الهجرة «طوق نجاة» شباب لبنان... فهل تفرغ البلاد من رأسمالها البشري

41 % يبحثون عن «فرصة الرحيل»

انهيار الليرة أحد أهم أسباب الهجرة

الهجرة «طوق نجاة» شباب لبنان... فهل تفرغ البلاد من رأسمالها البشري

بيروت: يتعلّق شباب لبنان بـ«طوق نجاة» هربا من «جهنّم» يكتوون بنيرانها في بلد بات العيش فيه، بالنسبة إلى كثيرين منهم شبه مستحيل، فـ«الهجرة» لمن استطاع إليها سبيلا، أضحت «باب الخلاص» الوحيد لأفواج الطامحين إلى القفز نحو فسحة أمل، باتجاه مستقبل «غير واضح المعالم»، في وطن ينزف رأسماله البشري بشكل مخيف منذ 2019 وحتى اليوم.

 

يتسابق الشباب اللبناني في تسلّق «سُلّم الرحيل» عبر أبواب السفارات، علّها تفتح لهم «طاقة الفرج» المرجوة نحو بلد يتلاقى مع كفاءاتهم بغدٍ يُشبه طموحاتهم.

 

يتأرجح جيل الشباب على حافة الهاوية، وغالبيتهم يجهد في العثور على فسحة أمل تُنير لهم مستقبلهم وتُمكّنهم من تخطي حالة اليأس والقفز نحو فرصة حقيقية في تحقيق ذاتهم وطموحاتهم، جراء تحمّلهم لأعباء أكبر من قدراتهم نتيجة تداعيات «الأزمة الثلاثية الأبعاد» القائمة على التجاذبات السياسية وانهيار الليرة اللبنانية والارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار، يُضاف إليها تفشي جائحة كورونا وأضرار انفجار مرفأ بيروت، خلّفت مجتمعة آثارا اجتماعية ونفسية خطيرة في صفوف الشباب.

ومع استمرار تأزم الأوضاع في لبنان، بيّنت أرقام منظمة «اليونيسيف» أن 3 من بين كل 10 شبان وشابات في لبنان توقفوا عن التعليم للبحث عن فرص عمل، فيما يشعر نحو 41 في المائة من الشباب أن فرصتهم الوحيدة هي البحث عن فرص في الخارج، إذ تُرهق كاهل الشباب والشابات مسؤوليات جمّة تطال تأثيراتها صحتهم النفسية، تدفعهم إلى الانخراط في عمل غير رسمي أو غير منتظم أو حتى متدني الأجر بغية تأمين دخل يُمكنّهم من مساعدة أسرهم، فهل يتم تفريغ البلد من عنصره الديناميكي؟

 

اللبنانيون أجبروا على الوقوف في الطوابير حتى لشراء الخبز

 

رحلات الوداع.. غصّة ممزوجة بـ«فرح»!

كان انفجار مرفأ بيروت بمثابة نقطة تحول في حياة الشباب اللبنانيين، فحال الإحباط دفعت بالكثيرين منهم، وبـ«تشجيع» من ذويهم إلى العزم نحو شدّ الرحال نحو ملاذ آمن خارج حدود الوطن، طمعا ببيئة مستقرة توفّر لهم مستقبلا مضمونا، بعيدا عن مخططات سلطة سياسية عاثت بالبلاد فسادا وبالاقتصاد ومؤسساته تدميرا، وقوّضت فرص العمل أمامهم، ليبحثوا عنها خارج حدود الوطن، بعد أن توالت في السنتين الأخيرتين الأحداث السياسية والاقتصادية باتجاه انحدار غير مسبوق لم يشهد له البلد مثيلاً.

هذه الأحداث المتراكمة دفعت بناهد منصور، وهي أم لشابين: عامر (مهندس)، وبلال (محاسب)، إلى حثّهما على اتخاذ قرار المغادرة، فغصّة الفراق التي تعيشها على رحيلهما عنها منذ قرابة الشهر، ممزوجة بفرحة «فرار» ولديها نحو وجهة آمنة، حالها كحال العديد من الأهالي الذين باتوا يرسلون أبناءهم بـ«رضى» إلى أصقاع الأرض، علّهم يحظون بحياة أفضل، وأقله في الحصول على أدنى مقومات الحياة التي يفتقدونها في بلدهم.

