مصر: الطبقة الوسطى تدفع الثمن

بين "تعويم" وآخر الشركات الصغيرة والمتوسطة أكثر المتأثرين بتداعيات الاصلاحات

Shutterstock
Shutterstock

مصر: الطبقة الوسطى تدفع الثمن

لا يزال ملايين المصريين حائرين يتساءلون عن موعد الخروج من الأزمة الاقتصادية التي غيرت أنماط حياتهم وأولوياتها، وأدت إلى اضطرابات وتبدلات قاسية لدى كثر منهم بعد تعويم الجنيه المصري، ولا سيما في ضوء ما نجم عن ذلك من تضخم وارتفاعات يومية في الأسعار.

في السابق كان مبرر التضخم استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، لكن هذا التبرير لم يعد ينفع بعد تعويم العملة المصرية أكثر من مرة في فترة قصيرة، ما رتَّب تراجعا في قيمة الجنيه، ورفع بالتالي أسعار كل ما تستورده مصر من الغذاء ومستلزمات الإنتاج في مختلف المجالات، وصار الفقر يقترب أكثر من الطبقة المتوسطة فيدفعها إلى قرارات جذرية تغيّر من أنماط معيشتها.

كثر يلمحون إلى أثر الاتفاق الأخير مع صندوق النقد الدولي وحصول مصر على قرض قيمته ثلاثة مليارات دولار، مقسطة على 46 شهرا لتعديل الخلل في ميزان المدفوعات، مع اشتراط خفض قيمة العملة. ترافق ذلك مع بعض التطمينات الحكومية والوعود بتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي المقدمة إلى الفئات الأولى بالرعاية. لكن القوة الشرائية لمختلف السلع والمنتجات انخفضت على الرغم من التصريحات البراقة، في حين تشهد الأسواق حالة من الركود، فالأسعار أصبحت خارج السيطرة حتى مع تدخل الحكومة لضبط السوق بلا جدوى، ولم يسلم القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة من شروط الصندوق. وجاء أثر التعويم على المصريين كافة، انخفاضا في قيمة الجنية في مقابل الدولار بنسبة 65 في المئة في 10 أشهر فقط، وصار الدولار في مستوى 30 جنيها.

في الجانب السلبي للتعويم، يرى بعض الخبراء أن الإجراء غير ملائم في بعض الأحيان لأسباب عدة منها: زيادة الضرائب على المواطنين، وإضعاف الشركات المحلية في المنافسة عالميا بسبب ارتفاع التكلفة، وارتفاع أسعار المواد الخام. أما الجانب الإيجابي لتعويم الجنيه فيتمثل في رأي خبراء آخرين في زيادة الصادرات للمنتجات المحلية وزيادة الطلب عليها بسبب انخفاض العملة، وتشجيع ترشيد الاستهلاك والاعتماد على المنتجات المحلية نتيجة لارتفاع أسعار المنتجات المستوردة، وزيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية لاستغلال فرصة انخفاض العملة.

Shutterstock

ويعيش ثلث سكان مصر البالغ عددهم 104 ملايين نسمة تحت خط الفقر، بحسب أرقام البنك الدولي، وثمة ثلث آخر معرّض للفقر. وأوقفت مرونة سوق الصرف عمل السوق الموازية والمضاربات على الدولار في يناير/ كانون الثاني الماضي "بعدما فقدت مصر أكثر من 20 مليار دولار من "الأموال الساخنة"(Hot money) التي خرجت خلال الربع الأول من العام الماضي من البلاد"، وكانت هذه الجملة التي جاءت على لسان المسؤولين المصريين هي جرس الإنذار الذي استدعى تدخل الحكومة والمصرف المركزي في شكل حاسم في سوق الصرف.

