صراع «البراغماتية» الفلسطينية بين مشعل ودحلان

صراع «البراغماتية» الفلسطينية بين مشعل ودحلان

[caption id="attachment_55252009" align="aligncenter" width="620"]ملثم فلسطيني من حركة فتح، يعلق صورة لمحمد دحلان خلال احتجاج مناهض لسياسة حماس نظمته الحركة في مخيم للاجئين جنوب قطاع غزة ملثم فلسطيني من حركة فتح، يعلق صورة لمحمد دحلان خلال احتجاج مناهض لسياسة حماس نظمته الحركة في مخيم للاجئين جنوب قطاع غزة [/caption]


أدلى دحلان في القاهرة أخيرا بحوار صحافي لإحدى الجرائد المصرية قال فيه: «أعتقد أن هذه الحرب ستنتهي كما انتهت الحروب السابقة، قتل ودمار للشعب الفلسطيني، وادعاء نصر من قبل إسرائيل، وادعاء نصر من قبل حماس والجهاد الإسلامي والتنظيمات المقاتلة، فالحرب على غزة الكل خاسر فيها، سواء فتح أو حماس، أما الخاسر الذي سيدفع الثمن وهو ليس طرفا فيها فهو الشعب الفلسطيني كالعادة، والمقاتلون في بعض التنظيمات».

النتيجة التي توصل إليها دحلان ليست ناتجة فقط عن إدراك جيد لحدود الممكن في مثل هذه النزعات، بل عن رغبة دفينة بأن يخسر كل خصومه: حماس وقائدها مشعل، وفتح وقائدها أبو مازن، فعندها فقط يكون الطريق قد بات ممهدا لعودته الظافرة إلى الموقع الذي يستحقه كقائد لجيل جديد من السياسيين الفلسطينيين أصحاب المهارات الاستثنائية، أما منافسه خالد مشعل فرغم براغماتيته النسبية، قياسا على القادة الكبار في حركة حماس الذين يتبنون خطا متشددا سواء حيال المصالحة مع فتح أو حيال الصراع مع إسرائيل، إلا أن ثقل الآيديولوجيا الإخوانية التي تشده إلى الخلف جعلته يتخبط في تصريحاته ومواقفه عندما رفض الشهر الماضي المبادرة المصرية لوقف القتال، وهو ما أغضب مصر حكومة وشعبا، ولكنه عاد مجددا لينفي أنه برفضه للمبادرة فهو يرفض الدور المصري ذاته!.
يتحرك دحلان بحنكة بين عواصم عربية بعضها يراهن عليه بقوة مثل أبوظبي وبعضها على استعداد لمساعدته على تحقيق طموحاته مثل القاهرة دون أن تعتبره الخيار الوحيد أو البديل الوحيد مثلما تفعل الإمارات الأكثر انزعاجا بين العواصم العربية من تمدد المشروع الإخواني المدعوم من تركيا وقطر، ولكن دحلان لا يبادر بالعداء تجاه حتى الأنظمة التي تؤوي منافسه مشعل.

السباق لوقف نزيف الدم الفلسطيني إذن ليس خالصا لوجه الله والوطن بالضرورة، بل هو سباق معقد ومتعدد المستويات، وطنيا وإقليميا وذاتيا، يتصدره فرسا رهان أحدهما براغماتي بطبعه وبحكم تكوينه وخبراته، والثاني يحاول أن يكون كذلك ولكن من دون من دون طروحات ومرجعيات أصيلة.


فتح وحماس




بعد سنوات الازدهار للحركات الراديكالية في السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي والتي هيمنت على الفعل الفلسطيني آنذاك، بدأت عملية الانزياح البطيء نحو الاعتدال تحت ضغط التحولات الكبرى في النظامين الإقليمي والدولي، وأصبح الاستقطاب داخل الحركة الوطنية الفلسطينية لا يتمحور حول قطب براغماتي وآخر متشدد، بل حول قطبين كلاهما يتحلى بالبراغماتية مع اختلاف اللغة والادعاء الآيديولوجي: فتح وحماس، ولأن الثقافة العربية عامة تنطوي على قدر هائل من «شخصنة» الوقائع والمدخلات السياسية فإن الاستقطاب البراغماتي ذاته بات ملخصا في مشروعين يعبر عنهما شخصيتان جدليتان، محمد دحلان القيادي السابق في حركة فتح، المقيم في الإمارات حاليا، وخالد مشعل قائد حركة حماس المقيم في دولة قطر.



