متاهة الثقافة الوطنية في العالم العربي

صورة في مرايا متعددة

متاهة الثقافة الوطنية في العالم العربي

[caption id="attachment_55264144" align="aligncenter" width="1314"]مشهد من فيلم (رسالة تيتة رهيبة) الذي قدم عمق الانقسام المجتمعي بسخرية مريرة مشهد من فيلم (رسالة تيتة رهيبة) الذي قدم عمق الانقسام المجتمعي بسخرية مريرة[/caption]

دبي: ممدوح الشيخ



* قضية «الثقافة الوطنية» مطروحة عالمياً بدرجات متفاوتة من الإلحاح، لكنها غالباً تتمحور حول الحفاظ على منظومة قيم تهددها ثقافات المهاجرين.
* في الحرب الأهلية الأميركية كان هناك صراع مصالح بين الشمال والجنوب، لكن كان هناك أيضاً «صراع قيم».
* السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل تحظى قضية الثقافة الوطنية – عربياً وقُطرياً – بالقدر الكافي من الاهتمام؟



شكلت قضية «الدولة» العمود الفقري للثقافة المعاصرة، وانتقلت حالة التمحور حولها من الثقافة الغربية إلى الثقافة العربية خلال القرنين الماضيين، لتتراجع إلى الوراء وتيرة الاهتمام بالمدخلات الأخرى في ثقافتنا «الفرد - العائلة - الكيانات الوسيطة بين الفرد والدولة - المجتمع المدني...»، وبطبيعة الحال تراجع الاهتمام بالمشترك العام الثقافي الذي يمكن أن يشكل ما يمكن أن نشير إليه بـ«الثقافة الوطنية».


سؤال الثقافة في لحظات التحول



ومع كل منعطف تاريخي في تاريخ المنطقة، وبصفة خاصة خلال القرن العشرين، أخذت السجالات الأكثر تأثيراً شكل سجالات آيديولوجية – أو سياسية – وبدا أن المكون الثقافي، وربما القيمي، ليس فاعلاً في صياغة اختياراتنا وتحديد ملامح مستقبلنا. حدث هذا في لحظات مهمة بينها: زوال الخلافة العثمانية، ورحيل الاستعمار العسكري المباشر، وانهيار الاتحاد السوفياتي، وأخيراً مع تحولات الربيع العربي.
وعربياً، تتفرع عن العنوان الرئيسي عناوين فرعية كثيرة كان أكثرها وضوحاً وإلحاحاً خلال ما يقرب من نصف قرنٍ مضى قضايا: «الآيديولوجيا» و«السياسة» و«الهوية»، وكانت الطبيعة التي صبغت هذا الحضور – في الغالب – الطبيعة الصراعية لا الوفاقية، وبدا لكثيرين ممن انخرطوا في هذه النقاشات - المعارك، أن الحل هو في الإقصاء، فإن لم يتيسر فالتخندق، فإن لم يتيسر فالسجال ثم السجال ثم السجال(!)

أما عامة الناس فتغيرت حياتهم تغيراً اكتسح الكثير من التقاليد وأنماط الحياة دون انتظار لأن تسفر «صراعات المثقفين» عن انتصار كاسح أو حلٍ وسط. وقد استشعر البعض أن ثمة إشكالاً يحتاج إلى حل عندما نظر في مرآة الفن ونمط الحياة، ففيهما، أكثر من غيرهما، تظهر ثمرة الإحجام عن الوقوف عند هذا الإشكال الكبير «المهمل» في مسار واقعنا ومآلات مستقبلنا، ويمكن التعبير عن هذا الإشكال بالقول إن ثقافتنا الوطنية «الأمة والدول القطرية معاً» تفتقر إلى مشتركات عامة أكثر وضوحاً، وبلغة أخرى أن يكون لدينا تصور لما يمكن تسميته «القيم المؤسسة للثقافة العربية». وقد كان الحرص على وحدة الدولة وسيادتها الشغل الشاغل لمنتجي الخطاب الرسمي وغير الرسمي. وغني عن البيان هنا أن ما شهدته وحدة الدولة وسيادتها من تهديد جسيم في منطقتنا يفسر ذلك، لكنه – يقيناً – لا يبرره(!)