«4 سنوات أمضاها عامر يبحث فيها عن عمل دون جدوى، فيما شقيقه يعمل بمبلغ زهيد بات لا يكفيه سوى للتنقل، فلماذا يبقيان؟»، هكذا تُخفّف ناهد عن نفسها غياب ولديها، من دون أن تخفي نقمتها على الطبقة السياسية التي أجبرتها وأولادها على تجرّع «الخيار المر»، لتتابع قائلة عبر «المجلة»: «كيف سيبنيان مستقبلهما في ظل الأوضاع التي تزداد صعوبة، فأبسط الأمور معدومة فلا مياه ولا كهرباء ولا محروقات، ولقمة العيش بالكاد يتم تأمينها، لذا فوجودهما خارج البلاد يضمن لهم أقلّه مستوى العيش الكريم».

 

أكبر حصيلة منذ 5 سنوات.. وارتفاع 346 في المائة!

دفعت الأزمة الاقتصادية المالية المتفاقمة منذ نحو 3 سنوات، بآلاف اللبنانيين للهجرة والسفر بحثا عن فرصة عمل أو تحسينا لظروف الحياة التي أصبحت مستحيلة في ظلّ انعدام الخدمات العامة من كهرباء ومياه ونقل وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، وانتشار البطالة بشكل كبير.

وقد وصل عدد المهاجرين والمسافرين وفق «الدولية للمعلومات»، في العام 2021 إلى 79134 شخصا مقارنة بـ17721 شخصا في العام 2020. أي بارتفاع مقداره 61413 شخصا ونسبته 346 في المائة، وبالتالي يكون العام 2021 قد سجّل العدد الأكبر من المهاجرين والمسافرين خلال الأعوام الخمسة الماضية.

بلغت حصيلة المهاجرين والمسافرين 215653 شخصا ما بين 2017 و2021. وأكد الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين لـ«المجلة» أن «لأوضاع الاقتصادية غير المستقرة والمنهارة التي يمر بها لبنان، بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي شكلت سببا أساسيا لزيادة أعداد المسافرين والمهاجرين اللبنانيين»، مشيرا إلى أن «العدد وصل في العام 2021 إلى نحو 80 ألفاً، مقارنة بـ17721 بالعام 2020، أما في العام 2019 فكان العدد 66600 وكان 33 ألفا عام 2018، مقابل 19 ألفا في 2017».

وأوضح شمس الدين أنه «خلال الخمس سنوات الأخيرة، هناك 215 ألف لبناني هاجروا بحثا عن فرص عمل أو حياة أفضل، و70 في المائة منهم من الفئات الشابة ما بين 20 إلى 40 سنة»، مشيرا إلى أنه «في المدى المنظور، الهجرة والسفر ثروة للبنان نتيجة تحويلات المقيمين من الخارج إلى ذويهم في لبنان، لكن على المدى البعيد، وفي حال استمرت بهذه الوتيرة، فإن لبنان في غضون 10 سنوات سيفرغ من أكثرية الفئات الشابة ليبقى فيه فقط من هم في عمر متقدم، وهذا سيؤدي إلى خلل كبير في التركيبة الاقتصادية».

 

التظاهرات عمت لبنان الاسبوع الماضي احتجاجا على الغلاء

 

خلل في الهرم السكاني!

على مر السنوات، كانت هجرة رأسمال لبنان البشري مستمرة، إلا أنها ازدادت سوءا منذ أحداث 2019. إذ لم تعد الهجرة تقتصر فقط على الأدمغة، بل طالت الكفاءات من أصحاب الاختصاص والخريجين الجدد من الشباب الذين ينشدون بناء مستقبلهم، مما يؤثر على ديموغرافية البلد كونهم أساس بنية كل بلد لاستمراريته ومحرّك عجلة دورته الاجتماعية والاقتصادية.