وترتب على ذلك أزمة عنيفة في شح العملات الأجنبية، وعدم قدرة المستوردين على توفير الدولار لإتمام الإفراج عن المنتجات التي تكدست في الموانئ المصرية لتصل قيمتها الإجمالية إلى 14 مليار دولار في الأول من ديسمبر/ كانون الأول 2022، قبل أن ينجح المصرف المركزي في تضييق الفجوة بين أسعار صرف الدولار في السوق الرسمية والسوق السوداء، من خلال التدخل عبر العديد من الإجراءات، وسط تشديدات على ضرورة القضاء على الدولرة والمضاربات التي شهدتها سوق الصرف في مصر خلال الفترة السابقة.

القطاع العريض من "الطبقة المتوسطة" التي لا يعمل أبناؤها في مصالح ومؤسسات الدولة والتي كانت الركيزة للميزان الاجتماعي، أصبحت معلقة، فلا هي محسوبة على غير القادرين المستحقين للرعاية والدعم، ولا هي محسوبة من القادرين.

وكان محللون يحذرون من استمرار هروب الاستثمارات الأجنبية والأموال الساخنة من السوق المصرية بسبب عدم وجود سعر عادل لصرف الدولار في السوق المصرية، حيث كان يتداول في السوق الرسمية عند مستوى 15,77 جنيها قبل بدء تدخل المصرف المركزي المصري وتحريك الأسعار لتصل في الوقت الحالي بعد التعويم الى مستوى 30 جنيها. لكن يبدو أن تحرك المصرف المركزي نحو زيادة مرونة الجنية المصري في مقابل الدولار الأميركي، بدأ يؤتي ثماره ويساعد في جذب الدولار الى السوق المصرية، إذ رصد المصرف عمليات دخول مستثمرين أجانب إلى السوق "مرة أخرى"، في يناير/ كانون الثاني، بمبالغ تخطت 925 مليون دولار.

 الطبقة المتوسطة تدفع الثمن

ويحمّل المواطن الحكومة دائما تبعات أخطائها، وما يحدث له من انزلاقات قوية في سد متطلباته، والواضح أن استمرار زيادة برامج الدعم الحكومية المقدمة إلى الفئات "المستحقة" يبقي هذه الأخيرة صامدة الى حد ما، كما أن تحسين مستويات أجور ورواتب العاملين في الدولة يبقيهم في حماية "سترة النجاة"، لكن القطاع العريض من "الطبقة المتوسطة" التي لا يعمل أبناؤها في مصالح ومؤسسات الدولة والتي كانت الركيزة للميزان الاجتماعي، أصبحت معلقة، فلا هي محسوبة على غير القادرين المستحقين للرعاية والدعم من القادرين، ولا هي محسوبة من القادرين، لأن أبناءها غير قادرين فعلا، ولا هي متوسطة مثلما كانت، ولا هي معدومة الدخل كما هو حاصل. إن مثل هذه المعضلة جعلت أبناء هذه الطبقة يشعرون بخيبة الأمل والقهر وعدم الإحساس بالأمان، من دون أفق لمصيرها. 

Shutterstock

تفيد الأرقام بأن الغالبية العظمى من المصريين خسرت ما يزيد على ثلث قوتها الشرائية في الأشهر القليلة الماضية، في ظل استمرار تراجع الجنيه المصري وارتفاع الأسعار محليا وعالميا، اثر حرب روسيا على أوكرانيا، وعزوف الاستثمار الأجنبي عن الدخول بقوة في السوق المصرية، بينما قدرات القطاع الخاص وإمكاناته على المساعدة في دفع الاقتصاد بعيدا من هامش الخطر غير واضحة.

الاستيراد 90 مليار دولار سنويا 

وارتفعت الديون على الدولة نتيجة للسياسات الحكومية مما أدى إلى عدم استطاعتها توفير الدولار للمستوردين، وقال المستورد ماجد محروس لـ "المجلة" إن مصر تمر في منعطف اقتصادي خطير وستستمر الأزمة إلى حين تسديد فوائد الديون، و"لا بد للدولة لكي تخرج من هذه الفترة العصيبة، من تشجيع ودعم الصناعات والشركات التجارية المتوسطة من طريق عمل مبادرات حقيقية ملموسة على أرض الواقع، وتقليص دور الدولة في القطاع الخاص وتركه يعمل بحرية وفق آليات السوق، والوقف الكامل والشامل للمشاريع غير المنتجة وإعادة تشغيل عمليات البناء وفق ضوابط محددة".