وما بين التفاوت والانقسام فروق كبيرة، فالقدرة على شراء منتجات وخدمات تجعل الشخص يعيش في عالم قريب الشبه بالحياة في الغرب، فرق مادي، ووراءه في الواقع أصبح هناك فارق في القيم، ويمكن تلخيص ذلك بما أسميه: «قوائم التكريم» و«قوائم التجريم»، فما يريده قطاع من الناس ويراه تحقيقاً للذات هو نفسه ما يراه قطاع آخر خطراً تجب مقاومته.
وعلى شاشة السينما، مثلاً، لخص النجم محمد هنيدي في فيلمه الشهير «رسالة تيتة رهيبة» عمق الانقسام بالسخرية المريرة.
ويناقش الفيلم – من الناحية القيمية – الفارق الذي يبدو باهتاً بين القسوة والنظام. والنموذج الذي جسده الفنان باسم السمرة – باقتدار شديد – نموذج يهدد المجتمع بالفعل، ومن العشوائيات خرج عشرات الآلاف مثله لينشروا الخراب في الحياة اليومية، وهو خراب تبدو ملامحه أكثر وضوحاً في لحظة البهجة، حيث أصبحت حفلات الزفاف في الكثير من المستويات والطبقات باعثة على الدهشة الممزوجة بالحزن.

والمشهد الأكثر إيحاء في الفيلم – فيما يتصل برسالة الفيلم الاجتماعية – استعانة «تيتة رهيبة»، التي جسدت دورها النجمة سميحة أيوب، بالكلاب البوليسية في مواجهة السنج والمطاوي لحسم الجدل حول ما يليق سماعه في حفل زفاف. وكأن كاتب الفيلم (يوسف معاطي) يقرع جرس إنذار من أن الانحطاط أصبح يفرض نفسه علينا بـ«المطاوي»، وقد لا يكون أمامنا حل لإنقاذ حياتنا سوى الاستعانة بـ«قوة النظام»، وهو تساؤل مشروع. والرمزية في اختيار جنسية «تيتة رهيبة» (ألمانيا) واسم أحد الكلبين اللذين استعانت بهما لحسم الصراع مع الفوضى عدة مرات «جوبلز» له دلالة؛ النموذج الألماني – كرمز للصرامة واحترام النظام – وجوبلز كرمز للنازية التي أعادت صياغة المجتمع الألماني بقسوة. والصراع هو – في أحد وجوهه – بين «المركز» و«الأطراف»، بين المدينة التي كانت رمزاً للتأنق والذوق الراقي، والعشوائيات التي أتت بأسوأ ما في الريف لتجعله يتحكم في كل شيء.


أسئلة «هنا»... أسئلة «هناك»



قضية «الثقافة الوطنية» مطروحة عالمياً بدرجات متفاوتة من الإلحاح في الشمال – الغرب، والجنوب - الشرق، لكنها «هناك» غالباً تتمحور حول الحفاظ على منظومة قيم ما تهددها ثقافات المهاجرين، وهي «هنا» صراع نخبوي حول هذه القيم التي تراها مجموعات كثيرة بشكل ينطوي على اختلاف يأخذ شكلاً صراعياً، وعلى شاشة التلفزيون والسينما يبدو الانقسام أكثر وضوحاً، في ظل حقيقة أننا لا نقرأ ونستقي النسبة الأكبر من معرفتنا بأنفسنا والآخرين والعالم من «الصورة».


تفاوت: نعم... انقسام: لا (!)