فترة التكوين وافتراق المسارات





بين الرجلين من خلال فترة التكوين الأولى لكليهما فروقات حددت مساراهما، يمتلك دحلان شخصية جريئة ومتمردة ، في حين أن خالد مشعل ،يميل إلى الانصياع للأوامر ولا يغامر بتغير الاتجاهات بشكل مفاجئ.
تعلم دحلان في شبابه داخل معهد ديني في غزة تابع لمجموعة كانت وراء تأسيس حماس لاحقا، ولم تلائم شخصيته المنطوية على التمرد على خطاب السمع والطاعة الذي كان يهيمن على التابعين لهذا التيار، فسعى للالتحاق بحركة فتح الأكثر نضالية والأكثر انفتاحا من الناحية الفكرية والثقافية، أما مشعل فقد عاش وتعلم في الكويت في السبعينات ومطلع الثمانينات ومال إلى حركة القطيع التي كانت تتوجه بشكل لا إرادي نحو التيارات الدينية بوصفها القطب الصاعد في الحياة السياسية آنذاك، وبعين الخبراء في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين هناك التقطوه، لما يتوفر عليه من صفات وخبرات اضافة الى استعداده لتنفيذ الأوامر من دون نقاش، وهي الصفات التي تبحث عنها الجماعة في الأفراد التي تسعى إلى تجنيدها في صفوفها في شتى المجتمعات التي تعمل فيها، وهي أيضا عين الخصائص التي مكنت الجماعة من أن تأمن التمردات والانقسامات في داخلها إلى حد كبير.


[caption id="attachment_55252010" align="alignleft" width="300"]خالد مشعل لدى زيارته مقر حزب الحرية والعدالة للاجتماع مع محمد مرسى رئيس الحزب انذاك لتهنئته بفوز الذراع السياسي للجماعة بالانتخابات البرلمانية المصرية( يناير 2011 ) خالد مشعل لدى زيارته مقر حزب الحرية والعدالة للاجتماع مع محمد مرسى رئيس الحزب انذاك لتهنئته بفوز الذراع السياسي للجماعة بالانتخابات البرلمانية المصرية( يناير 2011 )[/caption]

كثيرا ما كان دحلان يتحدى قادته حتى إنه لم يتورع عن قيادة مجموعة داخل حركة فتح في أواخر التسعينات من القرن الماضي، طالبت الزعيم الراحل ياسر عرفات - في أوج قوته - بإجراء إصلاحات جوهرية في فتح ومنظمة التحرير لتخليصهما من الفساد والبيروقراطية، أما مشعل فلم يعرف عنه تحديه لقياداته الأعلى منه، وتكفلت شخصيته المنصاعة ومعها قدر من الحظ بالوصول إلى مكانة كبيرة في حماس، فمن جانب كانت إيران التي تدهورت علاقتها بشدة مع الغرب والولايات المتحدة في التسعينات بسبب سعيها للحصول على البديل النووي إلى جانب محاولاتها المستميتة لإفشال مشروعات التسوية السياسية للصراع العربي - الإسرائيلي، تتوق لإقامة علاقات مع التيارات المناوئة للغرب في المنطقة كورقة ضغط تعادل بها محاولاته لعزلها وحصارها، في ذلك الوقت كان خالد مشعل قد انتخب رئيسا للمكتب السياسي لحماس عام 1996، وكان معروفا عنه مدى إعجابه بالخميني والثورة الإيرانية، وهو خط لم يكن الإخوان المسلمون كتنظيم ضده (وفق ما يذكر يوسف ندا القيادي بالتنظيم الدولي في مذكراته)، وفي مواقف كثيرة أظهر مشعل نزقا يثير الاستغراب في بعض الأحيان مثلما فعل حين هدد إسرائيل بأن أي اعتداء على إيران سيعتبر اعتداء على حماس وعليه شخصيا.