يُعتبر الوضع الاقتصادي والاجتماعي المسبب الرئيسي للهجرة في لبنان، وفق الخبير في علم الاجتماع الدكتور نزار حيدر الذي شدد عبر «المجلة» على أن «لبنان من أكثر الدول العربية هجرة للشباب، أي هجرة الأدمغة وحملة الشهادات، وهذا الموضوع يؤثر كثيرا على بنية المجتمع اللبناني».

وأوضح أن «ارتفاع نسبة البطالة فاقمت لجوء تلك الفئة إلى الهجرة، فالخريجون يحتاجون إلى سنتين أو ثلاث لإيجاد عمل، هذا إن وجدوه، ضمن اختصاصهم، وبعضهم في حال لم يجدوا عملاً، يلجأون إلى الانتساب لحزب معين لاستخدام الواسطة التي هي ذات قيمة للأسف في المجتمع اللبناني في كل الوظائف في القطاعين العام والخاص، فالشهادة ليست معيارا أساسيا للحصول على وظيفة في البلد، والمحسوبيات تتحكم بكل المجالات، بغض النظر عن الكفاءة، ولهذا السبب معدلات البطالة مرتفعة جداً».

ولفت إلى أنه «من أسباب الهجرة سابقا البحث عن اختصاص معيّن غير موجود في الجامعات اللبنانية أو إيجاد عمل باختصاص غير متوافر في السوق المحلية، أو ضيق سوق العمل في لبنان، أما الأسباب المستجدة فهي ارتفاع الدولار مقابل سعر صرف الليرة اللبنانية وعدم الاستقرار على المستويات كافة».

وفي الوقت الذي بات المجتمع اللبناني يرتكز على التحويلات المالية التي يرسلها المغتربون بالدولار للصمود والاستمرار في الوضع المأزوم، تحدث حيدر عن أن «هذه الإيجابية لا يمكنها محو سلبيات كثيرة للهجرة، ومنها خسارة البلد للفئة الشابة المثقفة وأصحاب الكفاءات وتأثيرها الكبيرعلى الهرم السكاني الموجود، إذ تضمحل فئة الشباب (التي تتراوح أعمارها ما بين 25 و35 عاماً)، لتصبح غير موجودة، وهذا ما انعكس على قاعدة الهرم السكاني فباتت في المنتصف ضعيفة جداً».

وقال: «الشباب الذكور هم أكثر المهاجرين ما ينعكس سلبا على الهرم السكاني، فزيادة هجرتهم تؤدي إلى زيادة مستويات العزوبة في لبنان، كما تؤثر على معدلات الإنجاب وتؤدي إلى خلل في التعداد السكاني».

واعتبر حيدرأن الخسارة مزدوجة للفئة الشابة المنتجة وللعقول اللبنانية، فمعظم المهاجرين نتيجة الوضع الاقتصادي هم من الأطباء والأساتذة وغيرهم من أصحاب الاختصاص، لافتا إلى أن «النتائج ستظهر على المجتمع داخلياً، على الرغم من تكوين غالبيتهم أسرا في الخارج، وهذا أمر جيد لأن اللبناني الذكر يستطيع أن يعطي الجنسية لزوجته وأولاده».

وعن وجهة اللبنانيين، أوضح أن «معظم المهاجرين في لبنان يفضلون دول الخليج باعتبارها هي الأقرب للثقافة من حيث اللغة العربية المتداولة إن في السعودية أو قطر والبحرين والكويت وغيرها، حيث يعملون في مجالات مختلفة وتركوا بصمتهم الإبداعية في كل المجالات داخلها».

وخلص إلى أنه «لو استطعنا الحفاظ على هذه الكوادر، لكان لبنان بألف خير، ولكن مقومات مساعدتهم في أبسط الأمور غير متوفرة، فقروض الإسكان توقفت، والعديد من الشباب الحاصلين على قروض لشراء منزل أو الزواج تعثروا عن الدفع، ليُضاف بذلك عامل جديد يدفع الشباب إلى التمسك بدافع الهجرة».

 

 

font change

مقالات ذات صلة