ماليك ومطرقة هايدغر

ماليك ومطرقة هايدغر

يقول إنغمار برغمان: "الأفلام أحلام، الأفلام موسيقى. ليس من فن يخترق ضمائرنا، ويذهب مباشرة إلى مشاعرنا، وإلى أعماق الغرف المظلمة لأرواحنا،مثلما يحدث في الأفلام". عبارة توحي بروح فلسفية تجلس خلف كاميرا التصوير، وكذا كان برغمان.

كثيرون هم الكتّاب والفلاسفة الذين اتجهوا إلى صناعة السينما وسخّروا الفن السابع لخدمة قضايا الفلسفة، إنغمار برغمان وأندره تاركوفسكي وكارل دراير وجان لوك غودار ووودي آلن ولوي مال. القائمة تطول. كان للفلسفة الوجودية حظ الأسد من هذا التسخير، كيف لا وهي الأقرب إلى كل إنسان وفنان، فالوجودية ليست معنية بالعلم ولا باكتشاف الكون، بل بالإنسان وبهمومه التي وجدها تحيط به في هذا العالم اللغز، وقد رأى نفسه مقذوفاًفيه، على حد تعبير هايدغر. إنها فلسفة تتحدث عن الحياة، حياتنا كبشر حين نواجه هذا العالم في كل يوم.

هناك اسم أخّرت ذكره إلى هنا لأن هذا المقال عنه، ألا وهو تيرنس ماليك، هذا الفنان العبقري المشغول بقضايا الفلسفة. تيرنس فيلسوف، فقد درس الفلسفة في هارفرد وأوكسفورد وتتلمذ لفترة وجيزة على يد واحد من أعظم فلاسفة القرن، إن لم يكن أعظمهم، مارتن هايدغر. هذه الفترة الوجيزة وضعت بصمتها على كل حياته، فقد ترجم كتاب هايدغر "جوهر المنطق" من الألمانية إلى الإنجليزية، ودرّس الفلسفة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، لكن هذا لم يطل فانتقل إلى دراسة السينما وصناعتها، وظلّ يلقي دروس مارتن هايدغر من خلال الصورة المتحركة، منذ سبعينات القرن الماضي إلى يومنا هذا.

تحدث هايدغر عن الوجود الحقيقي والوجود الزائف مع الآخرين، لذلك تجد أن ماليك يعشق تصوير هذا الوجود الزائف مع الآخرين. يظهر هذا في مشهد امرأة تجلس مستمعةً إلى أحاديث الحب وتبتسم لرجل يخدعها، فلاح نمساوي مسالم يجد نفسه في صفوف الضباط والعساكر النازيين الذين فرضوا عليه القتال في صفوفهم، وفي "أيام الجنة" يغرق الفلاحون في مكافحة الجراد، بينما نستمتع نحن ببهاء المشهد المحتجب عنهم، على الرغم من جماله الخلاب. قد تكفي الإشارة إلى مثل هذه الفكرة، إلا أن ماليك يستمتع بتصوير هذه اللحظات ويُطيلها ربما أكثر من اللازم، لتذكير المشاهد ربما، بأنه يعيش وجوداً زائفاً آخر في حياته.

الوجودية ليست معنية بالعلم ولا باكتشاف الكون، بل بالإنسان وبهمومه التي وجدها تحيط به في هذا العالم اللغز

في "الحياة المخفيّة" يواجه الفلاح النمساوي سؤال الحرية، الموضوع المفضل عند كل وجوديّ. ألسنا نحن من نصنع مصيرنا؟ هل ثمة انفكاك عن الحرية؟ إنه السؤال النقيض لمن يرفعون شعار: هل ثمة انفكاك عن الجبرية؟ لا بد له من أن يكون مسؤولاً عن قراره رفض الحرب، وهذه المسؤولية تترتب عليها تبعات ثقيلة، لا انفكاك عنها. أنت مسؤول عما فعلت، وعما لم تفعل، لِمَ لَم تفعله؟

هايدغر موجود في كل أفلام ماليك بلا استثناء، حتى في "الخط الأحمر الرفيع"، تلك التحفة الفنية التي يتحول فيها السيناريو إلى أسئلة وجودية بطريقة سقراطية لا تنتهي: كيف خسرنا الخير الذي أُعطِيناه؟ كيف انزلق من بين أصابعنا؟ من أين أتى الشر؟ كيف وُجد في قلوبنا؟ ما معنى الوجود؟

في كل فيلم يطرح ماليك قضيته الهايدغرية المفضلة: الوجود في مواجهة الموت. الموت يتخلل الحياة. مواجهة الموت تحرر. هنا تحدث إماطة اللثام عن وجه الحقيقة.الحرية واللا حرية، الاختيارات والمسؤولية عنها، الزيف والأصالة. تيرنس ماليك يعيش هذا القلق الهايدغري حقّاً.

يرى هايدغر أن الفلسفة لم تطرح سؤال الوجود طوال عمرها بشكل صحيح لأن مفهوم الوجود عندها مغلوط من البداية، فالوجود ليس الموجودات، بل أوسع. تأتي سينما ماليك لتظهر الكيفية التي يجب أن نقارب فيها الوجود. "لقد عشنا فوق السحاب"، هكذا يقول الفلاح النمساوي. إنه العيش في علاقة مباشرة مع الطبيعة، حيث كل الأماكن وقتية. نعلم أننا سننتقل عنها إلى أخرى.

عالم الطبيعة العذراء والفلاحين الذي أحبه هايدغر وفضّله على عالم التكنولوجيا، يجري تعريفنا به بشكل مطرد في سينما ماليك. لا يوجد فيلم واحد له ليست فيه حيوانات أو فراشات أو جراد أو طيور، وشريط أخضر ممطر. هذا بالنسبة إليه هو العالم الذي كان يحلم به هايدغر ويحبه، حيث لا تكون علاقتنا بالعالم علاقة ذات وموضوع، بل هي اندماج تغيب فيه الذات في الموضوع، أو بعبارة أصحّ: لا ذات ولا موضوع. دراستنا للميتافيزيقا، بالنسبة إلى هايدغر جرى تشويهها بالمفاهيم التقنية العقلية. هكذا صار عندنا عالم الطبيعة، وعالم الإنسان الذي هو عالم التكنولوجيا، عالم ضاع فيه الإنسان، عالم صناعي للغاية، عملي للغاية، عالم يُستعمَل فيه البشر تماماً كمطرقة هايدغر الذي توجد للاستعمال، ولا ننتبه حقّاً إليها إلا بعد أن تنكسر فلا تعود صالحة لأي استعمال. فقط حينها ننتبه إلى وجودها، إلى وجوده.

يحب ماليك أن يظهر تقديره لإماطة اللثام كفكرة هايدغرية. حالة الوعي والحضور التي تحدث عنها هايدغر موجودة دائمًا، على الأقل في شخصية واحدة لا تنخدع بالوجود الزائف في عالم الثرثرة. في فيلم "الخط الأحمر الرفيع" كانت شخصية شون بين هي الوعي، هو راعي الوجود وفق الاصطلاح الهايدغري، بينما يقوم جيم كافيتزل بدور الحالم الغارق في عالم زائف يحلم بعالم السلام، ويتحدث عن شعلة الحب التي لا تنطفئ في قلبه. عندما يموت هذا الجندي الحالم بالسلام، يجلس صديقه الواقعي في جوار قبره ويسأله سؤالاً خنقته العبرة: كيف هي شعلتك الآن؟

 

 

font change