محاولة اغتيال فاشلة لمشعل




على الجانب الآخر لعب الحظ دوره في تصعيد مشعل داخل حماس وتلميع صورته شعبيا، وذلك عندما تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة من جانب الموساد عام 1997 ثم توالى سقوط رموز الجيل الأكبر منه إما بسبب اتهامات بالإرهاب (موسى أبو مرزوق الذي كان أول رئيس للمكتب السياسي لحماس) أو بالقتل على يد الإسرائيليين (أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي)، ولأن حركة حماس كانت تحتاج بشدة إلى التمويل للإنفاق على مقاتليها فقد ارتفعت أسهم مشعل الذي ظل يعمل بالخارج ويستثمر عمليات حماس في الداخل لجني الأموال للتنظيم من إيران وليبيا وسوريا وقطر ومن الجمعيات الخيرية التابعة للإخوان في بعض بلدان الخليج. بمعني آخر كانت حداثة تكوين حماس مقارنة بفتح، إلى جانب افتقار حماس إلى شخصيات ذات قدرة على مخاطبة الخارج بسبب ضعف التكوين الثقافي والمهارات الذهنية سببا في تصعيد خالد مشعل إلى قمة التنظيم في لحظة تضافرت فيها عناصر مثل طبيعة شخصيته ومحاولة اغتياله من جانب الموساد وحسن طالعه لخدمة هذا الصعود. على العكس من ذلك كانت شخصية محمد دحلان المتمردة والتي صقلتها سنوات السجن في إسرائيل في الثمانينات دافعة في اتجاه المناورة بالصدام حينا وبالملاينة حينا آخر سواء في ما يخص الشأن الداخلي أو العلاقات مع الخارج، فلم تتوقف معارك محمد دحلان مع قادة السلطة حتى بعد رحيل أبو عمار عام 2004، وبدأ الصدام مبكرا بينه وبين أبو مازن حول كثير من قضايا الفساد والمحسوبية داخل فتح ومنظمة التحرير، كما دار أيضا حول أسلوب التفاوض مع الإسرائيليين وإدارة العلاقات مع واشنطن، حتى إنه كان يرفض في بعض الأحيان حضور الجلسات الخاصة بالحوارات الأمنية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل وبمشاركة واشنطن، ورغم أن أبو مازن قام بفصله من اللجنة المركزية لفتح فإنه لم يختفِ من الساحة وظل حتى اليوم رقما مهمّا في معادلة الاستقرار الداخلي الفلسطيني وفي معادلة التنافس الإقليمي على السيطرة على القرار الوطني الفلسطيني.



رجلان ومشروعان





لأن الهم الأساسي للفلسطينيين بغض النظر عن اختلافهم هو تحقيق دولتهم المستقلة، فإن بروز القيادات ودعمها شعبيا يتوقف على مدى قدرة أي شخصية طموحة على ترويج مشروعها الهادف إلى تحقيق هذه الأمنية. ومع خيبة أمل الفلسطينيين في اتفاق أوسلو، إلا أن الأغلبية منهم لا تزال تؤمن بحل الدولتين (دولة للفلسطينيين على حدود 67، ودولة لليهود إلى الجوار منها).


[caption id="attachment_55252011" align="alignright" width="182"]محمد دحلان محمد دحلان [/caption]

في ما يتعلق بمشروع دحلان للتسوية نجد أنه لا يخرج عن هذا التصور الذي يتطابق مع المبادرة العربية للتسوية والتي تبنتها الجامعة العربية كإطار مقبول للحل مقابل التطبيع مع إسرائيل، كما أنه لا يبعد كثيرا عن تصورات الولايات المتحدة والدول الأوروبية حتى لو أجريت بعض التعديلات بموافقة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، أما حماس فهي ترفض أي تسوية لا تتضمن تحرير فلسطين من النهر إلى البحر وينص ميثاقها على السعي لإنهاء الدولة العبرية، ورغم أن خالد مشعل حاول أن يظهر جانبا أقل تطرفا مما ينص عليه دستور حماس بتصريحه أن «المفاوضات ليست أمرا محرما» وأن حماس يمكنها أن تقبل دولة فلسطينية مؤقتة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 مقابل توقيع هدنة لمدة 20 عاما مع إسرائيل، رغم ذلك لا يوجد أحد لا في إسرائيل ولا في الغرب لديه الاستعداد لمناقشة هذا المشروع الذي يتصف بالبهلوانية وعدم الواقعية، فما الإغراء في هذا المشروع بالنسبة لإسرائيل لكي تقبله؟ وما القدرات التي تملكها حماس لإجبارها على القبول به؟
لا يسأل مشعل نفسه هذه الأسئلة، فتصريحاته عن الهدنة مقابل دولة فلسطينية على حدود 1967 لم تأتِ إلا بعد وصول الإخوان للحكم في مصر (قبل أن يسقطوا بعد ذلك بنحو عام)، ولا يمكن فهمها إلا في سياق تفاهمات التنظيم الدولي مع الولايات المتحدة التي كانت على استعداد لمساعدة الإخوان في الوصول إلى الحكم في معظم البلاد العربية مقابل تعهدهم بإسقاط سعيهم لتدمير إسرائيل أو التعرض للمصالح الأميركية في المنطقة، بمعنى آخر لم يكن مشعل صاحب الدعاوى القديمة بأن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين يعبر في تحول موقفه عن قناعة أو نقد للذات، بل يعكس طبيعة شخصيته المجبولة على الانصياع لما تطلبه منه قياداته، أي قيادات التنظيم الدولي وإيران التي كانت تسعى بدورها للبحث عن وسيلة للتخلص من الحصار المفروض عليها، فكانت الاتصالات السرية بينها وبين واشنطن والتي تضمنت وعدا من طهران بالكف عن خطاب التحريض - هي وأذرعها في المنطقة - على تدمير إسرائيل فضغطت على مشعل للإعلان عن قبوله فكرة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو مع شق طريق للتراجع بالحديث عن أن العرض ليس دخولا في مشروعات التسوية، بل مجرد هدنة ولو طال أمدها.