أحد الفروق الرئيسية المهمة بين ما يمكن قبوله من ملامح التباين في حياة أمة ما، وما يجب اعتباره «جرس إنذار» هو الفرق بين التفاوت والانقسام. وفي الدول المتقدمة هناك مستويات اجتماعية متفاوتة، لكن هناك ملامح ثقافة وطنية تشمل الجميع. والاهتمامات والأذواق متفاوتة لكنها ليست متناقضة، وهناك منظومة قيم يمكن أن تلخص بها الثقافة الأميركية أو الأوروبية وليس هناك مفهوم مماثل في الثقافة العربية.
ولنأخذ الثقافة الأميركية مثالاً، ففي الحرب الأهلية الأميركية كان هناك صراع مصالح بين الشمال والجنوب، لكن كان هناك أيضاً «صراع قيم»، فالشمال كان يدافع عن قيم الثقافة المدينية، أي: الفردية والحرية والتعاقدية والمساواة والليبرالية، بينما الجنوب كان يدافع عن قيم الثقافة الريفية، أي: التفاوت بين الأعراق، والثقافة المحافظة، والتضامن الجماعي، ومقاومة التغيير... ولا مبالغة في القول بأن حسم الصراع بين المنظومتين كان أحد الشروط الموضوعية لما حققته أميركا لاحقاً.

وما انتصر في الحرب الأهلية الأميركية هو «بالضبط» ما هـُزِم في الصراع السياسي الذي شهده العالم العربي بعد زوال الاستعمار المباشر، لتدخل عدة دول في المنطقة في مسار طويل من استعادة قيم ما قبل المدينة: «الريفية» و«البداوة».
وفي كتابه «رؤساء الولايات المتحدة الأميركية» يبدأ الكاتب الأميركي ماكسيم أريمبروستر سرده قصة الرئيس جورج واشنطن بقوله: «قد لا يكون هنالك أبداً بلد اسمه الولايات المتحدة الأميركية لولا جورج واشنطن. فالأخلاق هي التي جعلت وجود هذا البلد ممكناً أكثر من العبقرية»، وثمة مسافة كبيرة بين قبول المعيار الأخلاقي والانحراف في تطبيقه، فعبر مسيرتها التي تبلغ نحو قرنين اتسمت الرؤية الأميركية للذات والعالم بسمات غير مقبولة، لكن وجود المعيار الأخلاقي كان عاملاً مساعداً مكنها من تصحيح انحرافات مسيرتها التاريخية وبخاصة في قضية مثل العنصرية.

وقد اعتبر الباحث موريس كوهين في مقال عن «الفلسفة الأميركية» أن «أميركا إذا كان لها أن تصطنع طريقة بعض الدول الأوروبية فتنشئ كرسياً وطنياً للفلسفة، فلن تجد إلا شخصاً واحداً يشغله هو جون ديوي». وقد كان ديوي «الممثل الذي تجسدت فيه معظم الأمور التي نعدها أميركية، ففيه مزيج من البرغماتية التي تؤكد ميزان النتائج العملية، والمنهج العلمي، والاختراعات التكنولوجية، والديمقراطية باعتبارها شكلاً للحكومة وطريقة للحياة على حدٍ سواء». أما الكاتب المعروف جورج سانتيانا فيصف علاقة ديوي بالبيئة الأميركية قائلاً: «ما من إنسان غير جون ديوي يستطيع أن يمثل تمثيلاً صادقاً عقلية السواد الأعظم من المواطنين الأميركيين المغامرين المعروفين بالحماس وحدة المزاج. وقد أقام وحده مذهباً فلسفياً وأصبح قوة علمية مسيطرة ونافذة. وقد ورث ديوي الوجدان البيوريتاني النامي عملياً وديمقراطياً وإيجابياً، وتقبَّـل المجتمع الصناعي، والتقنية العلمية، كميدان يمكن أن تصقل فيه الفلسفة الحقيقية وتمتحن».