ويقدر حجم الواردات الى مصر بنحو 90 مليار دولار سنويا. وهي سجلت خلال الأشهر الـ 11 الاولى من العام المنصرم نحو 86,6 مليار دولار، مقارنة بـ 80,7 مليارا، في الفترة نفسها من عام 2021، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وتأتي الصين على رأس قائمة أول عشر دول صدّرت إلى مصر خلال الأشهر الـ11 الأولى من العام المنصرم بقيمة 13,2 مليار دولار، تليها  السعودية بقيمة 7,6 مليارات دولار، ثم الولايات المتحدة الأميركية في المركز الثالث بقيمة 6,3 مليارات دولار، فالهند بقيمة 3,9 مليارات دولار. وتحتل روسيا المركز الخامس في قيمة الصادرات إلى مصر بمبلغ 3,7 مليارات دولار، ثم ألمانيا بقيمة 3,6 مليارات دولار.

لذلك اتجهت الدولة المصرية، إلى اتخاذ عدد من الإجراءات الخاصة بالاستغناء عن الدولار والتعامل مع بعض الشركاء التجاريين بالعملات الخاصة بهم. وجاء "اعتماد المصرف الروسي الجنيه المصري من ضمن العملات الرسمية التي يتعامل بها ليتيح مرونة التبادل التجاري بين الدولتين، ويخفف الضغط عن استخدام الدولار"، بحسب رئيس شعبة المستوردين السابق في الاتحاد العام للغرف التجارية أحمد شيحة الذي رأى أن الإجراء الروسي سيعزز من قدرة مصر على التبادل التجاري واستيراد ثلاثة منتجات غذائية تتميز روسيا بوفرتها تشمل القمح ومدخلات الإنتاج والذهب. علما بأن الجنيه المصري يساوي 2,32 روبل روسي بما يؤثر مباشرة في تسهيل التسديد بالعملة المحلية، وتحقيق وفر في الطلب على الدولار. وأشار إلى اتجاه عدد من الدول العربية لاعتماد عملاتها مع مصر، لتسهيل التبادل التجاري وتخفيف ضغط توفير الدولار، وألمح شيحة إلى أن السعودية وقطر من أبرزها.

الشركات الصغيرة والمتوسطة

لطالما شككت غالبية المصريين في شروط صندوق النقد، ومنه كلام رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي في مصر إيفانا فلادكوفا هولار بأن الصندوق يساند الإصلاحات الاقتصادية والجهود المبذولة للحد من التضخم وللمساعدة في تقليص دور الدولة في توليد النشاط الاقتصادي، وتهيئة مناخ تنافسي عادل بين الشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة، وإزالة الحواجز أمام التجارة. على الرغم من أن المصريين ليسوا من أنصار غياب الدولة ودورها، لكن يتمنون أن تؤدي دورا أكبر بكثير في دعم القطاع الخاص، القادر على إحداث انفراج اقتصادي نوعي، ويدركون أيضا أن أي اقتصاد لا يؤدي فيه القطاع الخاص دورا أساسياً ومحورياً لا ينهض.

تعتبر مصر مركزا رائدا للشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعد المملكة العربية السعودية والإمارات. 

ولا شك أن الشركات الصغيرة والمتوسطة، وخصوصا الناشئة منها، أكثر المتأثرين بتداعيات الأزمة الاقتصادية في مصر حيث وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع النفقات المتزايدة المرتبطة بمستلزمات التشغيل والانتاج، وكذلك تراجع أرباحها مع انخفاض القدرة الشرائية للمصريين، إضافة إلى خسارة رأس مالها البشري في العديد من الحالات، وقد انعكس ذلك سلبا على نشاطاتها. لذا، يُعتبر التعاون بين الجهات الاقتصادية الحكومية والقطاع الخاص ركن أساسي من خطة مواجهة هذه التداعيات. 