الرجلان والتنافس الإقليمي





على حين يدرك دحلان حدود القوة الفلسطينية بلا مبالغات دعائية، فإن الطبيعة الخطابية في آيديولوجيا القوى الدينية ومنها حماس تجعلها غير قادرة على التمييز بين الواقع والخيال. يعتقد دحلان أن القضية الفلسطينية دون عمق شعبي ورسمي عربي قضية خاسرة.
وفي نفس الوقت فإن وضع البيض كله في سلة واحدة مغامرة ليست في صالح مشروع تحقيق الأماني القومية للشعب الفلسطيني، لذلك وبحكم ذكائه ومهاراته السياسية لم يتبنَّ مواقف حدية ولم يتورط في الصراعات السياسية داخل الدول العربية كما تورط غيره، كما أنه لم يخسر أيا من الأطراف الإقليمية العظمى في المنطقة لمعرفته بمدى أهميتها جميعا في تحقيق الحلم الفلسطيني، فلم يضغط على مصر لكي تقف في وجه أبو مازن عندما فصله من فتح، ولم يتورط في تصريحات معادية لأية قوى أخرى في الخليج على رغم تباين مواقفها من مشروعه حتى لو أبدت عداء أو تجاهلا له، وأجاد لعبة الارتكان إلى تأييد الطرف الأقدر على الوقوف معه في كل لحظة منتظرا تغيير المواقف وقواعد اللعبة للعودة إلى توازناته المرنة.

وحتى منافسه خالد مشعل لم يجد دحلان غضاضة في مدح مواقفه في بعض الأحيان، كما لم يقابل حملة التشويه من جانب حماس ضده بمثلها، وركز اهتمامه على معركته الأهم مع أبو مازن لمعرفته بأن الرجل بات أقرب للرحيل عن منصبه في أية لحظة سواء لعامل السن أو لعجزه عن مجابهة التحديات داخل منظمته ومؤسسات سلطته، وثمة اعتقاد واسع بأن دحلان يحشد قوته انتظارا لهذه اللحظة، ومن ثم فهو لا يسعى للملاسنة مع قادة حماس أو إعلامها للتفرغ لمعركته الأساسية. على العكس من ذلك يظهر خالد مشعل ضعفا في مواجهة المواقف المنفلتة لبعض قيادات حماس، خصوصا في الداخل الفلسطيني تجاه بعض الحكومات العربية، وبسبب ذلك خسرت حماس كثيرا عندما وقفت مثلا ضد إرادة الغالبية العظمى من المصريين الذين ثاروا على حكم الإخوان وأسقطوه، كما لم تستفد حماس من تطابق موقفها مع مواقف الدول الخليجية من الثورة السورية رغم أن نفس الموقف قد كلفها خسارة الدعم الإيراني، وانتهى الأمر بها وبمشعل إلى علاقات باردة مع أغلب البلدان العربية ومواجهة قابلة للتوسع مع مصر شعبا وحكومة، خصوصا بعد صدور حكم من إحدى المحاكم المصرية باعتبارها جماعة إرهابية.



