لدى رفاق نصر الله من اللبنانيين، الذين أرادوا إنهاء التدخل اللبناني في الحرب في سوريا، لا يوجد من يقبل أن يقتل مواطنون لبنانيون بعضهم البعض عبر الحدود.
في الخطاب ذاته، تحدث نصر الله عن «خطرين كبيرين» يواجهان لبنان. الأول هو «إسرائيل ونواياها وجشعها ومخططاتها». وأضاف نصر الله أن الثاني يتعلق بـ«التغييرات التي تحدث في سوريا». بالنسبة لإسرائيل، حذر نصر الله من أنها تشكل تهديدا يوميا للبنان. وأما سوريا، فالنظام هناك يواجه «محورا تقوده الولايات المتحدة التي من المؤكد أنها صانعة القرار».
كما أن البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين والألمان والعرب والأتراك مشتركون أيضا، ولكنهم «جميعا يعملون لصالح الأميركان». ولكن من هي القوة الحقيقية الكامنة خلف «التغييرات التي تحدث في سوريا»؟ «نحن نعرف أيضا أن هذا المحور يحظى بدعم ضمني من إسرائيل نظرا لأن المشروع الأميركي في المنطقة إسرائيلي بامتياز». وأكد نصر الله أن حزب الله لا يقاتل في سوريا في صراع طائفي، بل يكافح المشروع التكفيري السني المتطرف الذي يتصل بـ«القاعدة» و«تموله وتدعمه أميركا» لتحقيق المصلحة الأميركية بتدمير المنطقة. بمعنى أن الحرب في سوريا لم تعد ثورة شعبية ضد نظام سياسي، ولكن ساحة تسعى من خلالها أميركا إلى فرض مشروعها السياسي الخاص على المنطقة. واختتم نصر الله حديثه قائلا: «حسنا، نعلم جميعا أن المشروع الأميركي في المنطقة مشروع إسرائيلي بلا شك. وبذلك في قتالنا في سوريا اليوم نعتبر أنفسنا ندافع عن لبنان وفلسطين وسوريا».
ولكن يوجد قليل من خارج مؤيدي حزب الله من المقتنعين بهذا المنطق الملتوي بأن الثورة السورية مخطط أميركي إسرائيلي. فقط عندما استهدفت الغارات الجوية الإسرائيلية مخازن الأسلحة – سواء تلك المنقولة من نظام بشار الأسد إلى سوريا أو أسلحة استراتيجية مثل الصواريخ الروسية المضادة للسفن – استطاع نظام الأسد وحزب الله الإشارة عن ثقة إلى إسرائيل. على سبيل المثال، في يوليو (تموز)، استهدفت غارة إسرائيلية مخزن أسلحة بالقرب من اللاذقية وكان يحتوي على صواريخ مضادة للسفن. وفي مايو (أيار)، استهدف مقاتلون إسرائيليون شحنة صواريخ «فاتح – 110» أرض- أرض، مع أسلحة أخرى، والتي كانت إسرائيل تخشى أنها تكون منقولة إلى حزب الله. وفي يناير (كانون الثاني)، استهدفت إسرائيل قافلة تنقل صواريخ أرض جو «SA-17» الروسية، والتي اعتقدت إسرائيل أنها منقولة إلى حزب الله. ولكن حتى عندما وقعت هذه الغارات، أوضح مسؤولون إسرائيليون علنا أن إسرائيل لا ترغب في أن تكون طرفا في الصراع في سوريا. وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في يونيو (حزيران) أن «إسرائيل لن تتورط في الحرب الأهلية في سوريا، طالما لم توجه ضدنا النيران».
حزب الله يحتاج إلى رجل قش إسرائيلي
من سوء حظ حزب الله أن تصريحات نتنياهو لم تكن مجرد دعاية. ينتهج الإسرائيليون منذ فترة بعيدة سياسة محاولة منع وصول الأسلحة إلى الجماعات الإرهابية مثل حزب الله - منذ عملية الاستيلاء على سفينة كارين إيه في البحر في عام 2002، إلى إرسال طائرات حربية لتدمير مصنع أسلحة إيراني تردد أنه موجود في السودان في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2012 وغيرها الكثير – ولم تتدخل إسرائيل في الحرب السورية بأي طريقة بخلاف هذه الهجمات القليلة التي تستهدف مخابئ الأسلحة. لهذا السبب، على عكس الحكمة السائدة، ربما يحاول حزب الله جر إسرائيل إلى الحرب.
الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يصف بها تدخله في سوريا بأنه جزء من حملة «مقاومته» ضد إسرائيل، هو أن تصبح إسرائيل طرفا في الصراع إلى جانب الثوار. ومن المؤكد أن حزب الله لا يريد أن تكون إسرائيل طرفا فعالا أو كاملا في الصراع، وذلك ليس لسبب آخر بخلاف حقيقة أنه لا يرغب في دعوة القوة الجوية الإسرائيلية – بإمكانياتها المذهلة – إلى الحرب. بدلا من ذلك، ربما يحاول حزب الله جر إسرائيل إلى عمليات متبادلة متفرقة يمكن احتواؤها عبر الحدود اللبنانية أو السورية (الجولان). في مطلع أغسطس، وقع مثل هذا الحادث عندما أصيب أربعة جنود إسرائيليين في انفجارين أثناء مرورهم في دورية على الحدود مع لبنان. ووفقا لصحيفة «الأخبار» اللبنانية اليومية التي تعتبر ناطقة بلسان حزب الله، كان هذان التفجيران جزءا من «كمين» منظم، يوضح إمكانيات «جهاز الاستخبارات» التابع لحزب الله.
[blockquote]
في أعقاب الهجوم الكيماوي الذي وقع في 21 أغسطس في دمشق، بدا أن الولايات المتحدة (في البداية) مستعدة لشن هجوم عقابي على سوريا بسبب انتهاك الخط الأحمر الذي وضعه الرئيس أوباما على استخدام الأسلحة الكيماوية في العام الماضي. وعلى الفور، حذر الشيخ عفيف النابلسي المؤيد لحزب الله من أن «أي اعتداء أميركي على سوريا سوف يجد ردا قاسيا ضد المصالح الأميركية في المنطقة وضد إسرائيل مباشرة».
[/blockquote]
وأوضح مصدر رفيع المستوى مقرب من حزب الله لصحيفة «ديلي ستار» أنه إذا «كان الهجوم الغربي محددا بأهداف معينة في سوريا، فلن يتدخل حزب الله»، ولكن «في حالة شن هجوم نوعي يستهدف تغيير ميزان القوى في سوريا، سوف يقاتل حزب الله على جبهات متعددة»، منها «الحرب ضد إسرائيل». وأشار المصدر إلى إمكانية إطلاق حزب الله صواريخ على إسرائيل. ربما تقدم الضربات الأميركية فرصة كان حزب الله يسعى إليها من أجل ضرب إسرائيل، ولكن ليس إلى درجة الحصول على رد ساحق في المقابل. ربما ما زال حزب الله يسعى إلى بدائل كتبرير لشن عدد محدود من الصواريخ ضد إسرائيل، ربما ردا على هجوم إسرائيلي مضاد بعد غارة عبر الحدود. دعا حزب الله بالفعل الجماعات الفلسطينية إلى تنظيم وشن هجمات ضد إسرائيل من مرتفعات الجولان، وعرض نصر الله مساعدة أي جماعة تقوم بذلك.
إذا لم يجد حزب الله رجل قش إسرائيليا يبرر به الاحتفاظ بسلاحه بصفته كيان «مقاومة مشروعة»، لن يتبق للحزب الكثير لتبرير وجوده كميليشيا مستقلة خارج سيطرة الحكومة اللبنانية. ولكن الأسوأ من ذلك هو أنه طالما استمر حزب الله في القتال إلى جانب إيران ونظام الأسد ضد الثوار السنة، فسوف يزداد اعتبار الحرب صراعا طائفيا معوقا للمصالح الأمنية والسياسية للبنان. يستمر حزب الله في شحذ إمكانياته العسكرية بطول الحدود مع إسرائيل، ووفقا لرئيس القيادة الشمالية في إسرائيل ميجور جنرال يائير جولان، مقارنة بسبعة أعوام ماضية في المرة الأخيرة التي حارب فيها حزب الله إسرائيل: «يحظى حزب الله بتسليح وتدريب أفضل وحرص أكبر». ربما يشعر حزب الله في مرحلة ما بالحاجة إلى تجديد أوراق اعتماده كحركة مقاومة. وعندما يفعل ذلك سوف تصبح إسرائيل في مرمى نيران حزب الله اللبناني مرة أخرى.