وتطالب هذه الفئة من الشركات الحكومة المصرية رفع حزمة التسهيلات التجارية التي توفرها لرواد الأعمال، ومساعدتهم على إيجاد مصادر لتمويل مشاريعهم، فضلاً عن تقديم يد العون للشركات الناشئة للتوسع في أسواق خارجية جديدة للتصدير.

من المتوقع أن تتأثر بيئة الاقتصاد الكلي في مصر خلال السنة المالية الحالية 2022 / 2023 بالمتغيرات المتلاحقة، قبل أن تبدأ في التحسن على المدى المتوسط، بحسب مؤشر البنك الدولي عن مصر، الصادر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022. ويشدد المؤشر على أهمية الاستمرار في الإصلاحات، بما في ذلك تعزيز السياسة التجارية والتسهيلات وتحسين بيئة الأعمال التجارية على نطاق أوسع، والسماح بإطلاق يد القطاع الخاص في النشاطات ذات القيمة المضافة الأجدى والموجهة نحو التصدير التي من شأنها توفير فرص العمل ورفع مستويات المعيشة.

على الرغم من الصعوبات، لا تزال مصر تعتبر مركزا رائدا للشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعد المملكة العربية السعودية والإمارات. فبحسب تقرير صارد في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي لمنظمة "ذا ستارت أب سين" (The Startup Scene) لتقييم أداء الشركات الناشئة المصرية خلال عام 2022، حصدت الشركات الناشئة المحلية تمويلا بنحو 300 مليون دولار في النصف الأول من عام 2022، بارتفاع 106 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الأسبق، وفقًا لمنصة البيانات "Magnitt". كما بدأت بعض الشركات باللجوء الى الاستدانة كوسيلة للاستثمار وتمويل أعمالها، وذلك في محاولة منها لابتكار أدوات وحلول جديدة تقوى بها على الصمود في مواجهة الأزمة الاقتصادية.

وأورد تقرير "ذا ستارت أب سين" أن شركة "مودوس كابيتال" (Modus Capital) ومقرها نيويورك دخلت في شراكة مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لإطلاق شركة لتنمية المشاريع في مصر، بينما تخطط "غلوبال 500"، وهو صندوق رأس مال استثماري مقره "سان فرانسيسكو"، لفتح مكتب جديد محليا، وهو الأول في القارة الأفريقية، لدعم نحو 200 شركة ناشئة، وذلك بالإضافة إلى "ألجيبرا فانتشورز" (Algebra Ventures)، وهو صندوق رائد لرأس المال الاستثماري في مصر، يواصل الاستثمار في الشركات الناشئة المحلية.

وكانت مصر أطلقت خلال السنوات الماضية، عددا من المبادرات للتمويل منخفض الفائدة، مثل تمويل القطاع السياحي بفائدة مدعومة تصل إلى ثمانية في المئة، والمشاريع الصغيرة بفائدة خمسة في المئة، والمشاريع المتوسطة للقطاعين الصناعي والزراعي بفائدة ثمانية في المئة، ونشاطات التمويل العقاري بفائدة تتراوح ما بين ثلاثة في المئة لمحدودي الدخل وثمانية في المئة لمتوسطي الدخل، واختفت تلك المبادرات بعد الاتفاق مع الصندوق للتخلص من أي تشوهات في هياكل أسعار الفائدة داخل الجهاز المصرفي، إلا أن الدولة ومن خلال وزارة المالية ستستمر في مبادرات الدعم بفائدة تبلغ 11 في المئة لعدد من القطاعات مثل قطاع الإسكان لمحدودي ومتوسطي الدخل والمبادرات العقارية.

في هذه الأثناء سيبقى المصريون، والطبقة المتوسطة خصوصا، والشركات الصغيرة والمتوسطة، تحت ضغط التداعيات السلبية للأزمة الاقتصادية الطاحنة، على أمل الخروج من عنق الزجاجة.

font change