العلاقات الدولية





ساهمت فترة التكوين وخيارات الانتماء الفكري لدى دحلان وحماس في تحديد مدى إمكانية كل منهما في إقامة علاقات دولية خاصة مع القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. في ما يتعلق بدحلان فقد استفاد من خبرته الطويلة إلى جانب الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي تمتع بصلات دولية كبرى، ومن ثم استطاع دحلان بناء شبكة معقدة من العلاقات مع قادة دول، بالإضافة إلى خبراء أمنيين كبار في أكثر العواصم قوة وتأثيرا على النطاق الدولي كونه عمل لفترة رئيسا لجهاز الأمن الوقائي في غزة ومستشارا أمنيا لأبو مازن ولعدد من قادة الدول العربية سواء بشكل رسمي أو غير رسمي. وتظهر مذكرات جورج تينت «في قلب العاصفة» مدى ما تمتع به دحلان من احترام لتقديراته الأمنية والسياسية أثناء المباحثات التي دارت بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي منذ عام 2002، كما أبدى الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن إعجابه بمدى اطلاعه على تعقيدات السياسة الإسرائيلية (أتقن دحلان خلال فترة سجنه في إسرائيل اللغة العبرية وقرأ الكثير من الكتب التي تتناول المجتمع والسياسة الإسرائيليتين)، كما تنبأ له الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بأن يكون الزعيم القادم لتمثيل جيل جديد من الفلسطينيين، إلا أن ذلك كله لم يكن بالضرورة في صالح الرجل، حيث استغل البعض هذا التقدير لشخصه للقدح فيه واتهامه بالعمالة للولايات المتحدة وإسرائيل، ويعتقد بشكل واسع أن علاقات دحلان بكثير من صانعي القرار في أوروبا وأميركا لم تنقطع رغم ابتعاده عن المناصب الرسمية في السلطة الفلسطينية حتى قبل انقلاب أبو مازن ضده.


[caption id="attachment_55252012" align="alignleft" width="300"]خالد مشعل يجري بعض التمارين البدنية باحدى الصالات الرياضية في الدوحة (فبراير -2013 ) خالد مشعل يجري بعض التمارين البدنية باحدى الصالات الرياضية في الدوحة (فبراير -2013 )[/caption]


على الجانب الآخر كان منافسه أو قرينه، النقيض خالد مشعل وجماعته «حماس» بلا ظهير دولي، ليس فقط لأن لغة الخطاب لديهما لا تتلاقى مع تصورات الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الكبرى لكيفية حل الصراع العربي - الإسرائيلي، بل لأن مشعل نفسه كان بحكم انتمائه إلى الإخوان المسلمين مبكرا قد تشرب بالخطاب العدائي الذي درجت الجماعة على توجيهه إلى الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية، فإذا أضفنا إلى ذلك عدم توافر شخصيته على الخصائص المناسبة لما يمكن تسميته برجل الدولة، يمكن فهم سيكولوجية الرجل الذي حصر نفسه في إطار علاقات إقليمية ، ولم يكن تنظيم حماس ليمنحه الحق في إقامة حوار مع الولايات المتحدة حتى لو كان ذلك متاحا، لأن التنظيم جعل العلاقات مع واشنطن والغرب حقا حصريا له وليس لفروعه في أي دولة سواء عربية أو غير عربية.



مسارات المستقبل





مع اندلاع المواجهة التي ما زالت جارية بين إسرائيل وحركة حماس منذ منتصف الشهر الماضي، عادت الأضواء لتسلط من جديد على دحلان ومشعل، الأول كثف من ظهوره ومن معاركه مع أبو مازن في مؤشر واضح على توقعه بأن تسفر المواجهة الحالية عن سقوط حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية ورحيل أبو مازن عن السلطة ومن ثم ينفتح الطريق أمام اختيار خليفة له، وهي الفرصة التي يتحينها دحلان وتقف من خلفه قوى إقليمية كبرى، بينما يقف الثاني (مشعل) حائرا يردد نفس التعبيرات الإنشائية عن انتصارات حماس وخط المقاومة وتدعمه أيضا القوى الإقليمية التي تراهن على إمكانية عودة الإخوان إلى المشهد مجددا لتحقيق طموحاتها في التحول إلى قوى إقليمية عظمى (تركيا وإيران تحديدا)، ورسم خارطة المنطقة بما يتوافق مع مصالحها وأهدافها.

ولأن دروس التاريخ تظهر أن البراغماتيون الأصلاء هم الأقرب دائما لكسب السباق، فإن انتصار براغماتية دحلان مرجحة على إمكانية فوز براغماتية مشعل التي يحد منها جمود القاعدة الاجتماعية والسياسية المحسوبة عليه، فضلا عن تعارض الخطاب المعلن مع السياسات التي تمارس على الأرض في الداخل الفلسطيني وانتهاء بعلاقات مشوبة بالتبعية لقوى إقليمية متناقضة في أهدافها النهائية.

font change