فمن الكاتب أو المثقف أو المفكر العربي الذي يمكن وصفه – كما هو الحال مع جون ديوي – بأنه تلخيص للثقافة العربية؟
ومن الكاتب أو المثقف أو المفكر المصري «مثلاً» الذي يمكن وصفه – كما هو الحال مع جون ديوي – بأنه تلخيص للثقافة المصرية؟
وبسبب وضوح الرؤية بشأن القيم الأميركية ثمة مؤلفات كثيرة تحمل رسالة واحدة، ولعل أشهر ما ترجم منها إلى العربية كتاب: «القيم الأميركية: المثل العليا التي شكلت أميركا من عصر البيوريتان حتى الحرب الباردة» تأليف نيل بالدوين. وفي كتاب «ثلاثة عشر كتاباً غيرت أميركا» لجاي باريني، نجد كتباً أثرت في الأمة الأميركية كلها، رغم ضخامة حجمها جغرافياً وديموغرافياً، ورغم تعدد روافد المجتمع بين منحدرين من أصول بريطانية وألمانية وإسبانية و...
وعلى عكس ما قد يتخيل كثيرون، فإن في هذا الكتاب عدة أعمال أدبية بينها «كوخ العم توم» و«مغامرات هاكلبري فن»، فضلاً عن «السيرة الذاتية لبنيامين فرانكلين» و«كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس؟» و«الحصافة في رعاية الطفل والرضيع». وفي قائمة ملحقة بالكتاب ضمت مائة كتاب لها التأثير نفسه كان هناك كتاب عن الريجيم(!)

وقد أصدر المفكر الأميركي المعروف صمويل هانتنغتون في العام 2004 كتاباً كبيراً «ترجمته العربية تتجاوز الخمسمائة صفحة» عنوانه «من نحن؟ المناظرة الكبرى حول أميركا». ويلخص البعض ملامح الشخصية الوطنية الأميركية في شخصية المغامر الذي يبني بيته بجوار البركان، وتبدو المسافة واضحة بين نسقين وثقافتين عندما نستحضر صورة الريفي – في مصر وغيرها – الذي يرى «الاستقرار» القيمة الأكبر ويفضل السكون على الحركة، وفي المثل المصري الشهير ما يغني الشرح الكثير، فالريفي يدير حياته على قاعدة «امشي سنة ولا تعدي قنا»؛ أي أن الأهون أن يصبح مساره أطول بمسيرة عام كامل من أن يضطر للمغامرة بعبور قناة ري صغيرة(!)


بين شعوب وأمم



يمكن القول إن التأثير الكبير للكتاب كوسيط مقروء ما زال أحد المصادر الرئيسية للمعرفة في مجتمعات الشمال – الغرب، وأحد أسباب الاختلاف الكبير بين الحالين. فالقراءة تنتج – غالباً – رؤية لها طبيعة قيمية تتجاوز مجرد إنتاج أنماط السلوك المنفصلة عن أصولها النظرية، والتحولات التي تشهدها مجتمعات عربية كثيرة يبدو فيها أثر هذا بوضوح. فالتعليم الغربي ونمط الحياة الغربي والاستخدام الواسع للغات الأجنبية، وبخاصة الإنجليزية جعل بعض المجتمعات تبدو كما لوكانت قد أنقسمت «رأسيا» في دول كانت تهتم في المقام الأول بوحدة التراب الوطني، ونجحت في الحفاظ على وحدتها «أفقياً».

وثمة من يرى أن الفرق هو انعكاس للفرق ين مفهومي «الأمة» و«الشعب» فالأمة مجموعة من الناس يرتبطون بروابط توحدهم المصالح. أما «الشعب» فمجموعة من الناس يعيشون في كيان سياسي واحد وأرض واحدة، بغض النظر عن الرؤية المشتركة للقيم. في الحقيقة إن الإحالة على حالة الاجتماع السياسي بوصفها تفسيراً لحالة الثقافة هي نوع من التفكير المعكوس، فالطبيعي أن يكون حال السياسة ثمرة لحال الثقافة، واستمرار التبرير على هذا النحو قد يعني استمرار الدوران في الحلقة المفرغة إلى أجل لا يعلمه إلا الله.
فبالإمكان – إلى حد كبير – تلخيص الثقافة الأنجلوسكسونية في سلم من القيم ينسب إليها، وكذلك الحال بالنسبة إلى ثقافاتها الفرعية «الأميركية – البريطانية – الكندية...» وكذلك يمكن تلخيص التيار الرئيسي للثقافة الفرنسية باستخدام تعبير «قيم الجمهورية» والأمثلة المماثلة كثيرة.
ويبقى السؤال: هل تحظى قضية الثقافة الوطنية – عربياً وقُطرياً – بالقدر الكافي من الاهتمام؟

font change